الرواية العراقية
في العقد الأول من القرن
واقع وحقائق ومؤشرات
د. نجم عبدالله كاظم
أستاذ النقد والأدب المقارن والحديث
كلية الآداب-جامعة بغداد
( 1 )
نشرتُ قبل عدة سنوات دراسة عن الصورة والأدب، حملت عنواناً جانبياً، كان مهماً بالنسبة لي، وهو (في نقد مقولات الموت في الأدب). أي أنها كانت جوهرياً حول هذه المقولات الكثيرة في الأدب، لاسيما التي عُرف بها عبدالله الغذامي، وبعضها كان أصداءً لمقولات نقاد وكتاب غربيين، وأكثرها من عندياته، وفي الحالين (هوّس) الكثيرون استجابةً لها ورقصوا على إيقاعاتها، ومنها: مقولات موت المؤلف، والرواية، والشعر، والكلمة، والأدب، والنخبة، والنقد الأدبي… إلخ. وقد زعمتُ حينها، ولا زلت أزعم أنني اكتشفت مفارقة تتمثل في الحقائق الأربع الآتية: أولاً، إن ما من واحدة من الميتات أو المقولات بالموت قد تحققت فعلاً، بل حتى مقولة (موت المؤلف) التي تنتمي إلى غير ما تنتمي إليه مقولات الموت الأخرى، وهو المجال المعرفي والنقدي، لم يطل القول فيها حتى كان التراجع عنها. وثانياً، أن أقربها إلى التحقق كانت مقولة (موت الشعر) التي قيلت في الغرب في سبعينيات القرن العشرين حين صار ديوان الشعر في بريطانيا، مثلاً، يوزع بعدد أصابع اليدين أو يزيد قليلاً. لكن الأمر دفع الكثير من الجهات الأدبية والثقافية والنخبوية بل الرسمية إلى بذل الجهود والحملات لإنقاذه، وتم لها ذلك. ثالثاً، بعد أن توقع أصحاب القول بموت الرواية، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أن يكون العصر عصر موت الرواية، كانت المفاجأة لا في أنه لم يصر عصر موت الرواية، بل صار عصر الرواية كما لا زلنا نراه. رابعاً، اقتربت مقولة الغذامي بموت النقد الأدبي من السطحية، إذ ما ثبت شيء ولو بسيط جداً منها. وأنكى من ذلك أنه ألحقها بمقولات موت أخرى ربما آخرها القول، أو إحياء القول، بموت النخبة، التي يعود أصلها في الغرب إلى بداية ستينيات القرن الماضي.
حضر كل هذا في بالي حين تابعتُ، قبل أكثر من سنة، منقاشات دارت، في وسائل الإعلام، بين مجموعة من مثقفينا ونقادنا وأدبائنا حول واقع الرواية العراقية، ووجدت من خلالها كيف أن البعض يقول بأشياء ويعلن عن أحكام وقد يصادر ما يخالف ذلك، باستسهال وتعميم ودون استناد إلى قراءة واعية أو غير واعية للواقع أو المنجز الذي يتكلم عنه، وهو هنا المنجز الروائي العراقي. وكدت حينها أن أدخل في النقاش قبل أن أتراجع لأسباب لا نريد الخوض فيها. ولكنّ عودةَ شيءٍ من تلك المناقشات إلى الواجهة من فريق مجموعة من المثقفين اشترك معظمهم مع السابقين في تجريد الرواية العراقية من بعض أهم خصائصها، وفي إسقاط العشرات، بل المئات من روائع الرواية العراقية، جعلني أعود إلى الموضوع وإلى ملاحظاتي عنه فكانت هذه المقالة، لأرد بها على تلك الحملة غير الموضوعية وغير المفهومة.
قبل هذا، قد نسمع مثل هذه المقولات والآراء، وعن مختلف أنواع المنجز الإبداعي والنقدي والبحثي والفكري، من مثقفي المهاجر العراقيين، وهنا أريد أن أمر بنقطة أراها متعلقة، وإنْ بشكل هامشي، بذلك. فعلى خلاف معظم مغتربي الأمم والشعوب والبلدان، كثيراً ما تجد مغتربي العراق، وربما المغتربين العرب عموماً، أولاً، يغتربون عن ثقافة بلدهم ونشاطاته والحياة فيه، ولهذا فأنت لا تجدهم، مثلاً، يستمعون من الأغاني العراقية إلا للقديمة، ببساطة لأنهم لا يعرفون ما بعدها بسبب الانقطاع عن البلد. وثانياً، لا تجد بين أولادهم غالباً من يعرف العربية، وإن عرف فهي ركيكة، مرة أخرى لأنهم حين يهجرون العراق فإنهم ينقطعون عنه وعن كل خصائص هويته. وثالثاً، أنهم لا يعرفون عن واقع بلدهم إلا القليل، والغريب أن هذا عادةً ما ينسحب على الكثير من المثقفين والأكاديميين والكتّاب والمبدعين، لتكون النتيجة افتراقاً وغربةً عن البلد وشبه الجهل بثقافته. وأظن الكثير من قرائنا حين التقوا بعض من عاد من هؤلاء المثقفين بعد السقوط بشكل نهائي أو في زيارة للبلد، وجدوهم لا يعرفون مما يخص ثقافة العراق إلا ما يعود إلى السبعينيات وما قبلها، بل أكثر من هذا أنهم قد يُنكرون أصلاً أن يكون للعراق شيء ما بعد السبعينيات. وهنا أتذكر أن أحد أكثر الكتاب يسارية وموضوعية وعلمية قد رفض في مناسبة معينة أن يعترف بأي شيء مكتوب داخل العراق ما بعد منتصف السبعينيات، علماً بأنه كان قد خرج من العراق نهاية ذلك العقد وعاد بعد السقوط، وعليه فإن كتابته ودراسته وشهادته الأكاديمية التي انبنت في العراق لم يشملها البطبع هذا الإلغاء. هذا يقودنا إلى عدم الاستغراب من مواقف الكثير من المثقفين والكتّاب، بل الروائيين، العراقيين المغتربين من الرواية العراقية في الداخل. ولكنْ، تعلقاً بمقالنا، ليس لنا إلا أن نستغرب مِن أنْ يكون مثل هكذا مواقف ومن الكلام سلبياً عن هذه الرواية أولاً من الروائيين والنقاد والأكاديميين، وثانياً من غير المغتربين، وفي كلا الحالين نفترض أنهم على علاقة عميقة بالرواية العراقية.
( 2 )
وبدايةً دعوني ألخّص في الآتي أهم ما أخذه معظم المناقشين على الرواية العراقية خلال السنوات العشر الأخيرة أو نحوها، مما يبدو أنه جاء غالباً بدون مرجعيات قراءية واضحة، ولا مرجعيات نقدية رصينة، ولا معلومات فهرسية وتاريخية كافية:
-لعل أهم ما قال به الإخوة الأعزة، نقاداً ودارسين ومبدعين وربما قراءً عاديين، عن الرواية العراقية، مما كاد ينفي عنها أي عطاء يستحق أن يُذكر، هو قلة هذا العطاء كمّاً أو عدداً أو كليهما. وهذا برأيي هو المعبر الأصلي والواضح عن الإخفاق في الوصول إلى واقع هذه الرواية والانفصام عنها انفصاماً غير مقبول إن كان من قراء على علاقة مهما كانت محدودة بالرواية، فكيف بنقاد ودارسين وروائيين؟.
-وكأنهم لم يكتفوا بتجريد هذه الرواية من أبسط ما يُثبت وجودهها المقترن بالعدد، راح مثقفونا يجرّدون حتى هذا العدد، المفترض أنه متواضع، من النوع، حين لم يجدوا بينها ما يستحق القراءة والنقد، ربما إلا أعمالاً محدودة لا ترقى إلى أن تكوّن بعض توصيفات هذه الرواية. وانا أتساءل مستغرباً: لماذا، إذن، ينشغلون بها من خلال كتابة نصوص، أو من خلال دراستها أو متابعة شأنها؟ هنا أتذكر طالب ماجستير نُقل لي من مشرف سابق لأسباب لسنا بصددها، وعليه لم يكن لي علاقة باختيار موضوعه، وكانت رسالته عن أحد جوانب الرواية العراقية، فاكتشفت لاحقاً أنه لا يكاد يرضى عن روائي عراقي واحد بمن فيهم فرمان والتكرلي والربيعي والركابي، أو عن واحدة من رواياتهم، بل ما كان يتناول أحداً منهم أو رواية من رواياتهم إلا ويظهره فيها ساذجاً أو مخطئاً أو ضعيفاً. وكان، فوق هذا، يتناولهم بلغة وأسلوب لا تليق حتى بمخاطبة كتّاب ناشئين، فساءلته مستغرباً ومستنكراً: لماذا إذن اخترت موضوعك القائم على هذه الرواية؟ وما كان من جواب، لكن المهم أنني جعلته يعدّل بعض ما قال به في الرسالة ليستقيم منهجها ومنطق اختيار موضوعها، ولكنْ أشك في أنني قد عدلت موقفه، لأنه كان من النوع الذي لا يرى إلا طريقاً واحداً في تفحّص وتحليل والحكم على أي شيء.
-ثم يأتي قولهم بأن الرواية العراقية لا تعبر عن واقع العراق والعراقيين عموماً، بل هم، أكثر من هذا، يؤكدون انفصام روايات السنوات الأخيرة عن واقع ما بعد الحرب والسقوط. وهذه عندنا جرأة غريبة تعبر، مرة أخرى، عن الانفصام شبه التام، لا عن واقع هذه الرواية فحسب، بل حتى عما نفترض أنهم يقولون به من وجود عدد (قليل جداً) مما يستحق أن نسميه روايات وتبعاً لذلك يستحق أن يُقرأ.
-أشار بعض الكتّاب والنقاد إلى افتقاد معظم الروايات العراقية لخاصية الإمتاع، وهو قول يكتسب شيئاً من الصحة تعلّقاً بعدد منها، ويخرج عن إطلاقية الملاحظات و(المآخذ) السابقة وعن لا علمتيها. ولكن هذا القول، في الواقع، قد ينطبق أيضاً على أعمال عربية بل عالمية أخذت مكانات غير عادية، ومع هذا لم يُسجل هذا مأخذاً عليها ينتقص منها. ويكفي أن أشير هنا إلى إحدى أعظم الروايات العالمية، وهي رواية جيمس جويس “يوليسيس” لأتساءل هل هي ممتعة؟ أشك في أن يقول أحدٌ بهذا، وهو صريح في التعبير عن موقفه أو انطباعه. ولكن إذ تفتقد هذه الرواية إمتاعها للغالبية العظمى من القراء فإنها تبقى إنجازاً فنياً شبه إعجازي، لا يمكن حتى لهؤلاء الذين لا يستمتعون بها أن ينكروه. وهنا أتفق مع من يقول بضرورة قدرة العمل الروائي- وغير الروائي أيضاً- على الإمتاع. فعندنا أن الرواية يجب أن تحقق ثلاثة أمور: الفكرة أو الموضوع والتعبير عنهما وإيصالها؛ والفنية بنيةً وتقنيات؛ والقدرة على الإمتاع.
والآن، واضح أن الملاحظات السابقة، التي يجب أن نقر ابتداءً بأنها لا تخلو من بعض الصواب، تعتمد الإطلاقية المخلة، مما يستدعي الرد عليها ومناقشتها من خلال استقرائنا للرواية العراقية معتمدين، في ذلك، على الآتي:
أولاً: ما نعتقد أنه وقائع في حاضر الرواية العراقية مثبتةً مادياً، وكما تتمثل في الفهرست (غير الكامل) للرواية العراقية الذي أنجزناه وينتظر المراجعة الأخيرة، آملين نشره قريباً.
ثانياً: قراءاتنا لهذه الرواية على امتداد أكثر من أربعين عاماً، وتدريسنا لها في الجامعة على امتداد أكثر من عقدين، وبحثنا المتواصل في شؤونها، على امتداد أربعة عقود، ضمن اهتماماتنا بالرواية العربية عموماً، وبمقارنتها بغيرها من الروايات العربية والعالمية ضمن تخصصنا بالأدب المقارن. وتبعاً لذلك تأتي كتاباتنا فيها وقد تمثلت في سبعة كتب كاملة عنها، وخمسة أخرى شكلت مادة أجزاءٍ منها، إلى جانب خمسة كتب شاركنا فيها.
ثالثاً: وأخيراً واقع كتابة الآخرين عنها، بمن فيهم بعض من تكلم سلبياً في ما كتبوه، ودراستها أكاديمياً وغير أكاديمي، مما يملأ رفوفاً من الكتب والمجلات والرسائل والأطاريح الجامعية.
وعلى أية حال، أردت من هذا الإشارة إلى أنني لا انطلق، في ما سيأتي من توصيف و(تقييم) لواقع هذه الرواية العراقية، من اجتهاد مجرد أو رأي عابر تكوّن عندي بدون أساس بنيت عليه ذلك. كما لا انطلق من اطلاع عام عليها، وهو ما أسجله أصلاً على بعض أولئك الأصدقاء والزملاء الذين نالوا منها، ممن احترم جهود غالبيتهم في نقد الرواية العراقية ودراستها، وعلى بعض آخر لم يُعطِ النقد الذي يمارسه غذاءه المستمد من قراءات كافية أو جادة.
في ضوء هذا كله، وعودةً إلى ملاحظات مَن نرد عليهم هنا التي أجملناها سابقاً، نسجل ملاحظاتنا فيما يأتي عن واقع الرواية العراقية خلال العقد الأول من هذ القرن، وهي ملاحظات تقوم غالباً على وقائع، مع بعض الاجتهاد الذي يحتمل الإصابة والخطأ، كما يحتمل، وفقاً لهذا، الأخذ والرد واختلاف الرأي. وتعلقاً بالمعايير التي اعتمدناها في ملاحظاتي، نعتقد أن العدد يبقى معياراً، ولكنه معيار أولي إلى جانب معايير عديدة أخرى هي بالتأكيد أهم. وهكذا كانت المعايير هي: العدد، والفن أو الجودة، والكتابة النقدية عن الرواية، والشيوع أو الانتشار وما قد يتعلق بذلك من تحقيق الإمتاع، ونيل الجوائز، والتجديد وتحقيق الجديد، وتحقيق الهوية المحلية والقومية، إضافة إلى معايير أخرى تفصح عن نفسها ضمن ملاحظاتنا.
( 3 )
انطلاقاً من هذه المرجعيات والمعايير، نسجل عن رواية العقد الأول العراقية الآتي مما يتراوح، كما قلنا، ما بين حقائق، وهي الغالبة، وبعضَ وجهات نظر واجتهادات ضمنية:
بداية يجب ان نعرف أن عدد الروايات الصادرة خلال فترة عشر سنوات ممتدة من 2001 إلى 2010 هو 300 رواية تقريباً. ولكي يميز القارئ ما يعنيه هذا من ناحية الأهمية والدلالة، نشير إلى أن عدد الروايات الصادرة خلال السنوات العشر السابقة لها والممتدة من 1991 إلى 2000 هو حوالي 150 رواية فقط، وبما يعني أن ما صدر خلال العقد الأخير هو ضعف ما صدر في العقد السابق له تماماً.
تعلقاً بالعدد السابق رصدنا ثلاث ظواهر، الأولى وقد أشرنا إليها، نعني أن ما صدر خلال العقد الأخير هو ضعف ما صدر خلال العقد السابق له. الظاهرة الثانية تتمثل في عدد الروايات النسوية، فقد شهدت الفترة المعنية صدور أكثر من 30 رواية للكاتبات العراقيات، مقابل صدور حوالي 40 رواية فقط خلال كل مسيرة الرواية العراقية قبل ذلك. الظاهرة الثالثة تتمثل في ما نسميها رواية الخارج أو الغربة، ونعني بها روايات العراقيين المقيمين في الخارج، فقد دخلت هذه الروايات على الخط بقوة ملفتة للنظر، وهي ظاهرة واضحة حتى مع صعوبة او تعذر رصد أعداد ما صدر منها خلال العقد المعني وقبله.
لا أظن بإمكان أي منصف أن يشكك بالمكانة التي احتلتها الرواية العراقية، لاسيما خلال فترة العقد والنصف الأخيرة تقريباً، بين أنواع الإنتاج الأدبي الإبداعي. ويكفي أن نستذكر واقع ما كانت عليه خلال ما يقارب النصف قرن الأول من مسيرتها- من العشرينيات إلى السبعينيات تقريباً، لنعرف ما حققته من مكانة لاسيما إزاء الشعر. فمع أنها كانت قد بدأت تنهض بدءاً من منتصف الستينيات وعلى أيدي فرمان وآخرين لتؤسس لنفسها مثل هذه المكانة، إلا إن هيمنتها الحقيقية، على جزء ليس بالصغير من مساحة الإبداع الإدبي العراقي، بدأت تتحقق مع منتصف التسعينيات ونهايتها. ولعل ما أكد الذي صارت عليه الرواية هو واقع ما حاز عليه الكتّاب العراقيون وأعمالهم من جوائز عربية أو ترشيحات لها بدءاً بفؤاد التكرلي، ومروراً بميسلون هادي وعبد الخالق الركابي وهدية حسين وعلي بدر وعالية ممدوح، وانتهاءً بأنعام كجه جي وحوراء النداوي.
وذلك يعني بالتأكيد أن هذه الرواية قد حققت مستويات لم تكن قد حققتها من قبل، بما في ذلك ما يتعلق بالجديد والتجديد على مستويات الموضوع والمعالجة والشكل الفني، بل حتى في مجال التجريب. ودون الدخول في تفاصيل أوجه هذا التجديد، للقارئ الناقد أن يعود إلى العديد من الروايات التي حققت شيئاً من هذا، مثل بعض روايات فؤاد التكرلي، ومحمود سعيد، وجنان جاسم حلاوي، وبرهان الخطيب، وميسلون هادي، وفاضل العزاوي، ونعيم مهلهل، وسعد سعيد، ونجم والي، ومهدي عيسى الصقر، وعالية ممدوح، ولطفية الدليمي، ونزار عبد الستار، وعبد الخالق الركابي، وهدية حسين، واحمد خلف، وعلي بدر، وحسن مطلك، ولؤي حمزة عباس، وأنعام كججي، وآخرين.
وبناءً على الملاحظة السابقة، ما كان للرواية العراقية أن تحقق هذا دون أن تكون، أو على الأقل بعضها، قد انطوت على مستوى فني ومعالجة فكرية وموضوعية وقدرة على الإمتاع. وعليه فواضح الإجحاف الذي نالها ممن وسمها بعدم الإمتاع. ولنا أن نذكر أمثلة على روايات تقف بوجه من يدّعي بهذا، “المسرات والأوجاع” و”اللاسؤال واللاجواب” لفؤاد التكرلي، و”ذلك الصيف في اسكندرية” لبرهان الخطيب، و”العيون السود” و”شاي العروس” لميسلون هادي، و”بابا سارتر” و”شتاء العائلة” لعلي بدر، و”سفر السرمدية” لعبد الخالق الركابي، و”شوفوني شوفوني” لسميرة المانع، و”الأسلاف” لفاضل العزاوي”، و”المحبوبات” و”التشهي” لعالية ممدوح، و”الحفيدة الأمريكية”، و” زجاج الوقت” و”مطر الله” لهدية حسين، و”الحفيدة الأمريكية” لإنعام كججي، والعديد من روايات عبد الستار ناصر.
يجب أن نعترف بأن انتشار الرواية العراقية عموماً ليس بالمستوى الذي نتمناه، ولكنه بالتأكيد، ومهما كان حجمه، مُميَّز إذا قيس بما كانت عليه قبل عقود مثلاً. وهكذا لا نريد أن ندّعي أن انتشاراً مرضياً قد تحقق خلال العقد الأخير، بل هو أقل مما نتمنى، ونؤيد ما قال به البعض في هذا الشأن. ولكن لا يفوتنا ما يبدو أنه فات الذي قاله ذلك البعض من صعوبات واقع الثقافة والأدب والنشر في العراق خلال العقدين الأخيرين، بسبب ظروف الحصار والحرب وسقوط بغداد وما تلا ذلك من مآسٍ، مع أن هذا الواقع لم يمنع الانتشار المختلف عن السابق على المستوى العربي. إن هذا الانتشار واختراق الرواية العراقية للحدود القطرية، ليكون لها شأن على المستوى العربي، يتجاوز ما كان عليه قبل عقدين من السنوات مثلاً حين لم يكن أكثر من روائيين اثنين أو ثلاثة روائيين عراقيين معروفين، ولا أكثر من عدد أصابع اليد الواحدة من الروايات معروفة خارج العراق، وهذا ما يؤيده حصول العديد من الكتّاب والعديد من الروايات على جوائز عربية، ومشاريع ترجمات، على محدوديتها.
يعزز القول بهذا الانتشار، الكتابات النقدية والدراسات الأكاديمية الكثيرة عن الرواية العراقية، وهي من الكم والنوع ما لا تُخطئه عين أو يتجاوزه ذهن. وقد توزعت على آلاف المقالات والدراسات النقدية، والمئات من الأوراق البحثية العلمية، والعشرات من الكتب، ومن الأطاريح والرسائل الجامعية، وكل ذلك داخل العراق غالباً، ولكن مع نسبة منها لا بأس بها في البلدان العربية، ونسبة أقل بطبيعة الحال في الأجنبية.
ومرتبطاً بما تقدم، يأتي تدريس الرواية العراقية في الجامعات العراقية والعربية، ضمن تدريس الأدب العربي الحديث للدراسات الأولية، وتشكيلها مكوِّناً رئيساً لمساقات منهجية في الدراسات العليا، سواء أكان منها ما يتعلق بالرواية والسرد عموماً، أم بالتحليل وتطبيق المناهج النقدية، أم باالدراسات التطبيقية المقارنة. وكثيراً ما شكّلت روايات عراقية مفردة محاور أو مواد لمثل هذه المساقات الأكاديمية للدراسات العليا في جميع الجامعات العراقية تقريباً، بل بعضها فرض نفسه في بعض الجامعات العربية.
أما المؤتمرات فلا أظن صعباً على أحد رصد ما استحوذت عليه الرواية العراقية من اهتمام، فكانت هي موضوع عدد منها، وشكلت محاور كثيرة في عدد آخر من المؤتمرات لا يكاد يقل عن الأول. وفي كل الأحوال، لا يكاد يخلو مؤتمر عربي يُعنى بالسرد، وربما بالأدب العربي الحديث، وإلى حد ما النقد العربي الحديث، من أوراق تبحث في هذه الرواية.
فيما يخص التعبير عن الواقع، نقسّم الإشارة إليه على قسمين، الأول المتعلق بعلاقة هذه الرواية بالواقع العراقي عموماً وضمن ذلك بالمتغيرات التي شهدها تاريخه الحديث. أما الثاني فهو المتعلق بواقع العراق المعاصر، وبشكل أكثر تحديداً سنوات الحرب وسقوط بغداد وما بعدها. ففيما يخص الأول غريبة جداً أن يكون مثل هكذا تشخيص عن الرواية العراقية، اللهمّ إلا حين يكون القول بذلك عن روائيين بعينهم أو روايات بعينها أو حتى عن مراحل بعينها من مسيرة الرواية العراقية، وإلا كيف لناقد أو دارس أن يقول بهذا (الانفصام) وعدم تمثيل الواقع وأمامه، في تاريخ هذه الرواية، روايات كتّاب مثل محمود أحمد السيد، وفؤاد التكرلي، وغائب طعمة فرمان، وعبد الرحمن مجيد الربيعي، ومهدي عيسى الصقر، وغيرهم؟. على أية حال استغرابنا أشد إزاء قول من يُفترض أنهم متابعون لواقع الرواية العراقية، بانفصام روايات العقد الأول من هذا القرن الحادي والعشرين عن واقع هذا العقد وعدم تمثُّلها له. وهنا تحديداً نعود إلى مفتتح مقالنا وتحديداً ما يخص مقولات الموت التي قال بها عبدالله الغذامي وآخرون التي لم يصح منها حتى مقولة واحدة. فالقول بانفصام الرواية العراقية عن واقع السنوات الأخيرة وعدم تمثله ليس خاطئاً وتعميمياً وغير دقيق فحسب، بل هو خطأٌ كبير وفاحش ويؤكد لا انفصام الرواية عن واقعها، بل انفصام القائلين بهذا عنها. ذلك أن أكثر مراحل تعامل الرواية العراقية مع الواقع كانت المرحلة الحالية. بتعبير آخر، أننا لا نكاد نجد إلا القليل والقليل جداً من روايات العقد الأخير لم يتناول، بشكل أو بآخر وبدرجة أو أخرى ومن جانب أو أكثر، واقع العقد وما شهده. وربما يصعب علينا هنا أن نعطي أمثلة على ذلك، ببساطة لأننا يجب أن نعطي، في هذه الحالة، عناوين عدد كبير من الروايات.
نعتقد أن غالبية النقاط السابقة، ولاسيما الأخيرة، تعني ضمناً، وبدرجة ما، تحقيق الرواية العراقية عبر تاريخها، وليس في العقد الأخير فقط، للمحلية والهوية اللتين عاب بعض الكتاب عليها عدم تحقيقهما. وإجحاف حقيقي هو ما تمثل في الادعاء بعدم تحقيق هذا، ولا ندري في الواقع كيف تكوّن هذا الرأي عند أصحابه، وأمثلة الرد عليهم هي أكثر من أن نحصرها في أعمال كتّاب بعينهم أو أعمال روائية معدودة.
أخيراً، وإذا ما اتفقنا على جل هذه الملاحظات، وأزعم إنه ليس من الصعب أن نتفق، إنْ حرصنا على أن نكون منصفين، كونَها وقائع أو تقوم على وقائع، فإن الرواية العراقية، في مسيرتها وعموم عطائها، وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بشكل خاص، لهي بخير.. وبظني أن المكان الذي هي فيه والمكانة التي هي عليها الآن سيكوناً منطلقاً أكيداً لقطع مسافات أبعد.
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم