نجمٌ إرتقى إلى عليائه

نجمٌ إرتقى إلى عليائه

لطفية الدليمي

عرفت دكتور نجم إنساناً رائعاً وكبيراً بخلقه العالي وكياسته التي قلَ نظيرها في مجتمعاتنا المتوترة العنيفة، عرفته بإخلاصه للحياة وتفانيه في مشاريعه الثقافية ووفائه بما يعد وما يقول، عرفته بميزة انسجامه فكراً وسلوكاً وعيشاً مع ما يؤمن به وهو أمر نادر في أوساطنا الثقافية: أن تؤمن بالمدنية والحضارة وتمارسها سلوكاً وتفاعلاً مع أسرتك وأصدقائك، أن تؤمن بفكرة معينة ولكنك تتقبل الآخر المختلف بلا خصام أو تعنت.عرفته رافضاً لأي ضرب من ضروب التشدد والأصولية الدينية والطائفية، هو الذي لم تعرف الكراهية السبيل إلى قلبه النقي المفعم بالمحبة والمسكون بالحلم والطموحات الجميلة، هو الذي أحبّ الجميع وأحبوه وما ترك في النفوس سوى أصداء كلماته وأحاديثه الطيبة وتعليقاته المتوازنة على الكتب والأشخاص والوقائع.فُجِعتُ بغياب الدكتور نجم ــ ولا أقول رحيله ــ فهو غائب حاضر بما زرع بيننا من جهد ثقافي ونقدي وما تركه في نفوسنا من أثر إنساني فريد في الوفاء والنبل والرقيّ الأخلاقي وأناقة القول ونقاء الفعل. كان هو والصديقة المبدعة العذبة رقيقة القلب ميسلون أفضل صديقين عشت في فيء صداقتهما ومحبتهما السامية طوال عقود في الوطن وخارج الوطن، وما حصل يوماً أن مر أحدهما بعمان خلال سفراتهما المتعددة من غير أن يتصلا بي لنكون على موعد ولقاء سواء في بيوتنا أو خارجها، وقد حرصا طويلاً على أن يلتقيا بالأصدقاء وفاءً ونبل سلوك وأناقة عيش. نعرف الأشخاص النبلاء أمثال العزيز دكتور نجم باعتبارهم رسل محبة، مبشرين بالخير وزارعي أمل في أشد الأيام بؤساً وعتمة، نعرفهم كصباحات القرى الرائقة على شواطئ ديالى وبين دروب البساتين الظليلة، نعرفهم كأغاريد العنادل على نخلة البيت؛ لكنهم يغادروننا في غياب شفيف لا أسميه رحيلاً، يختفون حضوراً مجسداً كما يختفي شراع أبيض في انعطافة النهر رويداً رويداً حتى لا نعود نبصر التماعة البياض في قمة الشراع، يغادرون ولا يغيبون ويتركون وراء خطوتهم أطيب ذكرى وأرقى حضور، نتوقع رؤيتهم على نحو مفاجئ عند المنعطفات بهيأة طائر غردٍ أو فراشة بيضاء أو غيمة ماطرة ترسل ضحكة طفولية من سماواتها، يغادرون لكنهم يتلبثون طويلاً بيننا وفي ذاكراتنا وأطياف الأمس ويسكنون قلوبنا لطيب ما زرعت أيديهم من خير وما أبدوه من تحضر وسمو.لم أعرف الراحل العزيز دكتور نجم بأنه ابن العم عبداللّٰه الكاظم صديق والدي إلا حين تزوج الفتاة الرقيقة الكاتبة الجميلة ميسلون هادي التي كانت تعمل في مطبوعة (الموسوعة الصغيرة) أيام كنت أعمل في مجلة الثقافة الأجنبية، وعرفت أنه من بهرز. كان نجم الفتى الأنيق الطموح من بين أصغر إخوته الذي كبر وشب أثناء غيابنا عن مراتع الطفولة وانشغالنا بتصاريف العيش.كان لأهله في شارعنا البهرزي بستانٌ له باب ضخم من جذوع النخل، يتخفى الباب بين البيوت وكأنه برزخ سحري تلتقي عنده الخالات والعمات والأخوات، ولطالما مرت رفيقتاي (ناهضة) و(خيرية) شقيقتا نجم الكبيرتان مع والدتهما الخالة الجميلة أم عادل أمام بيتنا، كنا نتضاحك وتهتز ضفائرنا وتدعوانني لألحق بهما إلى البستان السحري العجيب المتخفي بين البيوت بينما تمتد بساتين القرية غالباً بمحاذاة ضفاف ديالى إلى مسافات بعيدة، كانتا تتسابقان إلى باب البستان المسحور فإذا انفتح الباب وسمعت صريره المخيف أعلم عندها أنهما ستغيبان بغتة بين أشجار البرتقال والزعرور والعنب فأنسى أمرهما وأغرق في أحلامي التي لا أفيق منها إلا على صهيل أحصنة العربة المسرعة التي توشك أن تدهسني.العم عبداللّٰه الكاظم والد الدكتور نجم كان صديق والدي ورفقاء في فورة اليسار التي اضطرمت في ذلك الزمن البعيد، اليسار الفلاحي التي زرع بذوره الأولى ورعاه العم عبد الوهاب الرحبي مؤسس التنظيم في ديالى، كانت شجيراته الغريبة مدهشة تثير المشاعر المتضاربة من الفضول والكراهية والمخاوف والتقبل الحذر. كان نصف رجال البلدة يخشون الاقتراب من هذا الفوران الغريب، ولطالما كرهت أمهاتنا العم عبد الوهاب الرحبي لأنه سيودي برجالهن إلى جحيم المعتقلات وهو يجتمع بمريديه في دكان الكتب والصحف الذي كان يديره، وسرعان ما انكشف الأمر واعتقل الآباء مرات ومرات. كانت ثمة مظاهرات يشارك فيها كل هؤلاء الموعودين بفردوس الغد الذي يحقق المساواة والعدل والكرامة الإنسانية، وبعد كل مظاهرة ينكشف المزيد من الرجال ويتعرضون للاعتقال أو الإبعاد لمدن أخرى أو الهرب إلى الأرياف النائية؛ غير أن الاجتماعات السرية لبثت تُعقدُ في البساتين بين التفاف شجر البرتقال وعرائش العنب.في تلك السنوات البعيدة المضطربة كان نجم أصغر من أن أتعرف عليه حين كانت شقيقاته الكبيرات رفيقات صباي في المدرسة الابتدائية حتى تفرقت بنا السبل بين ديالى وبغداد. لا أراني مهما أفضت في الكتابة عن خصال العزيز دكتور نجم الإنسانية أنني سأفيه حقه، سيَكتبُ الكثير من أصدقائه وزملائه وطلابه عن منجزه وكتبه ومشاريعه وحضوره العربي ودوره الأكاديمي في الجامعات العراقية والعربية؛ لكنني آثرت أن أكتب عن نموذجه الإنساني النادر في مجتمعنا العراقي ووسطنا الثقافي، النموذج الذي كان نتاج تربية قويمة ومسعىً شخصياً للتميز وتحقيق الطموحات الكبيرة. لقد عايشت حياته وعلاقته الفريدة مع العزيزة الروائية اللامعة ميسلون هادي زوجاً وأباً متفانياً ووجدت فيه مثالاً للرجل الذي يعلي من شأن إحساسه بالرجولة الواثقة وهو يزهو بمنجز زوجته ورفيقة دربه المبدعة ويقدمها فخوراً في المحافل الثقافية.كنا نلتقي الغالية ميسلون وأنا في بيوتنا البغدادية خلال سنوات التسعينات العسيرة ــ وكنا كلانا نسكن في حي العامرية ــ يوم تغرّب الدكتور نجم للتدريس في جامعات بلدان عربية متعدِّدة، وكانت ميسلون حينها تدير حياتها مع الكتابة وتربية الأبناء ببراعة وحكمة وتفانٍ وقدرة أمومية وإبداعية قل نظيرها، وبدا ذلك انعكاساً واقعياً لارتباطهما الوثيق واحترام كل منهما لعمل الآخر وفهمهما العميق للعلاقة بين الابداع ومتطلبات الحياة. الغائب الحاضر بيننا دكتور نجم، المربي الفاضل والأخ الحنون والصديق النادر، لطالما كنت أنتظر كل صيف وكل رمضان لألقاكما في عمّان أنت والإنسانة البهية ميسلون، فأنتما بمثابة ما تبقى في حياتنا من ذكريات النبالة والوفاء الذي نفتقده في زمننا الوعر هذا؛ ولكنكما ــ ويا لخيانة الأقدار ــ أخلفتما الوعد هذا الصيف الكئيب، وتركتما في النفس لوعة غياب مريرة تدفعني كل يوم لأتملى صورنا المشتركة في بيتينا العمانيين وبالأخص صور زيارتكما الأخيرة لي خريف 2019 حين عادت ميسلون وحدها إلى بغداد ولبثتَ أنت بعدها أياماً لإتمام بعض مشاغلك، وكنا سنلتقي مرة أخيرة ووعدتني بأن تزورا عمان في الشتاء؛ لكنك حزمت أمرك وعدت مدفوعاً بشوقك إلى بغداد وميسلونك جوهرتنا الثمينة التي تحب ونحب. حدّثتني في آخر مكالمة بيننا وأنت تودعني عن كتب جديدة وأحلام أبوية مزهرة للأبناء الذين تحنو عليهم بجناحين من حب ورعاية وفيوض آمال عظيمة. سلاماً أيها النجم الذي ارتقى إلى عليائه في رحلة روحية أخيرة وترك ضوء حضوره المؤبد مشعاً في وجداننا.

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

حوار مع الناقد الروائي العراقي د. نجم عبدالله كاظم

حوار حصري مع الناقد الروائي العراقي د. نجم عبدالله كاظم9مايو 2023حاوره: د. سالار التاوْكوزيفي هذا …