لعبة النص وورطة الناقد
د. نجم عبدالله كاظم
يُقال إن (الجنس الادبي) من مسلمات الأدب والنقد الأدبي، وربما من بديهاته، التي ينشغل بعض الأدباء، في التباري بين الحين والاخر- لا عن قناعه فقط، بل عن رغبة غير موضوعية في كثير من الأحيان- في الخروج عليها ورفض التسليم بها. واذا كانت هذه المسلمات أو الأجناس، بسماتها وحدودها، قد أصبحت واضحة لدينا، فإنها ربما أوضح في الغرب، وفي بعض الآداب على وجه التحديد. إن الكتابة ضمن كل من هذه (الكيانات)، ودون أن يعني ذلك جمود الكتابة الإبداعية ضمن حدود غبية، يعني صراحةً أو ضمناً وعياً من الكاتب أو المبدع لها ولما يكتبه وتحقيقاً أولياً لبعض ما يسعى إلى تحقيقه في النتيجه. ولهذا كان لنا أن نفهم ظهور نظرية جديدة- نعني الشعرية- تُعنى بالتحديد الأنظمة الخاصة لكل جنس أدبي ضمن حدود معينة، من المفيد معرفة أنها متغيرة على المديات البعيدة.
من هنا نرى، مع كل ما تحققه ظاهرة (النص) أو (النصوص) خارج هذه السياقات من تألق وبقاء على أيدي كُتّاب نابغين، أن أمثال هذه النصوص غالباً ما تتيه في خضم الكم الهائل من الكتابات التي تعرف طرقها وسياقاتها وميادينها وأجناسها التي تنتمي إليها. فمثل هذه النصوص، اذ ترفضها كل الاجناس الادبية ما دامت هي نفسها قد رفضت ابتداءً الانتماء إليها, كما لا تستطيع- إلا في النادر جداً- أن تحقق لنفسها (كيانات) أو أجناساً قائمة بذاتها، لها أركانها وسماتها المحددة التي بدونها، شأن أي كيان مادي أو معنوي، لا تكون لها هويات، كما لا تكون من فائدة حقيقية ملموسة في تناول أي منها نقدياً، إلا بحدوده ما يمكن أنْ نضيفه، بصفتها تجارب كتابية، إلى تجارب كتّابها. ولا يختلف أمر ذلك كثيراً بين أن يكون صاحب التجربة هنا متميزاً أصلا مثل إدوارد الخراط، أو كان يحث خطاه، ضمن ما كتبه إبداعياً حديثا، مثل محسن الموسوي وإعتدال عثمان وقاسم حداد، أو كان كاتباً يسعى لشق طريقه في عالم الكتابة والإبداع، مثل كُتّاب (الطليعة الادبية) الذين قدمتهم هذه المجلة، في بغداد، قبل فترة كتابَ (نصوصٍ) أو غيرهم. إن ذلك، وضمن تجارب أي من هؤلاء الكتاب، إذ يحقق أحياناً شيئاً يلفت النظر– لكنه لا يسجل على أية حال حضوراً إبداعياً حقيقياً، ولا يفرز معطيات نقدية لها قيمتها– فإنه لا يعني غالباً شيئاً مهماً في التجربة الإبداعية العامة. وعليه لا يكون في التعامل معه نقدياً الانغمار في خضم التحليل والتنظير من زاوية عُدت تجربة فريدة أو جديدة، في كثير من الأحيان، إلا مضيعةً لجهد الناقد، ووقت القارئ.
قادني الى هذا موضوع فاضل ثامر “النص بوصفه إشكالية راهنة في النقد الحديث” المنشور في عدد آذار ونيسان 1992 من مجلة (الاقلام)، وفي النصف الأول الموضوع بالتحديد. وهو يأتي بعد ان قرأنا رأي الناقد وطروحات الموضوع نفسها مرة أو مرتين من قبل. إن ما يثير في نفوسنا الأسى أننا نرى ما نعتقده، بل وما يعتقده فاضل ثامر نفسه، (لعبة) وقد جرّت ناقداً كبيراً إليها، وهي، بظننا، لعبة لا نخرج منها بمتعة كما أنها لا تمنحنا فائدة حقيقية، بل لا نرى في محاولة إضفاء شيء من هذا– الإمتاع أو الفائدة- على هذه (التجربة) الا تضخيماً لها و افتعالاً ليس له ما يبرره. فالخروج عن سياق ما لا يعني بداهةً تميّزاً ولا بالضرورة إنجازاً، مع الإقرار بأن بعض ذلك قد يعني هذا فعلاً. وليس تقليداً غبياً أو رتابةً أو سلفية، كما قد يميل البعض إلى تسميته، أنْ ينخرط الكاتب أو المبدع في الكتابة ضمن جنس أدبي له قالب ذو قواعد تميزه عن غيره من القوالب. بل إنها لسنة الإبداع أنْ يكون هذا الإبداع نفسه ضمن تحديدات، هي في حقيقتها لا تقيّده بل توجهه، ولا تكتّف المبدع عن تحقيق ما يمكن لموهبته أن تحققه فيها أو خارجها، بل تفجر هذه الموهبة ضمن أطر ومجالات وجدت وعُرفت لها، وربما للتميّز فيها. ولم يقل أحد من النقاد عرباً أو غربيين– باستثناء الكلاسيكيين الأوائل– بحدود جامدة لا يجوز للمبدع تخطّيها، بل كثيراً ما تكون هذه الحدود نفسها بيد المبدع ليسحبها حوله مضيّقا على نفسه المساحة التي يكتب ضمنها، أو يدفعها موسّعاً هذه المساحة إلى آماد أرحب لتستوعب طاقات يحسها تتفجر فيه، بل قد يخرج عنها متى ما أحس في نفسه القدرة على فعل ذلك بنجاح، ولكن أنّا له أن يفعل ذلك بنجاح فعلي متى شاء؟ من هنا ليس غريباً أن جُلّ ما كُتب خارج حدود الأجناس الأدبية قد نُسي وربما مات، ولم يبقَ إلا القليل جداً مما عُد كشفاً أو تأسيساً مما لا يُعتد به شاهداً في سياق كلامنا، لأن مثل هذا القليل لا تحققه إلا عبقرية أو موهبة غير عادية، لأن هذا لقليل هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، مثل كتابات ناتالي ساروت، وإبداع السياب الشعري. وهنا نتساءل: هل نحن معنيون بأن نقرأ ونحلل كل ما يصدر خارج السياقات المعروفة ونكتب عنه أملاً في أن يكون (استثناءً)؟ ليس تماماً، بل نلتفت إليه ونقرأ، ولكن أن نعنى به نقدياً وتحليلياً، وننظّر له لهو برأينا انحراف أحياناً عن مهام النقد والناقد إلى ما لا فائدة ملموسة فيه وإلا ما الفائد التي جناها الأدب العربي من (نصوص) الطليعة الأدبية التي أشار إليها فاضل ثامر؟ وما الذي قدمته (نصوص) إعتدال عثمان ومحسن الموسوي وقاسم حداد وامين صالح لتدفع ناقداً جاداً، مثل فاضل ثامر، إلى التنظير في ضوء ما افترض أنه عطاء متميز، بل في ضوء إطلاق كلمة (نص) فقط احيانا؟ بل ما الذي جنيناه من تجارب أقدم حاولت خرق حدود الأجناس دون مسوّغ موضوعي، مثل “مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة” التي خنقتها رغبة مؤلفها في أنْ تكون مخلوقات غير اليفة وغير ذات هوية أو ملامح؟ ليس من فائدة ملموسة.
ربما يبرز هنا تساؤل أجبنا عنه جزئياً ضمن ما سبق من مقالنا، وهو :أليس من الممكن لمثل هذه الكتابات الخارجة على (قوانين) الأجناس الأدبية أنْ تحقق شيئاً يستدعي اهتمام النقاد وتنظيراتهم؟ فنقول: ممكن بالطبع، ولكن– ونسأل نحن هذه المرة- أيتحقق مثل هذا كل يوم أو كل شهر أو كل سنة؟ .. بعبارة او تساؤل آخر: أيتحقق في كل (نص)، متمرد، وفي كل (تجربة) استثنائية، أو لنقل في كل (لعبة)؟.. بالتأكيد لا يمكن الاعتماد على الرغبة الذاتية فقط، بل لا يمكن، إلا لمن تهيأت له مبررات ودواعٍ فنية وموضوعية لـ(لعب)، أنْ يلعبها.
كنا نتمنى أن يكون انقياد الناقد فاضل ثامر إلى لهذا اللعب استثناءً يرجع عنه بعد حين، لكن واقع الحال يقول إنه انغمار غير مبرر، بل شبه عقيم، قدر تعلق الامر بواقع إبداعنا، في التنظير الذي سحب ناقدنا عن الميدان الذي طالما أبدع فيه، نعني ميدان النقد التطبيقي الحقيقي، وأقول الحقيقي لأنه، حتى في معظم ما كان يبدو نقداً تطبيقياً من كتاباته في السنوات الأخيرة كان منظّراً. وكلنا يذكر بالتاكيد كتاباته في الستينيات والسبعينيات التي توجها بكتابه القيم “معالم جديدة في أدبنا المعاصر”، وصولاً إلى منتصف الثمانينيات، فهل يعني هذا أننا قد خسرنا فاضل ثامر ناقداً مؤثراً في حركة الابداع العراقية والعربية؟ لا نتمنى ذلك بكل تأكيد.
جريدة (الجمهورية)- بغداد، 1992
شاهد أيضاً
دراسة عن دروب وحشية
تشكلات البناء السردي في رواية دروب وحشية للناقد نجم عبد الله كاظم أنفال_كاظم جريدة اوروك …
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم