حسن العاني الصحفي الشجاع
ميسلون هادي
قبل رحيل الكاتب الكبير حسن العاني بأيام كنت أقرأ في كتابه (دفتر صغير على طاولة) الصادر عن دار شهريار في البصرة، وهو سيرة ذاتية مشوقة عن حياته الصحفية، وما تخللتها من مواقف صعبة لم تثنه عن شغفه العنيد واستمراره في مهنة الصحافة، إذ تعرض حسن العاني الكاتب الشجاع إلى عدة حالات منع عن الكتابة عندما كان يعمل في مجلة ألف باء، وقد تحدث عن بعضها بالتفصيل في الكتاب، وأشار إلى البعض الآخر في برنامج أطراف الحديث الذي قدمه الدكتور مجيد السامرائي على قناة الشرقية.. غير أن قلمه البارع وخلقه الرفيع كانا يجعلان أي رئيس تحرير، عمل معه حسن العاني، يقف إلى جانبه ويدعمه في رفع هذا المنع عن كتاباته الجريئة، وعندما تفشل هذه المحاولات، يكون الالتفاف على هذا المنع هو الحل الوحيد لتجاوز هذه المشكلة، سواء عن طريق الكتابة بأسماء مستعارة، أو يتوقيع زميل من زملاء المهنة. هذا العشق المتناهي لمهنة المتاعب وانشغال حسن العاني بها، جعل اسمه يرتبط بالصحافة أكثر من ارتباطه بالأدب، وهو الكاتب القدير الذي أنجز الكثير من الأعمال الروائية والقصصية أذكر منها عيادة الحاج مهاوي، رواية 2021، وسيد الأشجار، مجموعة قصص 1980، والرجل الأسطوري، مجموعة قصص 1986، وليلة رأس السنة، مجموعة قصص 1993، والولد الكبير، مجموعة قصص 2000، ورقصة الموت، مجموعة قصص 2004، وليلة الاحتفاء بالحرية، مجموعة قصص 2015، والولد الغبي، رواية، 2016، وأظنه قد وجد نفسه مضطراً لهذا الاقتران مع الصحافة، لأنه كان أفضل من يكتب التحقيق الصحفي والمقالة الساخرة، لكنه في قرارة نفسه كان أكثر حرصاً على الارتباط بعالم الأدب، والجميع يعلم مدى عنايته على الاستمرار في إبداعه القصصي بجانب الكتابة للصحف والمجلات.مما يقوله الكاتب حسن العاني في (دفتر صغير على طاولة) هو أن عام 1986 كان من أسعد الأعوام في حياته، فقد تهيأ له أن يتعرف على مجموعة كبيرة من الزملاء أثناء عمله الصحفي في ألف باء سرعان ما أصبحوا أقرب الأصدقاء إلى الروح، كما يؤكد فخره واعتزازه بصداقة الكثير منهم، وفي مقدمتهم خضير الحميري، ومنى سعيد، وسهيل سامي نادر، ونرمين المفتي، وغيرهم، فقد كانت هذه المجموعة تتميز بالكفاءة المهنية العالية من جهة، وبكونها عناوين للنبل الإنساني من ناحية أخرى. ولهذا يخصص بعض فصول الكتاب لأسماء عاصرها في فترة ألف باء، لأنها كما قال هي الفترة التي عاش فيها أسعد أيام حياته.. وفي الحقيقة فإن هذه الفترة كانت غنية واستثنائية لنا جميعا إذ ضمت المجلة جمهرة مهمة من الكتاب والصحفيين والنقاد والرسامين والمترجمين والمحررين شكلوا عائلة صحفية من مشارب مختلفة وأعمار متقاربة، بجانب خبرات مهنية راسخة لشيوخ وأسطوات في عالم الصحافة، لكني سأختار من الكتاب ما خص به الصحفية العزيزة نرمين المفتي من كلمات جميلة تؤطر أسلوب حسن العاني في الجمع بين الاستذكار والطرافة : (كنت قد تحدثت إلى زوجتي (رحمها الله) عن هذا الكائن الخرافي الذي تعرفت عليه في العمل، وقدمت لها وصفاً دقيقاً وافياً عن تلك الشابة التي لا تشبه إلا نفسها، وكانت زوجتي غير قادرة على تصور إمراة تتصرف على هذا النحو الجنوني، وتتحدث بهذا الصدق وهذه الجرأة، حتى فوجئنا ذات يوم بزيارتها.. كنت أرقد في الفراش بعد وعكة صحية متعبة جعلتني انقطع عن الدوام قرابة ثلاثة أسابيع، وكان وصولها إلى بيتي يقتضي معجزة، لكن لا شيء يصعب على هذه المرأة النبيلة. أمضت ثلاث ساعات من البحث والسؤال هنا وهناك، إلى أن أهتدت إلى المكان، وفي اللحظة التي فتحت زوجتي الباب، فاجاتها الشابة على طريقتها العابقة بالمزاح (ما كافي عاد أم عمار صار ثلاثين سنة متزوجة حسن العاني، شوكت تعوفين الرجال، حتى أشوف طريقي.. للحظات كانت زوجتي تحاول استيعاب المشهد مثلما تحاول منع نفسها من اغتيال هذه الشابة التي تباهي بشعرها الطويل وعينيها الواسعتين)، قبل أن تستذكر أن لا أحد يمارس هذا الجنون العلني غير زميلة زوجها (نرمين المفتي)، وهكذا تعانقتا، وانعقدت بينهما واحدة من أحلى الصداقات، وربما لا يحضرني منذ 28 سنة، أن المفتي، المرأة المتماسكة القوية، قد بكت طوال السنوات بحزن عميق ودموع ساخنة سوى مرة واحدة في عام 2013، يوم بلغها نبأ وفاة صديقتها أم عمار).كتاب (دفتر صغير على طاولة) للزميل العزيز الراحل حسن العاني، هو سيرة ممتعة تناول فيها، بأسلوبه الساخر الماكر، الكثير من الوجوه والشخصيات، التي مرت في حياة الكاتب، بعضها من الرؤساء والمسؤولين، وبعضها من الأدباء والفنانين والصحفيين، نذكر منهم أياد علاوي ومام جلال وفؤاد معصوم وحامد يوسف حمادي ومحمد سعيدالصحاف وعبد الستار ناصر وشفيق المهدي وسامي مهدي وعبد الرحمن الربيعي وعلي المندلاوي ومجيد السامرائي وجواد الحطاب وخضير الحميري وبهجة الجبوري وباسم عبد الحميد حودي وحميد قاسم وعبد الزهرة زكي وحسن النواب ومنى سعيد وسعد البزاز وسلام الشماع وسليم البصري ومحمد شمسي وعادل سعد وشيخ الصحفيين محسن حسين
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم