مهرة المسافات الطويلة

مهرة المسافات الطويلة

ميسلون هادي

كنت محظوظة بأن أعاصر جيل الخمسينات والستينات والسبعينات، وأن أعايشهم عن كثب، مع أني بدأت الكتابة والنشر أوائل الثمانينات. بعد ذلك كان من الطبيعي أن تربطني حرفة الأدب بالأسماء التي جايلتني، والتي جاءت بعدي، وبعد بعدي، لكن أثر الأجيال السابقة في نفسي كان عميقا، وجاء من إحساسي بأنني أراهم بعين كبيرة جدا، فكيف أكون قريبة منهم ومن اهتمامهم.. لطفية الدليمي مثلا، كانت تتابع أعمالي في البدايات، ومعي الكثير من الأدباء الشباب حينذاك، وبالرغم من أنها كانت في عز شبابها، فقد كانت تقول لنا بأننا بمثابة أولادها، وتعبر عن اهتمامها بنا بالقول والفعل. إحساس الأمومة هذا كان حاضرا عندها حتى مع كتاب جدد يكتبون لها على البريد الخاص أول مرة، فترد عليهم باستفاضة روحها الاجتماعية، وتتابعهم فعلا، وتقرأ نصوصهم، فأتساءل مع نفسي كيف لا تهتم بالنيل من نظرها وصحتها ووقتها الثمين؟، وهي المشغولة جدا بالقراءة والتأمل والتأليف والترجمة وكتابة العمود الصحفي؟ هذا السؤال له شق آخر يتعلق بأناقتها المفرطة، وحضورها الكثيف، فما سر هذا الجريان الاستثنائي للربيع في تيار عمرها بأكمله، وما لذي يجعل سيدة في الثمانين من عمرها على هذه الدرجة من سلام الروح، وجمال المظهر؟ لدي سبب أظنه الأهم من الأسباب كلها، وهو أنها كانت تغلق الباب خلفها على أية مشكلة تمر بها، أو تجربة سيئة سببت لها الأذى، وقد تضافر ذلك العامل (الإرادي) مع عامل (جيني) متوارث، وهو الحيوية المتقدة، التي تتسم بها، والتي من النادر أن تتوفر حتى عند كتاب شباب في مقتبل العمر، فكان يمكنها أن تكون أكثر حماسة منهم، وأن تعرف أكثر منهم، وأن تقرأ أكثر منهم، وأن تتابعهم أيضا، وتتبنى الأقوياء منهم.أصبحت لغة الحياة عندها على كثافة شديدة من اللون الأخضر، فتجدون هذه الكثافة حاضرة حتى في الضحكة واللفتة والبدلة والضحكة وتسريحة الشعر. ولأنها تهتم بالطعام الصحي، والاستيقاظ المبكر، والطاقة الإيجابية، فقد أطال هذا الوعي الصحي الإرادي من عمر ذلك المظهر الشبابي شكلا ومضمونا. هذه الكثافة صارت هي لون حبرها أيضا. وانعكست على صبغة قلمها، فأصبحت حاضرة في الموقف والرأي والسرد ايضا. فكانت تكتب بتفصيلية شديدة عن أي مكان تزوره، أو تجربة تختبرها، وإذا كان بعض النقاد قد اعتبر هذا النوع من الوصف مستفيضا، فإني أجده انعكاسا لروح إنسان مفرط الذكاء، يتحرك بحيوية شديدة، ويتنقل بين أفكار كثيرة. امتدح الدكتور نجم عبد الله كاظم روايتها (عشاق وفونوغراف وأزمنة)، واعتبرها من أفضل الروايات العراقية، التي استحضرت المسكوت عنه في التاريخ، لكنه نظر إليها أيضا بعين الناقد الباحث عن الأخطاء، وقال إن فيها تفصيلية كثيرة، بشكل خاص الربع الأول منها. (من الأسطر الأولى لرواية “عشاق وفونوغراف وأزمنة” للروائية والقاصة العراقية لطفية الدليمي، نجد أنفسنا، وكما في كل ما عرفناه من كتاباتها، روايةً وقصةً وحتى مقالةً أدبية أو نقدية، إزاء اللغة الوصفية الجميلة والساحرة، التي تنساب أمامنا بتلقائية غير عادية، بل نحسها تأتي بقلمٍ عاشقٍ للغة. وهي في ارتباطها وتعبيرها عن أشياء بعينها، تكاد تكون مسموعة أكثر منها مقروءة، خصوصاً حين تكون الأشياء التي تعبّر عنها مما يثير العواطف وقد يتلاعب المشاعر، لتُحدث أصداءً في نفس من يمسك بهذا القلم، نعني الكاتبة، أو من تجعله يتحرك صوتاً لها أو معبّراً عنها، نعني الراوي أو الشخصية). (وإذْ لا يتغيّر موقفنا من لغة الكاتبة الوصفية الشفيفة التي تكاد تنفرد بها، قد نأخذ عليها، وإنْ جزئياً، هذه التفصيلية التي لا ندري إن كانت هي التي أغرت الكاتبة لتكون اللغة عندها غاية، أم أن شغف الكاتبة باللغة ذاتها أغرتها فسحبها إلى تلك التفصيلية)؟لم يفسد رأيه للود قضية، وأحبته كما لو كان ابنها، وكتبت عنه النعي الأجمل بعد رحيله (نجم يرتقي إلى عليائه)، مقدمة بذلك نموذجها الحقيقي في تقبل الرأي الآخر بوعي لا ينفعل مع سوء الفهم وقلب لا يعرف الضغينة. أنتقل من الخصوص إلى العموم، وأقول إن التفوق المشهدي في سردها يعود لأسباب عديدة أهمها تشبع الكاتبة على مدى تاريخها بشتى المجالات المعرفية: من الموسيقى إلى الأدب إلى الفلسفة، ومن علم النفس إلى علم الاجتماع والتاريخ، فكانت تضع غلال هذه الحقول فوق مساحات كبيرة من أرضها، فرشتها تحت الضوء، ثم دوزنت عصاها السحرية لاستعمال شذرات هذا الخزين في المكان والزمان المناسبين. ووفقاً لباختين فإن “كل متكلم إلا ويحمل أفقاً اجتماعياً معيناً يعينه على اختيار الكلمات المناسبة”. لهذا نجد للحدائق والأنهار والبساتين والشاي وأهل الشاي الحصة الأكبر من نتاجها، فهي صديقة الأشجار وثمارها، وابنة البساتين وشطآنها، وعنها تقول(تأسست علاقتي بالطبيعة في سني الطفولة الأولى المترنحة على غموض البساتين وأسرار الشجر وأبدية الأنهار وسحر حكايا الجدات وأساطير مخلوقات الأجراف وغيلان الكهوف ، كنتُ أهيم مع الصغار ونبدد نهارات العطلة الصيفية بحثاً عن كنوز الطبيعة: التوت البري وبيوض القٌبرات المنسية بين أكداس سعف النخل وعنب الذئب المبذول على حافات الجداول والماءُ يترقرقُ تحت عباءةٍ من نبات العليق والنعناع البري، وكنا نتسابق في التقاط قواقع الأجراف وجمعها والركض وراء الحلزونات ومحار الشواطئ الرملية أو نمسك بالأسماك الفضية الزلقة ليتبقى على أصابعنا برق من حراشف رقيقة ، ونلاحق السلاحف الناعسة أو ننصت مسحورين الى أغاني قاطفي التمر والصيادين وترنيمات البنات الحاصدات الملفوحات بذهب الشموس وشذا القمح) في كل مكان تتوقف فيه رواياتها، تقدم لنا الكاتبة صورة بانورامية دقيقة مفعمة بالحياة عن تفاصيل الأماكن والأثاث والثياب والسجاد والروائح والأطعمة، حتى لا يفوتها ذكر أدق المكونات الخاصة بأكلة دون أخرى في هذا البلد أو ذاك، والأهم من ذلك كله، فإنها تدون تاريخ المكان، وسيرته البايوغرافية بالتفصيل، مما يعني أن وعيها منتبه لكل صغيرة وكبيرة تمر أمامها من تضاريس وأزياء وأقمشة ونباتات وزخارف وتحفيات وكائنات. في “فلسفة الفنون الجميلة” يقول هيغل عن العلاقة بين الشكل والمضمون “كل مضمون محدد يقرر شكلاً ملائماً له”، وسيكون الشكل الأسمى لديها هو طغيان النَفس الملحمي للغة على الألسن وأطوار الأعين. وبالتالي سوف يعبر عن القدرة الاستثنائية على الإحاطة بأية تجربة تمر بها، والكتابة عنها بكل سهولة… هذا الشكل هو أيضاً سجن الكاتب، حتى وإن كان بصمته، فهل سيتغير الشكل إن تغير المضمون؟ تيري إيغلتون استخلص من هذا السؤال ما يلي: “رغم أن الأسبقية هي لجانب المضمون، ولكن الشكل يؤثر في المضمون ولا يبقى سلبياً أبداً”. إذن اللغة عندها لم تكن غاية فقط، ولكنها تشابكت بشكل كثيف مع المضمون الكثيف، فتضافر أحدهما مع الآخر، لخلق علياء من علياءات الكاتب المثقف، يعكس ثقافته الرفيعة، أكثر مما يعكس مستويات لا يمكن التماهي معها، فكان الأسلوب مشهديا نعرف من هو كاتبه منذ السطر الأول. إنها لا ترسم حافات المياه أو الأشياء، بل ترمي بكل ثقلها في عمق التاريخ والجغرافية والأنثربلوجيا، وستفتح لك باب الدخول إلى التاريخ العراقي، ثم باب الخروج منه إلى حديقته الخلفية: منجم من الروائح والأزمنة والأصوات والأطعمة والحواس التي تموّن أبطال الرواية بالذوق الرفيع، والحكمة الناهلة من خزنة معرفية ووجدانية وتاريخية، تقدمها الكاتبة من خلال انتماءها الكوني العميق (على غير ما درج الناس في أنسابهم أحسّني أنتسب إلى سلالة مائية: سلالة أولئك السومريين الهابطين الى دلتا النهرين من فردوس مفقود، قد أكون كاهنة من كاهنات القمر أنا سليلتهم التي ضلّت في متاهات التاريخ، قد أكون إحدى الناجيات من حقب الطوفانات العظمى، أنقذني أتراحسس) نوح السومري) في فلكهِ المحبوك من القصب والمطلّي بالقار وأتى بي من زمن الى زمن، وجدني وحيدة عند معبد أور في برهة إنهيار دويلات المدن السومرية، وانتشلني من لجج الغمر المائي وأنا أحمل تمائمي وتعاويذي المتمثلة بالنبع الفوّار والقمر والبرق وألقى بي في وحشة الزمن المعاصر وحيدة أيضاً كما وجدني هنا) “ولهذا كله، فقد انطوت لغتها على درجة كبيرة من السحر والحسية، وكانت مادتها على درجة كبيرة من الثراء، ونتاجها الغزير يتطلب أكثر من عقل لإنجازه، بينما في حقيقة الأمر كتبته إمرأة واحدة امتلكت من العمر ربيعه الدائم.. إنها لطفية الدليمي.

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

حسن العاني الصحفي الشجاع

حسن العاني الصحفي الشجاع ميسلون هادي قبل رحيل الكاتب الكبير حسن العاني بأيام كنت أقرأ …