رغيف الحلوة
ميسلون هادي
قبل أن اكتب موضوعي هذا بحثت في المعاجم والقواميس عن معنى كلمات (شروى نقير) التي تستعمل للتصغير وتقليل الشأن، فوجدت إن كلمة (نقير) تعني نقرة في ظهر النواة أما (شروى) فلم أعثر لها على معنى محدد يفيد شرح هذا المثل مما جعلني أرجح انها مأخوذة من (الشروة) وهي في العامية العراقية تعني البضاعة المشتراة بكمية كبيرة، فيصبح المعنى عندئذ صفقة تافهة أو شروة خاسرة من بضاعة قليلة الشأن… وللإسكافي حنين في ديرة الحيرة قصة معروفة مع الإعرابي الذي دخل دكانه ليشتري خفين ثم خرج منه شاتماً بعد أن لم يتفقا على السعر، فانتقم منه الإسكافي بأن وضع له الخفين بشكل متباعد في الطريق، فلما انشغل بهما وترك راحلته بلا حراسة تسلل الإسكافي وأخذها بما عليها فعاد الإعرابي إلى قومه بخفي حنين. و(شروى نقير) هو ماأصبح الكاتب يعود به من صولاته وجولاته في الكتابة والنشر بعد أن (عمت) عليه بدعة الانترنت وحملَته مصاعب وأعباء جديدة يضطر معها إلى تعلم الكتابة على الكومبيوتر وتدقيق مايكتبه بنفسه وارساله جاهزاً للنشر مثل فاكهة جاهزة للإلتهام، وما على الناشر سوى تقديمها على مائدة الطعام.. فيكون الكاتب المسكين عندئذ قد مارس دور المؤلف والمحرر والطباع والمدقق اللغوي وساعي البريد ناهيك عن معاناته من أوجاع الظهر وآلام اليدين اليمنى واليسرى وضياع العيون الجميلة، وليته يعود بعد ذلك كله بخفي حنين، لأن أيام الانترنت جعلتنا نترحم حتى على خفي الاسكافي حنين عندما كان هناك على الأقل، أيام الكتابة بالورقة والقلم، مواقيت وأماكن لاستلام المكافات والتوقيع عليها أيضاً أمام أمينة الصندوق!!!.. صحيح أنها شحت وانكمشت أيام الحصار في التسعينات، ولكنها كانت كافية لفك الأزمات وشراء الكماليات في الثمانينات، بل أن بعض مكافآت الكتب كانت تكفي لتصليح الأسنان وشراء الدراجات الهوائية!!! أما النشر في الصحف والمواقع الالكترونية هذه الأيام، فقد أصبح كتوزيع الحامض حلو في المناسبات والأعراس وحفلات الخطوبة لا تأخذ مقابله سوى الزغاريد.. وأصبحت مهنة الكتابة كالسباحة والمطالعة والتطريز وجمع الطوابع، هواية شخصية لا مردود عليها، ولا أجر عليها قبل أن يجف العرق. أما أذا جف العرق ونشر الكاتب ماكتبه في كتاب فسيجد الناشر أيضا من أنصار (الاسكافي حنين).. ولا أذيعكم سراً إذا ما أخبرتكم إن لكل مهنة أخلاقياتها ومن أخلاقيات مهنة الأدب عزلة الكاتب واحساسه بالاغتراب عن الآخرين مما يجعله من أشد خلق الله خجلاً أو غروراً وفي الحالين نادراً مايطالب بحقه ويصعب عليه السؤال عن ما هو أبعد من نظافة قصته (الحلوة) والتأكد من خلوها من الأخطاء الإملائية والمطبعية. تلك هي أقصى غايات الكاتب ويمكن القول إنها كرغيف الحلوة (من ورة التنور) يكفيه سنة.. فإذا ما قدم رجلاً وأخّر رجلاً وطالب بحقه عن طريق الهمس، فأن ذلك يسبب له أشد الإحراج متبوعاً بأقصى درجات الندم….. ألا سقى الله ايام الكتابة باليد اليمنى والتي كانت تقابل التعب بالأتعاب.. ولعن أيام الانترنت التي جعلت ثلاثة أرباع الكتاب العرب لايملكون من الدنيا شروى نقير.
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم