( 11 )
ما أن استدار تحسين مودعاً ليغادر إلى بيته، حتى بدا من خلفه شاب ملتحٍ يمشي بصحبة امرأة طويلة القوام تضع الوشاح على رأسها، والاثنان يتقدمان بسرعة متجهين نحوي، بينما تحسين، الذي كان يهم بأن يسير في الاتجاه المعاكس، ظل ملتفتاً نحوهما ونحوي. سلمتْ المرأة عليّ بكلمات سريعة بينما وقف الشاب ينظر إليّ وهو صامت تماماً، ثم قالت وهي تتلفت:
-أنا أم سارة وكنّة صاحب هذا البيت. أيمكنني الدخول؟
تحسين ظل ملتفتاً إليّ، وأومأ إليّ بعلامة إيجاب من رأسه تؤيد ما ذهبتْ إليه المرأة وكأنه قد تعرّف عليها، أو هو يعرفها من قبل. وفي هذه اللحظة التي أدركتْ فيها المرأة التفاتتي إلى تحسين، التفتتْ إليه وقالت بسرعة:
-السلام عليكم، أبو تيسير.. أعذرني، لم أرك.
وهنا نطق الشاب بصوت حازم:
-السلام عليكم.
فرد تحسين التحية دون أن يتقدم إليهما، وكأنه أدرك، بالإحساس الخفي، أن ثمة قلقاً ورغبة في الحديث عن أمر مستعجل، وهذا فعلاً ما حدث بعد أن التفتت المرأة إليّ مرة أخرى وقالت:
-أيمكنني الدخول؟
دخل الاثنان بخطوات مسرعة.. وأنا أيضاً أسرعت الخطو معهما، والأفكار تتضارب في رأسي عما يمكن أن تكون الغاية من هذه الزيارة المتأخرة التي لا يمكن أن تحدث في مثل هذه الظروف حتى بين الأهل، فكيف الحال والزائر غريب وقت الغروب؟. تحسرتْ وهي لا تزال واقفة قرب باب المطبخ الذي كان مفتوحاً أصلاً ولم يكن ثمة باب مفتوح غيره للدخول إلى البيت، ثم قالت وهي تشير إلى الشاب:
-أنا والدة سارة التي كانت معك في ليبيا وهذا- وأشارت إلى الشاب- ابني ياسر.. إنه في طريقه إلى سوريا..
قاطعها ابنها بعصبية وعلامات الضيق بادية على وجهه:
-هل ستروين قصة حياتي؟
نظرتْ إليه فاقدة الصبر:
-اسكت ابني، الله يخليك.
فأدار ظهره باتجاه الحديقة، وكاد أن يخرج، فأحسست أن الموضوع خطير، وأني في ورطة، وأنّ عليّ، لخاطر سارة، أن أدخلهما إلى البيت، ولم أتذكر أنهما من أصحاب البيت، إلا عندما قالت المرأة التي كان وجهها الأبيض كثير الشبه بوجه سارة:
-البيت ليس بيتنا الآن.. ولكن أيمكننا التحدث في الداخل؟
جعلني هذا أقول بدون تفكير:
-تفضلاّ.
الظلمة داخل البيت كانت شديدة بالرغم من أن الليل لم يحن بعد.. وهذه الآونة من وقت الغروب أُضطر معها إلى الاصطبار على الظلام بإشعال شموع قليلة داخل البيت بانتظار أن يبدأ تشغيل المولد الرئيسي للحي في الساعة الثامنة مساءً. دعوتُهما للجلوس، فجلست قربي وظلَّ هو واقفاً عدة لحظات، ثم جلس بعد قليل قرب شمعة مشتعلة. قالت:
- صديقه يعمل مترجماً مع الأمريكان، فتعاركا بسبب ذلك، فبلّغ عنه وقال هددني بالقتل فجاؤوا لإلقاء القبض عليه، ولم يكن….
نهض ابنها واقفاً، فتحول وجهه من الضوء الى الظلمة، وقال مباشرة:
-لا حاجة بك لأن تروي ذلك للآخرين.. أنا آسف لما تفعله أمي.. يجب أن نغادر.. لقد أوهمتني بأن بيت جدي فارغ، وأننا سنبقى فيه يوماً واحداً قبل أن أسافر غداً إلى سوريا.
بقيتُ صامتة لا أعرف بماذا أجيب، فقد بدا من المستحيل دعوتهما للبقاء، ومن المستحيل تركهما يخرجان إلى طريق يكاد يكون مقفراً الآن إلا من الأمريكان والحرس. قالت أمه:
-أنا لا أريد أن أعرّضك للخطر، ولكني لا أعرف مكاناً غير هذا ألوذ به لهذه الليلة.. لقد خرجنا من الموصل بعد صلاة الفجر، وكنا في طريقنا إلى بغداد، ثم إلى الشام، فقد تحاشينا طريق القامشلي خوفاً من أن يتعرف عليه أحد هناك. ولكن الطريق قرب سامراء كان مغلقاً، فتأخرنا كثيراً هناك، ودخلنا بغداد قبل المغرب بقليل، والدنيا مخيفة، فارتأى السائق أن نتدبر أمرنا هذه الليلة على أن يتصل بنا للمغادرة في وقت اّخر.
قلت وأنا أنظر إلى ابنها ولا أكاد أرى وجهه في الظلام:
-هل قلتِ إن عليه القاء قبض؟
أجاب نيابة عنها بشيء من العصبية:
-نعم .. ولكن لدي الآن هوية أحوال مدنية مزورة، ولا أعتقد أن أحداً يبحث عني الآن.
قالت أمه لكي لا تدع لي مجالاً للتفكير:
-أنا أعرف أنكِ بنت وحدانية.. وهذا لا يجوز، ولكن صدقيني إنها قضية حياة أو موت. عندما جاءوا يبحثون عنه كالمجانين مد ابني الثاني رأسه من السطح ليرى ماذا يحدث فضربوه وكاد أن يُقتل وهو الآن جريح في المستشفى.. لا ادري ماذا يريدون منه؟ تبدو القضية كبيرة.. سيصعد ليقضي الليل في الطابق العلوي، وسأبقى أنا هنا في غرفة الجلوس.. لا أعتقد أن أيّاً منا سيستطيع النوم.. أو…. قطعت كلامها، ثم استدركتْ، أو كيفما تشاءين.. أنا لدي نسخ لمفاتيح الغرفتين المقفلتين في الأعلى.. واحدة فيها غرفة نومنا أنا وأبيه.. وواحدة فيها جميع أثاث المنزل وأغراضه الأخرى.
شعرتُ فجأة بالانزعاج لما بدوت عليه من إنسانة غريبة في بيت يتصرف هؤلاء الغرباء الذين بالكاد أعرفهم وكأن لهم الحق في المبيت فيه لمجرد أنهم من بقية أصحابه. قلت لها بضيق واضح:
-أنا أعرف الآن أنت أم سارة، ولكن لا أعرف من تكونين بالنسبة لصاحب البيت؟
-أنا زوجة أخ الرجل الذي استأجرتِ منه البيت.. إنه هشام.. أليس كذلك؟
قلت لها:
-نعم.
-إنه عم سارة وياسر، وقد كان يعيش في هذا البيت بعد وفاة أبيه..
قاطعها ابنها، وقال:
-قولي لها إنه بيت جدي وانهي الأمر يا أمي.
قالت بحياد وكأنها لم تسمعه:
-أنا زوجة أخيه تمام أبي سارة وياسر، ونحن نعيش في حي المهندسين بالموصل ولكننا في دهوك بشكل مؤقت.. أخوه الثالث متزوج من كردية ويعيش هناك.. ونحن هناك الآن بانتظار ان تهدأ الأوضاع.. أوضاعنا.. يعني..
-لماذا لم يهرب من هناك إلى.. الخارج؟
قالت:
-كان ذلك سيكون أصعب، إن لم أقل مستحيلاً.. وعمه هشام صاحب هذا البيت في سوريا الآن.. وهو الذي أشار على ياسر بالفرار إليه.
قلت لها:
-ولكن ماذا لو فتشوا البيت في أية لحظة؟ ماذا سيحدث لي.. وللبيت؟ قد يفجرونه إذا ما اكتشفوا وجود.. وجود.. أحد مطلوب فيه. أنا آسفة، ولكنهم قبل أيام فجروا بيتاً في هذا الشارع لوجود هؤلاء ال…
اشتعل الضوء في تلك اللحظة، فالتفت إليّ ابنها بنظرة حادة شعرت بها تخترقني كالسهم دون أن أراها بالفعل، فأدركت أنه قد حدس ما صمت عن وصفه به وانفعل لذلك. قالت وهي تنهض:
-تعالي معي.. لا تخافي أرجوك، أنا مثل أمك.. تعالي واصعدي معي.
كان ابنها قد وضع جبهته على كفه وأعاد ظهره كاملاً إلى ظهر الكرسي، ثم تأفّف بغضب واضح، وسمعته يتمتم ببضع كلمات بدت غير متفقة مع ما تفعله أمه، ولكنه ظل جالساً في مكانه لا يتحرك، بينما أمه تتقدم إلى حافة السلم وتحثني على الصعود.. أخرجتْ من حقيبتها حلقة تضم عدة مفاتيح من جهة وخارطة للعراق ملونة بألوان العلم العراقي من جهة أخرى. نظرتُ إليها تبحث عن المفتاح الصحيح، وعندما عثرت عليه بلمح البصر كان هو الذي فتح الغرفة العلوية الأقرب إلى السطح. قالت لي فور أن دخلت، دون أن تترك لي مجالاً لتأمل الغرفة:
-هذه غرفة نوم.. صحيح؟
ألقيت نظرة سريعة على غرفة النوم، وقلت:
-نعم.
ثم تحركتْ قليلاً وقالت:
-هذه غرفة نومنا.. أنا وأبيه.. منذ تزوجنا لحد الآن.. أقصد لحين بدأت الحرب وتركنا المنزل.
صمتت قليلا ثم قالت: - هذا هو السرير.. وهذه منضدة الزينة.. وهذا الكنتور.. صحيح؟
كان كلامها يبدو غريباً، فقلت لها بفتور وأنا أكاد أفقد الصبر:
-نعم، صحيح.
ثم اتجهتْ إلى مكتبة صغيرة مليئة بالكتب موضوعة داخل حائط بحيث تبدو بابها الزجاجية غير نافرة عن الحائط، وإنما موجودة بمستوى سطحه.. فتحَتْها وقالت:
-وهذه مكتبة؟
ولم تدعني أكمل كلامي، إنما قالت بعد ذلك على الفور:
-ولكن خلفها يوجد مخبأ.
ثم دفعت لوح الخشب، الذي يضم الرفوف، الى الوراء بقوة ، فاندفع اللوح مع الرفوف بحركة واحدة إلى الخلف لينفتح عن تجويف مظلم لم يكن يتبين شيء مما في داخله. لم تدع لي مجالاً للتعليق أو الاعتراض، ولكنها قالت فور أن انفتح المخبأ أمامي:
-والد زوجي، جد ياسر، كان ضابطا قومياً ناصرياً.. وهنا عاش أهل زوجي طوال الوقت، ولكن عندما حكم البعثيون العراق سافر إلى مصر وأصبح لاجئاً سياسياً هناك. ومع أن عليه حكماً بالسجن فقد عاد إلى العراق بجواز مزور عن طريق الكويت، وطلب من ابن عمه المعماري أن يفتح له هذه الفتحة التي تشبه المخبأ بين الغرفة والسطح، ثم جرى التمويه عليها بهذه المكتبة ذات الواجهة الزجاجية. وقد كان يختبئ هنا خلال أيام البعثيين إلى أن قبضوا عليه عندما داهموا البيت، ذات يوم، وكان يعمل في الحديقة.. قضى في قصر النهاية عدة سنوات لحين صدور عفو عام، فانتهت مهمة هذا المخبأ وأصبح مخزناً مليئاً بالكتب الشيوعية أيام السبعينيات. أبوه تمام كان شيوعياً، وقد وضع كتبه هنا في نهاية السبعينيات مخافة التنكيل به واعتقاله بعد ملاحقة الشيوعيين، ولم يعد إليها أبداً بعد ذلك.
قلت:
-المفروض ان يكون هذا التجويف ظاهراً للعيان من جهة السطح.. وأنا لم ألاحظ ذلك.
قالت:
-إن المعماري اختار هذه الغرفة بالذات لأن التجويف الذي يقع تحت سلم السطح العالي يحاذيها من الخلف.. والآن إذا نظرت من السطح الواطئ إلى تحت السلم المؤدي إلى السطح العالي ستجدينه مرقوماً بحائط من الإسمنت.
ثم دفعت باب المخبأ الذي هو لوح الرفوف وقالت:
-يعني هذا المخبأ هو التجويف الموجود تحت سلم السطح العالي.. ألا تلاحظي سقفه المائل كحافة هرم.
وأصبحتُ فجأة وكأنني داخل مكان لا يخصني، وأمامي هذا التجويف المظلم الذي كان مخبأً لجده أيام الشباب، ثم أصبح معتقلاً لكتب أبيه في السبيعينيات، والآن سيكون ملاذاً للابن في زمان لم يعد له اسم ولا صفة. خوفي تراجع قليلاً وتقدم الفضول الذي كان يتواصل ويتصاعد، ثم وأنا في قبضة تلك المشاعر والأفكار، بدأت ضجة بعيدة تقترب من البيت.. قد لا تكون قريبة جداً، ولكنّ سمعَنا المرهف الذي اعتاد التقاط أبسط الهمهمات هو الذي دلني عليها، فقلت بما يشبه الصراخ:
-ما هذا الصوت؟
خرجتُ ثم دخلت الى الغرفة التي بدأت تهتز على وقع الصوت الآتي من الظلام. وهرولت بلا وعي إلى الطابق الأسفل، ومعي المرأة التي وقفت تنادي على ابنها للصعود.. لم يتحرك الابن، بل ظل واقفاً حتى صاحت به الأم:
-أصعد.
وما هي إلا ثوانيَ وأصبحتُ أنا في الطابق الأرضي، لا أدري ماذا تركت خلفي من أخطار، ولا أستطيع العودة إلى الخلف، لأن الأبواب أصبحت ترتجّ بعنف، والمداهمة كانت لا تشبه أية مداهمة أخرى حدثت من قبل، وإنما تمت بالهجوم على البيت بشكل مختلف.. تلتها أصوات عالية تُردّد: وين.. وين.. موف.. موف.. موف.. كو.. كو.. كو..
وأصبحتُ فجأة وسط عماليق شداد يحيطون بي، وأحدهم يتوجه نحوي ويقول:
-نحن نبحث عن إرهابيين يتواجدون في المنطقة.. هل يوجد رجل في البيت؟
قلت وأنا أجد نفسي، دون أن أقصد، في حالة دفاع عن (رجل) لا أعرفه:
-لا يوجد في البيت رجل.
-إلى الغرفة..
قالها رجل ملثّم من الحرس الوطني.. ولما وجدنا أنا والأم واقفتين كالأصنام من شدة الذهول، قال بلهجة أشد:
-أنتما.. إلى الغرفة.. رجاءً..
ثم صرخ:
-إلى الغرفة.. لا تضطراني إلى تقييدكما.
فانبرت المرأة تستغيث به:
-أنت عراقي وأنا عراقي.. لا تدع هذا الأمريكي يفرق بيننا.
ازداد علو صوته وازدادت عصبيته:
-نحن نبحث عن مطلوبين من الجماعة.. من الأفضل لكما أن تدخلا الغرفة ولا تعترضا طريقنا..
ثم قال لها رجل ملثّم آخر بلهجة هادئة:
-اسكتي يا حاجة، وإلى الغرفة رجاءً.
فقالت بصوت منفعل وهي تقودني إلى الغرفة:
-أبوية مايقدر إلا على امي.
في الغرفة بدأتُ بقراءة سورة الكرسي، ومن شدة الارتباك نسيت تكملتها، وكان الدمع يترقرق في عيوني مثل قطرات ماء وأنا أطلب من المرأة تذكيري بالسورة، فقالت لي ودموعها تجري مثل السواقي على خديها:
-أنا مسيحية.
لم أكن أعلم أن سارة والدتها مسيحية ولا خطر في بالي ذلك قبل الآن وأنا أراها ترسم على وجهها وكتفيها علامة الصليب. قلت لها:
-ادعي إذن مريم العذراء أن تقف بجانبه، والمخلّص أن ينقذه، واطلبي من كل المظلومين أن يخلصونا من هذه الورطة.
وأصبح خوفي على مصير هذا الولد هو خوفي على مصيري. وفي رأسي ترتج فكرة واحدة مزعجة: لماذا قبلتُ أن أفتح الباب لهارب من الحكومة واَوي مسافراً بأوراق مزورة؟ لماذا لم أفزع ولم أخف وأَحول بينها وبين البيت؟ ها هما بعد أن افترسا المكان قد جعلاه مهدداَ وعرضوه للخطر؟.. فمن أين جاءت هذه المصيبة؟ وهل حقا لم يكن لديهما من ملاذ غير هذا البيت وغير هذا الباب؟.. وبدأت الضجة فوق رؤوسنا تنتقل من السقف إلى السلم، ودربكت ضوضاء أقدامهم على درجاته هبوطاً.. وكان واضحاً أنهم كثيرون وأنهم أنهوا مهمتهم على عجل وراحوا يتوجهون إلى خارج البيت. ولشدة ما تملكني الجزع، كنت أنظر إلى وجه أحدهم الذي كان يوجه لي كلمات قبل خروجه، وكلماته تصل إلى سمعي، ولكني لا أفهمها من الذهول والقلق من أن يكونوا قد عثروا على الولد في المخبأ. كان يتحدث لي فقط، ولا يقتادني معه إلى مكان آخر.. إذن لم يعثروا عليه ..لأنهم لو كانوا قد عثروا على المخبأ داخل البيت لكان لهم معي كلام آخر.
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم