مبدعون في الذاكرة (43)
اضاءه مهنية لا دراسة نقدية
ميسلون هادي: سيرة الهدوء الذي يكتب ضجيج الحياة
ياس خضير البياتي
في مدينةٍ تتقاطع فيها الأزقة مع الذاكرة، وتتشابك الحكايات كما تتشابك ظلال النخيل على ضفاف دجلة، وُلدت ميسلون هادي في بغداد عام 1954، وتحديدًا في الأعظمية، حيث لا تكون الطفولة مجرد مرحلةٍ عابرة، بل تأسيسًا خفيًا لروحٍ ستكتب لاحقًا ما يشبه سيرة مدينة بأكملها.
من مقاعد الدراسة الأولى في مدرسة الخنساء، إلى ممرات متوسطة اليرموك وثانوية الوثبة، كانت تتشكّل ملامح وعيٍ مبكر، لا يكتفي بحفظ الدروس، بل ينصت لما بين السطور.
ثم جاءت دراستها في قسم الإحصاء بجامعة بغداد عام 1976، لتضيف إلى هذا الوعي بُعدًا آخر؛ عقلًا يُجيد ترتيب الفوضى، ويبحث عن نظامٍ حتى في أكثر الحكايات تشظيًا.
وربما من هنا، من هذا التلاقي بين الحسّ الإنساني والدقة العلمية، وُلد أسلوبها الخاص: كتابة تعرف كيف تُمسك بالتفاصيل دون أن تفقد روحها.
دخلت ميسلون هادي عالم الصحافة الثقافية لا بوصفه وظيفة، بل كفضاءٍ يومي للاحتكاك بالحياة. ثلاثون عامًا من العمل كانت كفيلة بأن تمنحها عينًا ترى ما لا يُرى، وأن تجعل من النص لديها كائنًا حيًا، يتنفس من هموم الناس، ويشتبك مع أسئلتهم. عملت سكرتيرة تحرير في دوريات ثقافية مثل “الموسوعة الصغيرة” و“الطليعة الأدبية”، وأسهمت في القسم الثقافي لمجلة “ألف باء”، حيث لم تكن تنقل الثقافة، بل تعيد إنتاجها، وتمنحها صوتًا أنثويًا عميقًا، مشغولًا بقضايا الهوية والعولمة، وبهموم المرأة العربية في عالمٍ يتغيّر بسرعةٍ تفوق قدرة الإنسان على الفهم.
في كتابتها الصحفية، تبدو أقرب إلى من يمشي على خيطٍ دقيق بين الخبر والتأمل. لا تُغريها الجملة الصاخبة، بقدر ما يهمّها ذلك الصوت الخافت الذي يختبئ خلفها. كانت تميل إلى “الكتابة الإصغائية”، تلك التي تُنصت قبل أن تقول، وتفهم قبل أن تحكم، لذلك جاءت مقالاتها متحررة من المباشرة، مائلة إلى الإيحاء، تشتغل على التفاصيل الصغيرة بوصفها مفاتيح لفهم القضايا الكبرى.
غير أن الصحافة، بكل زخمها، لم تستطع أن تحتوي فيضها السردي. فكان لا بد للرواية أن تتقدّم، لا كبديل، بل كامتدادٍ أعمق.
في أعمالها، لا تكتب الحكاية بوصفها تسلية، بل بوصفها أداة كشف. منذ روايتها الأولى “العالم ناقصًا واحدًا”، التي رسخت اسمها في الذاكرة الأدبية، بدا واضحًا أنها تكتب من منطقةٍ حساسة، حيث الفقد ليس حدثًا، بل حالة وجودية.
وفي “العيون السود”، قدّمت بانوراما إنسانية لسنوات التسعينيات، تلك المرحلة التي اختبرت فيها الحياة العراقية أقسى وجوهها، لكنها لم تُلغِ جمالها تمامًا. أما في “حفيد البي بي سي”، فقد لجأت إلى السخرية، لا لتخفيف وطأة الواقع، بل لتعريته، كاشفةً عبثية المشهد السياسي قبل وبعد 2003. وفي “شاي العروس”، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد، تتجلى قدرتها على تحويل التفاصيل اليومية إلى رموزٍ مشحونة بالدلالات، فيما جاءت “العرش والجدول”، الفائزة بجائزة كاتارا، لتؤكد نضج مشروعها الروائي، حيث يتقاطع التاريخي بالأسطوري، والواقعي بالمتخيل في نسيجٍ سردي متماسك.
أسلوبها الروائي ليس صاخبًا، بل عميقًا كالماء الهادئ. تكتب كما لو أنها تنسج قماشًا حيًا من الذاكرة والخيال، حيث تتجاور الشخصيات مع الأمكنة، ويتحوّل الزمن إلى كائنٍ مرن، قابلٍ للانكسار وإعادة التشكيل.
لغتها شفافة في ظاهرها، لكنها مشحونة بطبقاتٍ من الدلالة، قادرة على الانتقال من البساطة اليومية إلى التأمل الفلسفي دون أن تفقد توازنها.
وهي في كثير من أعمالها توظف السخرية بوصفها أداة مقاومة، لا تهكمًا مجانيًا، سخرية عارفة تدرك فداحة الواقع لكنها ترفض الاستسلام له.
لم تقتصر تجربتها على الرواية، بل امتدت إلى القصة، وأدب الأطفال، والترجمة، والعمود الصحفي، وكأنها ترفض أن تُحاصر في قالبٍ واحد. وفي كل هذه الأجناس، ظل سؤال الهوية حاضرًا: من نحن في عالمٍ يتآكل فيه المعنى؟ وكيف يمكن للمرأة العربية أن تكتب ذاتها دون أن تُختزل في صورةٍ نمطية؟
لقد كُتب عن أعمالها الكثير، وتُرجمت نصوصها إلى لغات عدة، منها “نبوءة فرعون” التي صدرت بالإنكليزية، فضلًا عن ترجمات أخرى، ما يؤكد أن صوتها لم يبقَ محليًا، بل وجد صداه في فضاءات أوسع، وأصبح جزءًا من المشهد السردي العربي المعاصر.
غير أن ما يمنح هذه التجربة عمقها الإنساني هو شبكة العلاقات التي أحاطت بها. فميسلون ليست كاتبة معزولة، بل جزء من نسيج ثقافي حي، نسجته عبر سنوات من العمل والاحتكاك بالمثقفين والقراء.
كانت علاقاتها قائمة على الودّ العميق والاحترام المتبادل، ولهذا تبدو كتاباتها مشبعة بحسّ إنساني واضح، يقترب من الآخر دون أن يبتلعه، ويصغي إليه دون أن يدّعي امتلاكه.
وفي قلب هذه العلاقات، تبرز شراكتها مع زوجها الراحل د. نجم عبد الله كاظم، التي لم تكن علاقة شخصية فحسب، بل حوارًا ثقافيًا مستمرًا.
جمعتهما الكلمة، لكنهما احتفظا بفرادتهما؛ هو ناقد يقرأ النص بعينٍ تحليلية صارمة، وهي كاتبة تكتب بحساسية التجربة وحرارة السرد. وبين هذين الصوتين نشأت مساحة من التفاعل الخلّاق، حيث تتحول الملاحظات إلى نقاش، والنقاش إلى وعيٍ أعمق بالنص والحياة.
وفي سياق علاقاتها الإنسانية، تتقاطع سيرة ميسلون هادي مع تجربةٍ شخصية حميمة كان محورها زوجها الراحل د. نجم عبد الله كاظم، الذي ربطتني به علاقة زمالة وصداقة متينة، لا تعود إلى مقاعد الدراسة، بل إلى فضاء العمل الأكاديمي في كلية الآداب – جامعة بغداد، حيث كنّا أساتذة نلتقي عند تخوم المعرفة، ونتحاور في شؤون الأدب والنقد، ضمن جيلٍ ثقافي من بين رموزه د. عبد الله إبراهيم ود.ضياء خضير وآخرون.
كان نجم، في حضوره الإنساني والعلمي، مثالًا للهدوء الرصين، لا ينجرف وراء الضجيج، بل ينحاز إلى العمق. صوته النقدي لم يكن مرتفعًا، لكنه كان نافذًا، يشتغل على النصوص بعينٍ دقيقة، ووعيٍ معرفي متماسك، بعيدًا عن الاستعراض أو الانفعال. عرفته قريبًا من الفكرة، صبورًا في تفكيكها، مؤمنًا بأن النقد مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون موقفًا معرفيًا.
هذا الهدوء نفسه، الذي ميّز شخصيته، انعكس على علاقته بـ ميسلون هادي، حيث لم تكن العلاقة مجرد ارتباط حياتي، بل شراكة فكرية عميقة، قوامها الحوار والتكامل.
ومن خلال قربي منه، كنت ألمس كيف يتجاور في هذا البيت صوت الناقد المتأمل مع حساسية الكاتبة المرهفة، في توازنٍ نادر بين العقل والوجدان.
وفي خاتمة هذه الرحلة، لا تبدو ميسلون هادي مجرد اسمٍ في سجلّ السرد العراقي، بل حضورًا إنسانيًا متماسكًا، يتجلّى في الكتابة كما في الحياة. كانت تميل إلى ذلك الحضور الهادئ، الذي لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت نفسه؛ تُصغي أكثر مما تتكلم، لكنها حين تتكلم، تُصيب جوهر الفكرة، وكأنها تختصر مسافة طويلة من التأمل في جملة واحدة.
هكذا تكتمل صورتها: كاتبة تُحسن الإصغاء قبل أن تكتب، وتكتب بما يشبه الهمس العميق الذي يرسخ في الذاكرة.
تبني نصوصها كما تبني علاقاتها—بصبرٍ، وصدقٍ، ونبلٍ خفي، وبوعيٍ عميق بأن الكلمة ليست مجرد حروف عابرة، بل طريقة في العيش، وأثرٌ يقاوم النسيان، وشكلٌ من أشكال البقاء في وجه الزمن.
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم