وقفات قصيرة جداً
عند روايات قرأتها
ابنة سوسلوف: حبيب عبد الرب سروري
بعد خمسة عقود من العيش وسط عوالم متخيّلة دارت فيها أحداث المئات من الروايات التي قرأتها، بدءاً بأول رواية وكانت “حمار الحكيم” لتوفيق الحكيم، بدأتُ سلسلة وقفات قصيرة مستلةً من كتاباتي المنشورة وغير المنشورة أو ملاحظاتي التي درجت على تسجيلها في المئات من البطاقات عن تلك الروايات. وستكون غالبية وقفاتي وليست كلّها عند روايات عراقية. وقفتي اليوم عند رواية “ابنة سوسلوف” (2014)، للروائي اليمني حبيب عبد الرب سروري (عدن/ 1956).
حبيب عبد الرب سروري هو أحد أدباء اليمن البارزين، وعُرف مفكّراً وقاصاً وشاعراً، ولكن الأهم هو روائي متميز، ليس يمنياً فقط بل عربياً، وله أكثر ما يقارب العشر روايات.
“واضح إذن أن الرواية مبنية على خطّين متوازيين من جهة ومتداخلين من جهة أخرى. (عمران) مواطن مثقّف يمني يعايش، على امتداد حياته من نهاية الخمسينيات وحتى العقد الثاني من القرن الحالي، تاريخ اليمن ويشهد على وقائعه وخفاياه. هذا الامتداد أو المسار لحياة هذا المثقف يشكل، وهو المتخيّل، خط الرواية الرئيس، أما الخط الثاني، والذي يوازي الخط الأول ويتداخل معه، فهو خط التاريخ اليمني الحقيقي في أصله ولكن الخاضع هنا لوجهة نظر بطل الخط الأول والرواية وراويها. وحين يعايش هذا البطل تاريخ اليمن فإنه يفكّكه انطلاقاً من وعيه به، وواضح أن الروائي من خلفه، خصوصاً حين ينخرط شخصياً في أحداثه بدءاً بمرحلة الاستعمار التي يُسهم صورياً- كونه كان طفلاً- في الكفاح ضده، ومروراً بمرحلة الاستقلال وتأسيس جمهورية اليمن الجنوبي، ثم الانقلاب الماركسي الماوي وتأسيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي ينخرط، كما هو حال جل شباب البلد، في مؤسساتها وتنظيماتها، ثم مرحلة اليمن الموحد التي يصوّر فيها اليمن الشمالي وهو يأكل اليمن الجنوبي ليدخل البلد بذلك مرحلة الحكم الدكتاتوري الذي تهيمن عليه قوى الظلام والطغيان والتطرف الديني المتخلّف، وصولاً إلى ثورة الربيع العربي في اليمن التي تنكشف أمامنا كما لم تنكشف رسمياً وإعلامياً وسياسياً وتوثيقياً. من دراستي القصيرة “رواية ابنة سوسلوف.. تجربة فرد تجربة بلد”.
“عنف بالعنف لولا العنف الإقطاع ما مات، ولولا العنف ما العالم تفجّر بثورات، ولولا العنف ما سقطت جميع الحثالات. كان ذلك في مسيرات ما سُميّت آنذاك بـ(الأيام السبعة المجيدة) التي هجم فيها بدو الريف على عدن لتثوير أبنائها (المترهّلين بسبب الثقافة الاستعمارية الإنكليزية)، كما قالوا. للاحتفال بالعنف، لا شيء غير العنف، ولمباركة (الانتفاضات الفلاحية التي قامت في الريف الثائر لسحل الإقطاع وتأميم أراضيه).. كل ذلك على إيقاع الثورة الثقافية الماوية.” من رواية “ابنة سوسلوف” لحبيب عبد الرب سروري، ص10-11.
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم