قراءة في رواية عزازيل ليوسف زيدان
ميسلون هادي
البهجة التي تأتي من (عزازيل) تناقشها هذه الرواية؟
إنها فترة التبشير بالمسيحية، واختلاف الكنائس، وتدمير معابد الوثنية، في القرن الرابع بعد الميلاد ، عندما يضع يوسف زيدان بركات الإيمان الخالص بالرب، بغض النظر عن الديانة، مقابل العنف الدموي ضد اليهود والوثنيين، ثم مذابح الكهنة في الإسكندرية بحقهم، وبحق المهرطقين، ومنهم الفيلسوفة هيباتيا التي يسميها زيدان أستاذة الأزمان. بل أن هذه الصراعات العنيفة سوف تحدث بين بعضهم البعض أيضا لمدة ألف عام، وستشتعل الحروب بين الكنائس في الإسكندرية، حتى وقوعها في قبضة المسلمين.
يستخدم المؤلف خدعة روائية منذ بداية العمل، وهي أن النص عبارة عن رقوق سريانية عثر عليها (المترجم) لراهب مصري مات في تلك الفترة 431 (م). فجعل الرقوق تبدو كأنها حقيقية، بينما هي تعود لشخصية خيالية لا يقينية تعبر عن شكها وتمردها عبر ظهور الشيطان (عزازيل) لها بين حين وآخر، فتتورط بعدة خطايا في تلك الرحلة المنذورة لدراسة الطب واللاهوت.
الراهب هيبا هو بطل الرواية، الذي يكتب مذكراته على الرقوق. وهو الطبيب الذي يشهد الصراعات المذهبية والفكرية في تلك الحقبة، ويعيش صراعاً داخلياً أثناء البحث عن الحقيقة والتطهر والراحة النفسية، وسوف يشعر بحزن شديد لتلك المقاتل، التي حدثت، بسبب الاختلاف في طريقة الإيمان بالرب الواحد، وهذا الرب هو الذي يجب أن يتكفل بهم وسيعفو عنهم.
عزازيل (الشيطان) يتردد كصوت داخلي، أو كيان يرمز إلى الشك، والشهوات، والتساؤلات الفلسفية، التي تلاحق الراهب هيبا، وتدفعه لإعادة النظر في كل ما حوله. وإليه يعزو الفواحش، التي ارتكبها مع أوكتافيا الوثنية، أو مشاعر العشق مع الرقيقة مارتا الحلبية، لكن عزازيل يقول للراهب هيبا: إنه صوتك أنت، وليس صوتي.
رحلة الراهب هيبا طويلة وشاقة، من صعيد مصر إلى الإسكندرية، ثم سيناء، ثم أورشليم، ثم حلب، ثم انطاكية، فالقسطنطينة (اسطنبول حاليا)، هناك التقى أقرب المقربين له، وهو الراهب نسطور، الذي أصبح اسقف إنطاكيا، وقد لعنه كيرلس أسقف الاسكندرية لأنه قال إن العذراء أم المسيح، وليست ام الرب، فهذا كلام سوف يدخل الشيطان إلى المسيحية لأنه لا يجوز الاعتقاد أن الله كان طفلا يخرج من بطن أمه بالمخاض. كلام نسطور اُعتبر كفراً من وجهة نظر المجمع الكنسي في الأسكندرية الارثذوكسية (الإيمان القويم)، لأنه لا يجب فصل الإنسان عن الرب. ومن هنا انطلقت نار الفتنة، التي عمت حرائقها العالم كله، لا سيما هيبا، الذي اهتز يقينه، عندما وجد كل أسقف يخالف الآخر، وينفيه، عندما يكون مقربا من الامبراطور وبابا روما.
الرواية تتحدث عن أزمة الإيمان لدى الراهب هيبا، بعد تلك الصراعات، التي حدثت، والدماء، التي سالت، حول شكليات الإيمان برب واحد، فكان هيبا يحاور شيطانه عزازيل طيلة الوقت، لنعرف أيهما سينتصر في النهاية:
أنا يا هيبا أنت ولا أكون إلا فيك. تراني حاضرا حيثما أردت.
هنا تساءلت مع نفسي، لو أن يوسف زيدان كان قد ناقش المذاهب الإسلامية، وتكفيرها لبعضها البعض، أو تفرقها بسبب شكليات الإيمان برب واحد، أو تشتتها إلى مذاهب فقهية وضعها البشر، ماذا كان سيحدث له من قبل التنظيمات المتطرفة في الإسلام؟؟ ماذا كان سيحدث له؟؟ وهل الرواية تريدنا أن نقرأ هذا الخط الخفي المسكوت عنه، بطريقة غير مباشرة، من خلال الحديث عن الصراعات المسيحية، والغرور الكنسي في الإسكندرية، وقسوة أسقفها، الذي انتشى بمقتل هيباتيا بطريقة شنعاء. بل ويتهمه الراهب هيبا بالتحريض على قتلها.
الكنيسة المصرية الحالية دعت يوسف زيدان إلى المناظرة الفكرية لتفنيد ما اعتربته خطلا في تلك الوقائع التاريخية، التي ذكرتها الرواية، كما ردت على يوسف زيدان بكتب ومحاضرات وردود فعل كنسية وثقافية غاضبة، دون أن تمنع روايته فعلا.
حيلة وجود المترجم في الكتاب كانت محكمة، بحيث يقول المؤلف في البداية:(وقد اجتهدتُ في التعرُّف إلى أية معلومات عن المؤلِّف الأصلي، الراهب هيبا المصري، إضافةً لما رواه هو عن نفسه في روايته ، فلم أجد له أىَّ خبرٍ في المصادر التاريخية القديمة. ومن ثم، فقد خَلَت المراجع الحديثة من أىِّ ذكرٍ له . فكأنه لم يوجد أصلاً، أو هو موجودٌ فقط في هذه (السيرة) التي بين أيدينا. مع أنني تأكَّدتُ بعد بحوثٍ مطوَّلة من صحةِ كُلِّ الشخصيات الكنسية، ودِقَّةِ كل الوقائع التاريخية التي أوردها في مخطوطته البديعة هذه). بل يذكر زيدان أيضا سنة انتهاء المترجم من ترجمة الرقوق، فى 4 أبريل سنة 1994 بتوقيع المترجم، لكي يجعل القارئ يعتقد أننا أمام عمل حقيقي مترجم عن سيرة حقيقية.
- اقتباس من الرواية:من الذي كان موجودا قبل وجود الإنسان على الارض؟ الله. الملائكة. الشيطان.
ماذا كانوا جميعا يفعلون قبل وجودنا وانشغالهم بنا
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم