وقفات قصيرة جداً
عند روايات قرأتها
يواقيت الأرض: ميسلون هادي
بعد خمسة عقود من العيش وسط عوالم متخيّلة دارت فيها أحداث المئات من الروايات التي قرأتها، بدءاً بأول رواية وكانت “حمار الحكيم” لتوفيق الحكيم، بدأتُ سلسلة وقفات قصيرة مستلةً من كتاباتي المنشورة وغير المنشورة أو ملاحظاتي التي درجت على تسجيلها في المئات من البطاقات عن تلك الروايات. وستكون غالبية وقفاتي وليست كلّها عند روايات عراقية. وقفتي اليوم عند رواية “يواقيت الأرض” (2001) لميسلون هادي (بغداد/ 1954).
ميسلون هادي إحدى أهم ثلاث روائيات أو أربع كنّ وراء ما نراها الحقبة الذهبية للرواية النسوية العراقية التي انطلقت منتصف التسعينيات وتواصلت حتى الآن. لها خمس عشرة رواية، وعشر مجموعات قصصية، إضافة إلى أكثر من عشرة كتب أخرى. من أهم رواياتها: العالم ناقصاً واحد، العيون السود، نبوءة فرعون، جانو أنت حكايتي.
“إن دافع الهجرة لديه قد بدا خاصاً، ولكنّه قد كان في وجه آخر منه عاماً ليكون، شأن البطل في ذلك شأن جلّ العراقيين في (عصر المحنة) كما شاء بعض النقاد مصيباً إلى حد بعيد أن يسمّي هذا الزمن تعبيراً عن معاناة شاملة لكل العراقيين مما لم يجربوه في حياتهم المعاصرة، وربما لم يجربه أي من أجيال أسلافهم عبر تاريخ العراق الطويل. (ناجي عبد السلام) هو نموذج ميسلون المعبر عن هذه المحنة وعن الموقف منها، وبجانبيها الواعي وغير الواعي، كما يمكن أن نستقرئ ذلك في عموم مسيرة الخلاص/ المأساة التي يسيرها على امتداد الرواية.” من الملف الخاص برواية “يواقيت الأرض” لميسلون هادي، ضمن ملفاتي الشخصية عن الروايات المقروءة.
“كان قد أصبح جِدّاً منذ وقت قصير.. أو طويل.. بل قصير.. وقبل ذلك بسنوات كان قد فاجأهُ شاب طويل القامة عريض المنكبين بأن قال له: تفضل عمو. كم بدت الكلمة نشازاً. انعقد الجلد بين حاجبيه ثم ضحك.. ولكن الشاب لم يضحك.. ولم يعرف هذا الرجل الواقف أمامه لماذا ضحك. وهو من مواليد الأربعينات.. وذلك كان يجعله شاباً ذات يوم يغبطه الآخرون من مواليد الثلاثينات أو العشرينات على شبابه.. فما الذي حصل لكي يناديه ذلك الشاب بعمّي ويقول له بكلمة واحدة كم هو جيل آخر.. عتيق وعجوز ومتهدم.. كأنه قادم من زمان العصمانلي او عصر الديناصورات؟ جعله ذلك يحتار حيرة شديدة طالت عدة سنوات أمعن خلالها النظر إلى ملامحه في كل مرة يطل بها على نفسه في المرآة.. ليعثر على ذلك الشيء المنقرض، الذي جعله الشاب الرزين عريض المنكبين يناديه بكلمة عمّي، واضعاً بكلمة واحدة وفي لحظة واحدة، لن ينساها ناجي عبد السلام مطلقاً، حداً بين جيله، جيل ذلك الشاب المغرور بنفسه، وجيلاً آخر ربما ظن الشاب أن الروبية كانت تستعمل فيه بدلاً من الدينار.” من رواية “يواقيت الأرض” لميسلون هادي، ص 13.
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم