ثلاثة أصلهم انسان – ايمان عبد الحسين

ميسلون هادي تطلق الصرخة التحذيرية

– September 17, 2016

جريدة الزمان

قصة ثلاثة أصلهم إنسان من مجموعة ماما تور بابا تور

ايمان عبدالحسين

الصرخة التي تطلقها القاصة ميسلون هادي في قصة (ثلاثة اصلهم انسان) التي تحتل الرقم الحادي عشر من المجموعة القصصية الصادرة بالقطع المتوسط عن دار الشؤون الثقافية العامة بعنوان ، (ماما تور بابا تور) والذي نقتصر هنا على قراءتها (حقا لا يعرف الحدود الا من يتخطاها وعندما يتخطاها يكون الاوان قد فات)، مثل اية صرخة تحذيرية تطلقها في كل قصة من قصص المجموعة للتنبيه عما يسببه التطرف في العلم من كوارث وما يقترفه من اخطاء، وان القاصة عبر هذه الصرخة تدق ناقوس الخطر اتجاه التقنية البيولوجية للهندسة الوراثية والتلاعب بالجينات الذي يعد شأنه في ذلك شأن عصر المعلومات بما يشكله من منافع كبيرة للإنسانية، الا انه اذا لم يتمكن الجنس البشري استخدامه الاستخدام الصحيح فإن سوف يواجه أخطاراً بالغة، وان هذه القضية البالغة الخطورة قد اتعبت الكثير من العلماء والكتاب فحاولوا الوقوف امامها كل له وجهة نظر في تفسيرها ، وكثرت فيها المناقشات وصيحات التحذيرية لخطورتها وابرزها الصرخة التي أطلقها فوكوياما صاحب نظرية “نهاية التاريخ” والذي قال فيها: إن التقنية البيلوجية تهدد طبيعة البشر ، وانة رغم ما حققوه العلماء من النجاح المذهل في هذا المجال الا انها صبت جميعها في خدمة مصالح وقوى استعمارية كبرى.

رؤية واضحة

 ان القاصة ميسلون هادي تحاول في هذه القصة تشكيل رؤية واضحة حيال القضايا التي يطرحها التعامل مع العلم الذي لم تنظر اليه دوما نظرة تقديس مطلق ، انما نراها تبتعد عن مناصرته بوصفه خطاباً موحداً ، فان له من الاخطاء يجب الوقوف عليها وادانتها، والحقيقية ذلك يدل دلالة واضحة على ان هذا الموضوع الذي تناوله القاصة في هذه القصة يمثل اشكالية لديها فهي لا تدعو فيه الى القطيعة مع العلم وفي المقابل تحاول ادانة الاخطاء الذي يسببها الانسان عند استخدامه الخاطئ له ، و تحاول شجبه حينما يحاول تغير هذه الحياة بصورة متطرفة خاطئة ، وان في هذه القصة التي تحاول القاصة فيها طرح واحدة من الأمثلة الجهيرة والدالة على اشكالية العلم من خلال الموضوع الذي ما زال يمثل اشكالية صعبة الحل في نظرها، الا انه كما يقال انه كلما صعب الحل كلما يضحى السعى واراؤه اكثر قوة، ولا سيما حين يكون الموضوع لغزاً محيراً يشوبه الغموض حتى يومنا هذا، من هنا يتخذ هذا الموضوع جانبا من اهتمامها ويشغل حيزا من تفكيرها وتقف ازاءه موقف الرافض، الذي يثير القلق الناتج من فكرة التغير غير المنضبط في موضوعة الهندسة الوراثية والمبالغة فيه مما ينتج في النهاية من نتائج مخيفة ما تجعله القاصة في محل مراجعة وتضعه تحت اضواء جديدة تنير جوانبه وتجدد قراءته، مستعينة بالصور الذي يصوره خيالها، الذي حاولت عبره تعرية وكشف الوجه الحقيقي للحياة الحضارية المتطرفة من خلال التحكم في الصفات الوراثية للكائن الحي وفي تغيير التركيبة الجينية لديه بطريقة عشوائية ما تنتج عنه طفرات جينية، ان القاصة  التي لا تخفي اقرارها بعدم اهلية الانسان الى التلاعب في العلم تحاول منح قارئها فرصة تامل وقراءة رؤية تتجاوز الحاضر الى المستقبل والسعي الى استشرافه بغية رصد كبرى المشكلات التي يحملها كما يتبين ذلك جليا في المقطع الذي تتوخّى فيه القاصة النّقد وتدعو الذين يريدون التغيير ويطمحون اليه ان للتغير ضوابط يجب مراعاتها كي لا تتحول الى نقمة (ان سلسلة التلاعب المقصودة بالجينات والتي اجراها فريق من العلماء الذين عاشوا على سطح هذه البقعة من الارض ستقود الى الكارثة التي تنطق بها ملامحهم المشوهة ) (اشرفوا على هندسة جينات تلك المجاميع وراثيا وحولوها الى مسوخ). ان القاصة ميسلون التي تحاول في هذه القصة رصد خوفها وخشيتها على الحياة الانسانية البسيطة واستعدادها للدفاع عن الوجه الجميل منها تضعنا ازاء لوحة تتشكل شيئا فشيئا وتختمها بالوصول الى الهدف الذي تريد توصيله ملتجئة فيه الى عالم من الفنتازيا جاعلة قارئها يتبع مسار ثلاثة من المخلوقات التي نجت من كارثة الانشطار النووي الذ ي قاد الى اختراع القنبلة النووية التي دمرت الارض تدميرا كاملا(ان اكتشاف الانشطار النووي داخل هباءات الذرة سيقود الى اختراع القنبلة النووية التي دمرت هذا الجانب من الارض تدميرا كاملا ).

جمالية الحياة

نرى مما سبق ان  ثمة اعترافاً من القاصة على جمالية الحياة البسيطة وثمة اعترافا اخر يحمل دلالة بينة على عدم الرغبة في تغيرها ، وهذا دليل على إعادة الاعتبارللحياة التي لم تتلوث ، وتاكيد التحامها بالانسان ككائن بسيط ورفضها فكرة الانسلاخ عن بساطته، ومن خلال الحوار الذي يدور بين ثلاثة مخلوقات نتبيّن اعتراف القاصة بلوم الانسان لأن العلم لم يوجّه لإصلاح ، بل تحول للتدمير ومن استقراء بعض النماذج يتضح لنا إن الصورة تتشكل عند القاصة ميسلون هادي في اغلب قصص المجموعة من خلال التركيز على المشاهد البصرية التي يقوم على السرد الوصفي المكثف الذي تسعى بث  هذه الصور البصرية،  على تجلية دلالات معينة تغذّي القصة (ان الانسان الارضي الذي افنته تلك الكارثة الارضية كان مخلوقا جميلا سعيدا يغني احيانا ويحارب احيانا اخرى يرقص احيانا ويقرا احيانا اخرى يبكي احيانا ويضحك احيانا اخرى كان يحيا الحياة بافراحها واحزانها قبل ان يموت ويرتوي من امطار السماء وياكل من ثمار الاشجار) (كانوا يشعرون بشوق عارم الى طفولة بشرية كان فيها اقرانهم يعيشون فوق سطح الارض بشرا اسوياء تقودهم غرائزهم الى اماكن اخرى غير المختبرات المعقمة والوجوه الممسوخة الخرقاء)  وفي اعتقادي ان هذه المقاطع السابقة كافية وحدها في وضع المتلقّي في جو من الخوف والحذر، وهذا ان دل على شيء فانه يدل على مدى تشبث القاصة كما قلنا سابقا في التعلق مع الحياة الانسانية كما اننا نستمد هذا من الطريقة التي تدين فيه القاصة في نهاية القصة التي تؤكد على  رفضها اي تغير للانسان (املى عليهم ذلك الشعور الانساني الغريب الرغبة الجامحة باخفاء كل اثر لاي فتحة تدل على وجودهم او نفق يقود الى عالمهم المظلم التعيس الكئيب ثلاثتهم ادركوا ان وجودهم سيجعل الخياة على غير حقيقتها فاقفلوا راجعين الى مخابئهم التي عاشوا فيها تحت الارض). واخيرا لا بد ان القول ان القاصة التي تحاول تاسيس خطابها القصصي في هذه القصة من خلال الخوف من القادم، الخوف من عبورنا الى زمن يحمل هوية التدمير والتشظي يذكرني بقول المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي ادغار موران من ان (العالم لا يشهد تدهورًا في المحيط الحيوي، ولا يشهد انتشارًا مخيفًا للسلاح النووي وحسب، انما أزمة الحضارة التي تُنتج هذا المستقبل المتسارع الذي لا يخضع العلم والتقنيات فيه لاية رقابة، حيث العنان مطلـــــق فيه كليًا لجــنونِ الربح والمنفعة).

  • القصة من مجموعة ماماتور باباتور وهي قصص من الخيال العلمي

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

عند شاي العروس

عند “شاي عروس” (ميسلون هادي) د. حسين سرمك حسن منذ ما يقارب عقدين من الزمن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *