أربعة فصول ولالة وكسرة مرآة قراءة في رواية “نبوءة فرعون”
للروائية العراقية ميسلون هادي
بقلم: د. رجاء صالح الجبوري مجلة راء“
يرتفع النهر دائمًا ويحمل الطوفان،وتطفو اليعاسيب فوق الماء،تحدق وجوهها نحو الشمس،ثم فجأة لا يبقى شيء.”ـ ملحمة كلكامش، اللوح العاشرفي رواية “نبوءة فرعون” يولد يحيى، أو “طفل اللالا” كما سمّته زوجتا أبيه، في ليلة كانونـية حالكة، على ضوء مصباح كيروسين زجاجته مطموسة بالسخام، فوق سجادة الفصول الأربعة، فيما كانت الغارات تتعاقب وصفارات الإنذار تشق الليل. لم تتمكن أمه بلقيس بنورة من رؤية وجهه جيدًا في تلك اللحظة العصيبة، لكن الصباح الذي تلا العتمة حمل أول شهادة له في الحياة؛ إذ وقفت زوجتا أبيه أمام المهد وقالتا: “كم هو جميل طفل اللالا”.استخدمت الروائية طريقة لافتة في تأريخ الزمن؛ فهي لا تستعين بالتواريخ المباشرة بقدر ما تستعين بالأشياء اليومية التي عاشها العراقيون. فمن أيام “أورزدي باك” إلى ليالي الستلايت، ومن أعوام الموسكوفيج إلى سنوات المنيفست، يتحول الزمن هنا من أرقام جامدة إلى ذاكرة مُعاشة، وكأن تاريخ البلاد لا يُقاس بالأرقام بقدر ما يُقاس بالذاكرة اليومية لأبنائه.منذ الصفحات الأولى تضع الكاتبة حول يحيى علامات استثنائية؛ فقد وُلد على سجادة الفصول الأربعة، وهو تفصيل قد يفتح بابًا لتأويلات متعددة، إذ يبدو وكأنه يلمّح إلى زمن حافل بالتحولات والتقلبات التي سترافق مسار الشخصية لاحقًا. عدا ذلك، تصف الكاتبة يحيى بأنه “الأوفر حظًا” بين إخوته العشرة الذين سبقوه، وأوفر حظًا من شقيقته التي ماتت قبل أن ترى النور، وأوفر حظًا من توأمتها شاكرين التي جاءت إلى العالم محمّلة بعجزها الخاص.لكن… كيف ليحيى أن يكون أوفر حظًا من الجميع وقد وُلد على دوي الغارات ونعيب صافرات الإنذار وضوءٍ خافت من مصباح كيروسين بالكاد يعمل؟ وأنّى له الحظ العظيم وقد قُتل أبوه في معركة حفر الباطن عشية ولادته؟ ومن أين أتاه وافر الحظ وهو المولود في سنة الطحين الأسود؟يا لحظ يحيى، لقد تكلّم بعد خمس سنوات من ولادته. يا لحظه، لقد ضاع في حرب أخرى من حروب بلاده.هنا يبدو أن الرواية لا تسأل عن يحيى بقدر ما تطرح سؤالًا وجوديًا: ما معنى أن يكون الإنسان “محظوظًا” في بلد اعتاد أن يمنح أبناءه الحياة في أقسى شروطها الممكنة؟تتسم لغة الرواية بالسلاسة والوضوح، إذ عمدت الكاتبة إلى تطويع مفردات محكية من اللهجة البغدادية ودمجها داخل النسيج السردي دون أن تبدو دخيلة على النص أو منفصلة عنه. وقد منح هذا الخيار اللغوي الرواية بعدًا وجدانيًا خاصًا، جعل السرد يبدو قريبًا من الذاكرة العراقية اليومية، حتى يشعر القارئ وكأنه يصغي إلى أم عراقية أو جدة حكّاءة تستعيد أحداثًا بعيدة بلهجة دافئة مشبعة بالتجربة والحنين.أما على مستوى الأسلوب، فقد اعتمدت الروائية روح الحكاية الشعبية أكثر من اعتمادها البناء الروائي القائم على التصعيد المستمر. فالسرد يتحرك بنبرة هادئة ومتقاربة الإيقاع، لا تشهد تحولات حادة إلا في الثلث الأخير من الرواية، حيث تبدأ الخيوط المتفرقة بالتجمع داخل إطار دلالي أوسع. ولا يبدو أن الكاتبة كانت معنية بصناعة التشويق التقليدي أو بحبس أنفاس القارئ عبر المشاهد الصاخبة؛ إذ تعاملت مع الأحداث الكبرى، بما فيها المآسي والتحولات المفصلية، بوصفها جزءًا من سياق يومي عاشه العراقيون وصار جزءًا من ذاكرتهم الجمعية.ولعل الرواية تذهب إلى ما هو أبعد من الحدث نفسه؛ فهي لا تنشغل كثيرًا بلحظة الكارثة، بقدر انشغالها بما تركته الكارثة من أثر طويل في البشر والأماكن والمصائر.لا تكتفي “نبوءة فرعون” بحكاية طفل وُلد في زمن الحروب، بل تبني حوله شبكة من الدلالات التي تجعل حضوره يتجاوز حدود الشخصية الفردية. فمع تقدم الأحداث تبدأ العائلة نفسها بالتحول إلى فضاء رمزي أوسع، لا يبدو مجرد بيت يضم أفرادًا متعددي المصائر، بقدر ما يبدو صورة مصغرة عن مجتمع كامل تتوزع داخله أشكال مختلفة من الفقد والاقتلاع والانتظار.وحين يصل السرد إلى نهاياته، يتبدى للقارئ أن الكاتبة لم تكن تكتب سيرة طفل بعينه بقدر ما كانت تكتب عن مصير إمكانية كاملة؛ إمكانية كانت تولد كل مرة وسط الخراب، ثم تتعرض للفقد أو التأجيل أو الضياع.ورغم نجاح الرواية في بناء هذا الأفق الرمزي، فإن إيقاعها الهادئ للغاية قد يشكل تحديًا لبعض القراء؛ فثبات النبرة السردية في أجزاء واسعة من العمل قد يترك شعورًا بالتباطؤ، ولا سيما لدى من ينتظرون تصاعدًا دراميًا أكثر وضوحًا. غير أن الثلث الأخير من الرواية يعيد ترتيب الكثير من التفاصيل السابقة، ويمنح بعض المشاهد والرموز معناها المؤجل.ربما لهذا لم يكن سؤال الرواية الحقيقي: من هو يحيى؟ بل ماذا يحدث لبلدٍ يظل ينتظر، في كل طفلٍ يولد ، طفل اللالا القادم من بين غارتين…
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم