علي البدر وقصة “النخلة” للقاصة والروائية ميسلون هادي
“تحليل نقدي”
موقع ابداعات الاكتروني
4-4-2019
“كل يوم، يفترش عبد الله التراب الحار أمام الخيمة يأكل من صحن التمر…”. ولكن لابد من التغيير وتذوق تمر تلك النخلة التي يتحدث عنها الناس ” نخلة معطاء تقدم ثمرها للناس بكل شهامة وكرم، فمهوى عذوقها يقع عند ارتفاع قامة الرجل.. وإذا ما أكل المرء منها وشبع فإن هناك على مقربة من النخلة، عين ماء صافية يشرب منها حتى يرتوي ويمضي يملؤه إحساس رضىً وسرورٍ لا مثيلَ لهما.”. ولتحقيق رغبته في تذوق تمرها، التجأ عقله الباطن إلى الحلم، حيث عبر الجسر إلى الشاطيء الثاني “وما أن بلغ الضفة الإخرى حتى فز من نومه دون أن يكون قد أكل من تمر النخلة شيئاً.” ويبقى التحدي قائماً. لابد من تحقيق الحلم إلى واقع يوصله إليها. ويحزم عبد الله أمره ويقرر الذهاب عندما ” امتطى صهوة فرسه وانطلق بها حيث يقع جسر المدينة الوحيد، وعندما وصل رأى حاجبين يقفان عند مدخله، يقولان لكل من يتقدم الى الجسر: العبور ممنوع بأمر الوالي.”. وتتعاقب الأيام والمنع ساري المفعول إلى أن يقرر العبور سباحة لكنه يتفاجأ بإلغاء المنع وأصبح الصعود إلى الجسر متيسراً. هاهي فرصته التي انتظرها. “ظلَّ واقفاً يتأمل الجسر لفترة ظنها لحظة وظنها سنين وخاطِر النخلة يشغله ويشغل حواسه…”، لكن ردة فعل منه جعلت “الجسر مفتوحاً أكثر مما ينبغي كمنظر سخيف لا معنى له… أو كإمرأة لا تثيره..” . وعليه يأتي قراره عندما “لف عباءته على جسده بهدوء وانحدر مبتعداً عن الجسر وغار في جوف الظلمة البارد.”
بأسلوب سلس وانسيابي بدت به القاصة ميسلون هادي، كَراويَةٍ لسردٍ ينحى نحو الحكاية. ولم يستطع عبد الله في حلمه أن يتذوق تمر النخلة ولا حتى في اليقضة رغم تيسر المرور إلى الضفة الأخري. وياترى ما هو السبب الذي جعله يتردد عندما ” بدا له الجسر مفتوحاً.” ؟ والنخلة هنا رمز سيميائي symbol يغور تأريخه في الأعماق ويمتد إلى أزمنة قديمة، حيث ارتبط الأمل والوجود بها. لقد منحتها الكاتبة روحاً إنسانية فهي ” تقدم ثمرها للناس بكل شهامة وكرم.” وهنا نلاحظ وبوضوح عملية الأنسنة personification. الناس تعلقوا بها وصنعوا لها هالة تحيطها فبدت أمنية رؤيتها وتذوق ثمرها غاية ملحة لابد من اشباعها وهاهو عبد الله وقد اختل أو “تصدع هناءه السابق وراحة باله قد أُقلِقَت وإن الأشياء لم تعد إلى طبيعتها السوية مالم يرى هو تلك النخلة.” . ويبقى التساؤل: لماذا لم يعبر إلى الضفة الأخرى ويحقق امنيته بأكله من تلك النخلة التي يتحدث عنها الناس؟ وعندما كان المنع لعبور الجسر والوصول إلى النخلة سارياً، كان عبد الله متلهفاً وينتظر لحظة العبور بلهفة، لكنه غيَّر رأيه ، وكأن صحوة ما هزته ومنحته صعقة جعلته يعيد ترتيب حساباته عندما صار الطريق سالكاً بعد زوال المنع. لقد قفلت الكاتبة قصتها بموقف يثير التساؤل ولابد من افتراضين يكون أحدهما مقنعاً على الأقل.
ألأول ان الشحنات النفسية التي اثارتها النخلة قد اضمحلت بسبب زوال المنع الذي ارتبط بزوال المنفعة من تمرها. والمنع يثير التحدي أحياناً وبزواله قد يضمحل هذا التحدي. ولو كان التمر باقياً لما أزيل المنع. ونتساءل: من استهلكه؟ ويأتي الجواب واضحاً. بالتأكيد الذي يملك سلطة تنفيذ أمر منع العبور إلى الضفة الأخرى. والإفتراض الثاني ان القصة بمجملها تعتمد ثيمة theme تبدو بسيطة أو سطحية، لكن الحقيقة تقول غير ذلك. حقيقةٌ انتقاديةٌ ضمن اسلوبٍ توريةٍ يبعدنا عن الواقع تجنباً لأيةِ مساءلة أو إتهامٍ يوقع الساردة في مشكلة اكتسبت بعداً زمكانياً لايمت للواقع الحالي بصلة لامن قريب أو من بعيد. ” وامتطى عبد الله صهوة فرسه وانطلق بها الى حيث يقع جسر المدينة الوحيد، غير أنه عندما وصل رأى حاجبين يقفان عند مدخله يقولان لكل من يتقدم إلى الجسر: العبور ممنوع بأمر الوالي.” وهكذا تدور الحوادث بزمن بائد كفترة الحكم العثماني أو قبلها، حيث مارس الوالي أقسى صنوف القهر والظلم والتفرقة ونهب خيرات البلاد. استحوذ على كل شيء وغير مبال بما يعانيه الشعب. وهنا تبرز النخلةُ كرمزٍ ذكي استعملته الكاتبة بدراية، مشيرة بصورة غير مباشرة إلى استئثار الطبقة العليا الحاكمة بالمنافع والامتيازات وترك الفتات لعموم الشعب. ويبدو أن عبد الله ،ذلك الإنسان البسيط، قد أدرك اللعبة. فما فائدة الذهاب إلى المجهول ومواجهة المغامرة والمخاطرة؟ ويأتي القرار الحاسم عندما “بدا له الجسر مفتوحاً أكثر مما ينبغي كمنظر سخيف لا معنى له… أو كإمرأة لاتثيره.” وهذه صحوة أعادت إليه رشده ومنحته شحناتٍ إنفعاليةً وجرأةً على اتخاذ القرار الصائب، عندما انحدر مبتعداً ” عن الجسر وغار في جوف الظلمة البارد.”. قرار اتخذه بعد أن “ظلَّ واقفاً يتأمل الجسر لفترة ظنها لحظة وظنها سنين وخاطِر النخلة يشغله ويشغل حواسه…”. أجل. سنين تداهمه أمام طريق موحش لايعرف مداه، وقد يكون تيهاً وسَيراً نحو المجهول أو ضياعاً أبدياً. وتأتي تلك اللحظة التي تعيد له وعيه consciousness ليكون قرار الرجوع وترك الأحلام والتمني، ولكن.. هل يقتنع بطل القصة بعد هذه التجربة، بافتراشه ” التراب الحار أمام الخيمة يأكل من صحن التمر ويشرب من كأس اللبن”؟ أنا أشك في ذلك بعد تلك الصحوة التي هزت كيانه والتي قد لا تعطي “الوالي” فسحةً من الوقت لإعادةِ ترتيبِ أوضاعِهِ من جديد. ” “ولو استبدلنا كلمة “الحاجبين” بجنديين، وكلمة “الوالي” بالرئيس، لأنكشف الأمر وبدت القصة لنا أكثر وضوحاً كقصة انتقادية هادفة. وبالتأكيد مهما تكون التورية فإن النظام يدركها ضمن ماكنته الإعلامية والرقابية التي ترصد باستمرار أية إشارة قد تمس النظام. وأخيراً لابد من الإشارة إلى عبد الله الذي” يفترش التراب الحار أمام الخيمة يأكل من صحن التمر ويشرب اللبن..” هل هو بدوي أم فلاح؟ فإن كان بدوياً فالجلوس على الرمل وليست على التراب. وإن كان فلاحاً فالسكن في الكوخ وليست في الخيمة. إشارة قد تبدو غير ضرورية، ولكن لاضير من ربطها بالدولة التي يحكمها الوالي والتي لم تُحدَد جغرافياً، لكي تكون تبريراً مناسباً لهذه الإشارة. ألقاصة والروائية ميسلون هادي، تحياتي…
علي البدر
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم