الحداثة النهاية عندما تكون بداية

الحداثه.. النهاية عندما تكون بداية*

د. نجم عبدالله كاظم
تُعدّ سنة 1914 إحدى نقاط الانطلاق في الأدب، ففي ذلك الوقت كانت جميع الكتب التي يشار اليها بالبنان في إنكلترا تكتب بأسلوب عادي ومالوف أكثر مما يجب. النثر كان نثر الرواية الفيكتورية، والشعر من جهته كان يقدس التقاليد، المتمثلة بشكل خاص في الأوزان القديمة. أما الكُتّاب الكبار الذين تجد كتاباتهم الحظوة لدى قراء ذلك الوقت، مثل آرنولد بينيت وويلز وكونراد، فكانوا من جيل واحد تقريباً وبالتالي فهم كانوا ضمن اتجاه فني واحد تقريباً يتبعون فيه التقاليد الفنية القديمة. تقول جوليان سيمونس في كتاب “صُنّاع الثورة الجديدة في الادب”: إن التقليد أو العُرف، الذي عمل هؤلاء الكتاب وفقاً لمنظوره، قد كان مستنزف القيمة كلياً تقريبا”. ومن هنا تحديداً بدأت الحداثة تتلمس خطواتها الأولى لتترعرع في ظل ذلك بعد فترة ليست بالطويلة، فكان هناك إليوت، وباوند، وجويس من الكتاب، كما كانت هناك من الدوريات “الأناني” و”المجلة النقدية الصغيرة”، و”المحك والتحول”. وإضافه إلى هؤلاء الكتاب وتلك المجلات، تضيف سيمونس، كان هناك أيضاً أولئك الذين عاشوا الحياة الأدبية في باريس مثل جيريترود شتاين، وفي رذرفورد بنيوجرسي مثل وليام كارلوس ويليامس. لقد مثّل ذلك كله وهؤلاء كلهم (ثورة أدبية)، على حد تعبير الناقدة.
إلى جانب هؤلاء، بما شكلوه من مظاهر هذه الثورة برز أيضاً ويندهام لويس الذي كان بفضل نشأته القلقة غير المستقرة وغير الرتيبة، وبفضل رؤيته الفنية الحساسة وتعدد مواهبه وتنوعها وتوزعها على ميادين تأليفية متعددة، مجهَّزا بشكل مثالي بكل ما يؤهله للثورة ضد مسلمات عصره واعتقادات هذا العصر شبه الثابتة، فجاءت مجلته “الانفجار” وروايته “تار” التي خلت- أو كادت تخلو- من أيه حبكة محددة. وتبدو روايته هذه بالتحديد، والتي تكشف عن هويتها في مظاهر العنف والوحشية والصراحة، وكأنها قد تضمنت جلّ جذور الحداثه التي ستتضح بعد حين. لكن ما أثار ويثير الانتباه أن ويندهام لويس قد بدأ في عمل آخر له وهو “قرود الله”، الذي سيصدر في سنة 1930، وكأنه قد عزل نفسه مختاراً عن (تيار) الحداثة الناهض، بل هو كاد يتطرف في بعض مواقفه التي تعكس هذا الانعزال أو الانفصال حين راح يهجو هؤلاء الذين هيمنوا على الوسط الأدبي اللندني الذي كان يشهد تحركات تأليفية وتجديدية وإبداعية غير اعتيادية. وهو في كتاب “رجال بدون فن”، الذي نشره بعد ذلك بأربعة اعوام، واصل هجومه العنيف هذا ضمن نقود ادبية عن فوكنر وإليوت وفيرجينيا وولف.
تتابع الناقدة والباحثة جوليان سيمونس بالتأييد تطور ويندام لويس في سيره وراء إليوت الذي انتهى هو بدوره إلى الاقتناع بأن الحداثة قد حققت أهدافها منذ حين، وأن الوقت قد حان لإيقاف التجريب، والتأنّي في الاندفاع نحو البحث- ربما غير الموضوعي أحياناً- عن الأصالة، كما كان ينشدها السائرون ضمن حركة الحداثة آنذاك. ومن هنا فإن اتفاقاً ما حول هذه الحركة قد فرض نفسه، على ما يبدو، بشكل شبه حاسم، كما تم تصوير تفسير دقيق وشامل لظاهرة الحداثة. لقد وجد كل من إليوت ولويس وباوند أن عملهم ضمن ذلك كان جزءا من حركة المجتمع المتغير الذي هو في الحقيقة لم يوجد أبداً بالشكل الذي كان يبدو لهم أنه كائن لا محالة، فتلاءمت لاهوتيات إليوت مع الجناح اليميني لنظام الحكم، وآمن لويس بدولة العالم المسيَّطر عليها مركزياً، ورحب باوند صراحة وبدون تحفظ بالفاشية.
كانت هذه هي خلفية الرغبة بالتدمير الذي استهدف هؤلاء الكتاب به الأدب الذي كان سائدا قبلهم ليحل محلة أدب بطابع آخر ومعطيات أخرى، ولكن في الوقت الذي لم يتحقق لهم فيه ما توقعوه فإن اكثرهم براعة ووعياً في هذا الجانب قد استطاع أن يتلمس بعض مؤشرات ما كانوا يفعلونه أو ستهدفون إنجازه وحدوده. فأدرك إليوت أن “أرض اليباب” هي نهاية لشئ ما وليست بداية، ورفض جويس أن يرى “يقظة فينيغان” ليست إشارة، كما رأى البعض- أو نقطة دلالة الى مكان أو غاية محددة.
يحضرنا هنا رأي أو طرْح متميز حول الموضوع، ولكن هل هو مقبول يا ترى؟ ففي سنة 1868 صمم شاعر شاب على تكريس حياته ونذر نفسه للدين، فأحرق كل اشعاره التي كان قد نظمها قبل قراره ذاك، لكنه عاد بعد سنوات سبع إلى الشعر، فنظم شعراً عن خمس راهبات متن غرقاً. ومات الشاعر نفسه، وهو جيرارد مانلي هوبكنس سنة 1889، وهو في سن الرابعة والاربعين، دون ان ينشر أياًّّ من أشعاره. ولكن عندما بدأ روبرت بريجيس يراجع بعض قصائد الشاعر وينشرها خلال الحرب العالمية الاولى، أي بعد وفاته بأقل من ثلاثة عقود، أخذت تلاقي صدىً واسعاً، بل صارت تُقرا جنباً إلى جنب مع قصائد ليتس وإليوت وباوند وغيرهم. ولذا لم يتردد الناقد ليفيس في الثلاثينيات، ضمن وقفاته عند الشعر الإنكليزي، في وضع هوبكنس إلى جانب إليوت وباوند. والواقع، وبحدود تعلق الأمر بالموضوعات والأفكار والأغراض، وبقضية الابتكار وبناء القصيدة ووزنها، وبما يمكن ان يسمى بالخصيصة غير الاعتيادية، فان هوبكنس كان بكل تأكيد حداثياً، ومن هنا كان غريباً أنْ لم يجد هذا الشاعر له مكاناً في نقاشات سيمونس، إذا ماعرفنا أن الناقدة تؤكد في كتابها على أن الأداة أو السلاح المتميز والرئيس للحداثة هو اللغة، كما يتمثل ذلك في ما فعله جويس وإليوت وباوند في لغاتهم حين استحدثوا فيها، كلٌّ من زوايته، ما منح كتاباتهم، عبر اللغة بالطبع، سمة الحداثة. فإلى جانب هؤلاء الأدباء نجد هوبكنس الذي تملّكته اللغة المتجددة دوماً وبخصائص كاد ينفرد بها، ولسنا هنا بصدد التفصيل فيها، فاكتسب بذلك حداثته. وإذا ما اتفقنا استنادا إلى ذلك على أن هوبكنس كان حداثياً حقيقياً، فإن نقاشات سيمونس التي خلت من الإشارة اليه وإلى اشعاره تصبح من هذه الناحية غير دقيقة وبحاجة إلى إعادة نظر.
بقي أن نشير إلى أن جوليان سيمونس قد بالغت في موقفها وتطرفت حين رأت أن التقاليد أو الأعراف قبل قبل الحرب العالمية الاولى، أي قبل سنة 1914، لم تكن لها قيمة وأن الطبيعة الثورية للحداثة وفق ذلك قد سعت لاحتلال مكان هذه التقاليد والاعراف الفنية التي كانت سائدة.
جريدة (أخبار الأدب)- القاهرة، 1995

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

دراسة عن دروب وحشية

تشكلات البناء السردي في رواية دروب وحشية للناقد نجم عبد الله كاظم أنفال_كاظم جريدة اوروك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *