آذر نفيسي ترحل غربا

آذر نفيسي ترحل غربا

ميسلون هادي في سيرتها الذاتية تذكر الأستاذة الجامعية آذر نفيسي كيف بدأت الميول الاستبدادية بالظهور تدريجيا بعد الثورة الإسلامية عام 1979.إنها تتحدث من موقعها كأستاذة شاركت في حراك جامعي معارض يذكرنا بأجواء أية انتفاضة يقوم بها الشباب، فتجد الاعتصامات والخفارات والمواجهات والبلطجية، وفي إحدى المرات تعمدوا قمع المتظاهرين الماركسيين بمظاهرة من العمال، وكأنهم يقولون لهم إن حتى البروليتاريا أصبحت تحت قبضتنا أيها الحالمون.

هي تتحدث عن البدايات طبعا، وكان الحضور الديني بين الطلاب خجولا جدا، فعمدت الحكومة الجديدة على فرض صلاة الجمعة (ربما تقصد صلاة الجماعة) داخل أسوار الجامعات، لكي تشعر بالانتصار على التيارات الليبرالية واليسارية السائدة آنذاك، ولكن الجامعات اعلنت العصيان على هذا الإحتلال، وآذر نفيسي دخلتْ أيضا حلبة هذا الصراع. بعد أن وجدتْ أفكارها الثورية، والاحتفال بسقوط الشاه، قد تحولتا إلى أجواء رعب وتصفيات لأعداء الثورة، و(بعضهم كان مؤيدا للثورة في بدايتها). سأتجاوز تصويرها لأجواء تلك الديستوبيا في 577 صفحة، وتركيزها على الأخطاء (فقط)، لأني لم أجد أمثلة عن أضدادها، وبعضها واضح في جمال المدن الإيرانية وتنظيمها، وفي المستوى العلمي لمحيط الكاتبة الأكاديمي، لهذا سأنتقل من الخصوص إلى العموم، أي إلى الخطوط العامة للفترة التي تتحدث عنها، والتي سبقت فوز الرئيس الإصلاحي خاتمي الساحق في الانتخابات عام

1997تقول إنها كانت حرربا شرسة بين السلطة والمعارضة (المعارضة دينية أيضا، وفيها رجال دين مهمون أصحاب شعبية كبيرة)، وتلك الجبهات كانت تقف في مقدمة الصراع للحفاظ على الحقوق المدنية وحرية التعبير. كما كان معظم الناس يؤيدون وضع دستور علماني للبلاد، والتظاهرات يمكن أن تحدث ضد غلق صحيفة تقدمية، فتكون لجنة الاقتصاص الفوري لها بالمرصاد، وكأنهم يريدون للجميع التحدث بطريقة متشابهة كمن يقرأ نصا مكتوبا لدوره في مسرحية سوفيتية (تقصد التشابه في قمع الحريات مع ثورة أكتوبر).

إنهم يستمدون قوتهم من حقيقة دينية لا يمكن إنكارها، ولكن المختلفين لم يكونوا ضالين ولا فاسدين، فلماذا أوصلوهم إلى نقطة مسح أنفسهم من الوجود، وجعلوهم يبلغون مرحلة اللا مبالاة، التي تسميها آذر نفيسي (غير ذات علاقة)، فماذا يفعل الذين أصبحوا (غير ذوي علاقة) بما يدور حولهم؟ لقد انصرفوا الى مجالات أخرى بعيدة عن السياسة توفر لهم نوعا من الحماية النفسية، وبالنسبة لنفيسي فقد تركت الجامعة، وبدأت مهنتها ككاتبة منذ ذلك الوقت. والتقت أيضا بالرجل المنعزل الذي تسميه الساحر.

فصول الكتاب تروي الكيفية التي تحقق فيه ذلك، وكيف حدث الاسترخاء الحكومي بعد تلك الفترة، وأرادت الثورة تصحيح الأخطاء، عندما أحست الحكومة بحاجتها الى الكادر المهم، الذي استغت عنه في الجامعات، فهم إن مسحوا المثقفين من الوجود، قد جعلوهم محبوبين أكثر، وعملة نادرة، ولهذا بدؤوا باستعادتهم، بعد أن كانوا يتهمونهم سابقا بالانحلال والغربنة. عادت آذر نفيسي للعمل في جامعة العلامة الطباطبائي، بعد أن اقنعتها صديقتها بأن آلاف الشباب التواقين للتعلم أهم من موقفها من الحجاب، وأنها ستكون استثناءً في اختيار المادة التي تريد تدريسها. وكما قلت فالكاتبة تتحدث عن الفترة من 1980، وحتى خروجها من إيران عام 1997.

أنظر عادة بعين الحذر للكاتب الذي ينتقد بلاده لكي يغازل الغرب أو يصل للعالمية، خصوصا إذا جمع الكاتب السلبيات كلها، وهو في حالة مرحلية من السخط والغضب الشديدين، لكن نفيسي أستاذة الادب الانكليزي في جامعة العلامة الطابطائي، كانت حقيقية وهي تغامر بتدريس الروايات العالمية كأداة للمقاومة ضد أدلجة الأدب، ولكن عندما يُشار إلى أن بعض الروايات على أنها إمبريالية غير أخلاقية، كانت تستقتل للدفاع عنها، وعن نماذج أخرى غريبة أو غير أخلاقية، بل تخصص عدة ساعات في الصف الدراسي للحديث عن غاتسبي العظيم فقط!!!، وتنقلها على شكل فصول مملة للكتاب أيضا، لنستطيع، من خلالها، معرفة الطبيعة المشاكسة المتوترة لــ (أستاذة قافلة على رواية معينة) من أجل العناد فقط.

إذن الديستوبيا مروية في 577 صفحة من وجهة نظر كاتبة عنيدة غاضبة مشاكسة، أسست حلقة نسوية في منزلها لقراءة الروايات الممنوعة، وبالتالي يمكن أن نفهم عنادها وتعمدها للتحدي من عنوان الكتاب الانفعالي المزعج عن رواية طفلة مغتصبة اسمها لوليتا؟ مع أن هذه الرواية كانت أقل الروايات ذكرا في الكتاب، ومع أنها تحدثت بوضوح عن مجتمع أكثر تقدما من حكامه، فلماذا تضع هذا النموذج المريض السيء عنوانا لبلدها ومجتمعها أيضا؟هنا نأتي إلى بيت القصيد في كتابها: إنها تريد أن تلوم الناس على التخلي عن صورتهم الحقيقية، لكي يصبحوا صورة مزيفة في خيال الرقيب الأعمى*، ودور الكاتب (من وجهة نظري) هو أن لا يجعل انتقاده لهذا الوضع (بهذه الطريقة المنفعلة)، التي تلقفها العالم على طبق من ذهب، بل أن يساهم بهدوء في تصحيح هذه الصورة، وأن يتناولها بقلم موضوعي قابل للاستدراك، وبدون انحياز مسبق للنموذج الغربي. وهذا السطر الأخير (تحديداً) هو بيت القصيد من منشوري كل

الكتاب:أن تقرأ لوليتا في طهران.

ترجمة ريم قيس كبة.

*رقيب السينما والمسرح كان كليل البصر فعلا

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

مهرة المسافات الطويلة

مهرة المسافات الطويلة ميسلون هادي كنت محظوظة بأن أعاصر جيل الخمسينات والستينات والسبعينات، وأن أعايشهم …