(23)
فصل من رواية نبوءة فرعون
ميسلون هادي
وانفتح قميص بغداد، ورضع الجميع لبناً مرّاً، وحاقت بهم من كل الجوانب ريح سوداء، وطار السخام الأسود في الهواء، ثم تساقط هباًء على النوافذ والسطوح، وهرعت بلقيس إلى التلفزيون فلم تجد سوى أناشيد النصر ومعزوفات الطبول الصاخبة التي عادة ما ينتظرون معها إلقاء خطاب مهم. وانتظروا والناس معهم منتظرون حتى عرفوا أنها الحواسم وقال قائلها:
أطلق لها السيف لا خوف ولا وجل أطلق لها السيف وليشهد لها زحل
فكف صواعيد النخل عن التجوال بين البيوت التي هجرها أهلوها وهجّوا إلى القرى النائية، وحالت الحرب بين عثاكل التمر ومن يحمل لها أكياس اللقاح أيام الربيع، وامتلأت الشوارع بالرجال الخاكيون يخرجون من بين المواضع أو يجلسون في بوابات المدارس والدوائر والبنايات الحكومية.
ومرت ثلاثة أيام كالدهر، كاد يقتل هنية خلالها مذياع بلقيس وهو يدور فيها من مونت كارلو إلى بغداد ومن بغداد إلى لندن ، فتطلب منها أن تترك الأخبار وتدع القلقالي أو عبد الستار الطيار يقرآن القرآن الكريم، وأن تجعل لها مستقراً واحداً في التلفزيون عسى أن يتبدد خوفها وتعرف شيئاً عن توفيق:
-يا ويلي عليك يا توفيق! أين أنت الآن؟
- أتعرفين يا هنية ماذا قالت موظفات البدالة؟
-يا ويلي عليك يا توفيق! أين أنت الآن؟
-ربما يرشون علينا منوماً فننام.. سننام، وعندما نستيقظ سنفتح التلفزيون وسنجد كل شيء قد تغير.
-والمذيعون.. ماذا سيحصل لهم؟
-سينامون وعندما يستيقظون سيجدون أنفسهم في بيوتهم.
-يا ويلي.. يا ويلي! “وجعلنا بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فإذا هم لا يبصرون”.
وأصبح قلب هنية فارغاً من الخوف، وراحت تقضي النهار كله في الصلاة والدعاء والتسبيح.
وفي آذار المهذار، شهر الهزاهز والأمطار، أودت ريح رملية عاصفة بثمرات النارنج المتبقية على الأشجار، وأطاحت بها أرضاً مع أكوام من الورق اليابس وطبقات التراب وسقطت بيضات السنونو الخمس على الأرض وتكسرت إلا بيضة واحدة فصاح السنونو وناح وظل يدور في السماء بلا إنقطاع ، وظهر الجنود الأمريكيون المرقطون يزحفون إلى مروحياتهم محنيي القامات والريح تسف رمالها في الوجوه البيضاء وتعصف بملابسهم التي تمنع عنهم الموت ذات اليمين وذات الشمال. وطال الوقت وأصبح عجين هنية كالبالونة من شدة الاختمار، وأقعدها المرض من النهوض، فتركته يتثقب ويتشقق ويتفطر ويتضوع بعطر قديم هو رائحة قمح مختمر، وحلمت برائحة الحطب المشتعل والأرغفة السمراء تُشلع تواً من الطين المستعر بالنار، فجاءت بلقيس وأخبرتها أن لا تقلق، وأن كل شيء سيكون على ما يرام لأن الرجال الخاكيين لا يزالون ينتشرون بين البيوت وهم يحملون الرشاشات على أكتافهم.. فقالت لها هنية:
-اخبزي العجين الذي اختمر وأخرجي لهم أرغفة الخبز الحار، فأشعلت بلقيس الحطب وسجرت التنور وشلّعت الأرغفة السمراء من الطين المستعر بالنار وأخرجتها إلى جنود لا يرتدون غير قمصان خفيفة وسترات مرقطة، ولا يفعلون شيئاً سوى مصارعة الرياح العجيبة التي كانت تغيّر اتجاهها بين لحظة وأخرى فتصفعهم من جميع الاتجاهات وترديهم أشباه موتى على أرصفة الطرقات. حدث ذلك في الرابع من نيسان، وفي تلك الليلة غفت بلقيس، ثم استيقظت من غفوتها القصيرة على صوت انفجار قوي رماها من الأريكة إلى الأرض وحوّل زجاج المنزل إلى حطام.
صاحت هنية:
-سترك يا رب..
فقالت بلقيس:
-أين يحيا ؟
فقالت هنية:
-كان نائماً.. استره يا رب.
الريح اشتدت في خارج البيت، وخلخلت نوافذه وملأت حجراته بالغبار وأوراق الأشجار. هرعت بلقيس وخلفها هنية إلى غرفة يحيا فلم تعثر على يحيا في فراشه. هلعت بلقيس وسقط حيلها إلى الأرض وانطلقت كالمجنونة تبحث عنه في كل ركن وزاوية حتى وصلت باب البيت التي انكسرت بفعل الانفجار وأسقطتها إلى الأرض فاندلعت الحديقة أمامها ووجدت شاكرين تبكي، فصاحت بها بلقيس:
-أين يحيا ؟ ما بك؟ هل أنت بخير؟
فزاد بكاء شاكرين ورفضت الدخول إلى البيت وقالت وهي تبكي:
-رأيت أبواب البيت تُفتح من تلقاء نفسها قبل أن يسقط الصاروخ على الخرابة التي تجاورنا، وقد كنت مستيقظة لم أنم الليل كله، فرأيت يحيا يخرج من البيت كمن يمشي في نومه، وهو يلتفت في كل لحظة وكأن هناك من يتعقب خطواته على الممر، فنهضت خلفه وخرجت إلى الحديقة وناديته: يحيا.. يحيا، فالتفت أكثر من مرة ونظر إلى الخلف دون أن يجيبني، فقلت له: الدنيا ليل، فأين تذهب يا يحيا ؟ وكأنه لم يسمعني سار على الممر إلى خارج البيت، ولا أدري لماذا نظرت في تلك اللحظة إلى الأرض، فرأيت حيّة تمشي خلفه، فصحت بأعلى صوتي لأوقظكم من النوم، لكن صيحتي جاءت في اللحظة التي حدث فيها الانفجار، فوقعت على الأرض وراح يحيا.
ما أن سمعت بلقيس كلمات شاكرين حتى خرجت إلى الخرابة كالمجنونة حافية القدمين وحاسرة الرأس تبحث عن يحيا أو عمن يدلها عليه. ولما لم تجد أحداً غيرها في الشارع عادت إلى البيت مرة أخرى واستجمعت أنفاسها وسالت شاكرين وهي تبكي:
-أين يحيا؟
فمسحت شاكرين التي كانت في حضن أمها دموعها، وقالت:
-لقد خرج، والحية خلفه.
فصرخت بلقيس:
-الحية؟ الحية نعم.. لقد نسيناها منذ البارحة في السجادة، فأين هي؟
ثم ذهبوا إلى السجادة الملفوفة من آخرها إل آخرها، وفتحوها فلم يعثروا للحية على أثر، فتاهت بلقيس عن الدنيا وبدت أن الأرض تميد بها وتصرعها وتلتف حولها، وقالت لهنية: هل أنا أحلم؟! ثم تهاوت على الأرض وقالت مرة أخرى:
-هنية، أخاف أننا نحلم؟
فقالت هنية:
-بل نحن صاحون.
عطست شاكرين بعد ذلك عطسة قوية، فقالت هنية:
-وهذي شهادة.
فهجمت بلقيس على الأرض وضربتها بكلتا يديها وصاحت:
-إذن أين يحيا ؟
وأسرّت هنية في قلبها: “ربما يكون هذا الذي تقول شاكرين انه تعقب يحيا هو ملك الموت، وقد حمله إلى المكان الذي حدث فيه الانفجار ليلاقي فيه أجله. أليست ابنتها صابرين مدفونة هناك في الخرابة التي تجاورهم”، ثم تعوّذت من الشيطان ومن تلك الوساوس وطلبت من الرحمن حفظ الولد، وقالت ربما تكون الملائكة قد حملته إلى مكان آمن لحين تجعل له أمداً بعده يعود، ودعت بحرقة أن يدفع الله عنه ما هو أعظم وأن لا يجعلها ترى يومه في حياتها، وأن يفتدي روحه بروحها فتموت وهي العجوز بدلاً من يحيا، صغيرها اليافع. ومن أجل ذلك نذرت النذور العظام بينها وبين نفسها، وقالت لبلقيس:
-لعله في بيت من بيوت الجيران.
ولم يكن سواهم في الزقاق أحد.. فقد هج أهله إلى المحافظات والنواحي والعربان في هروب جماعي من قصف الطائرات وانفجارات الصواريخ ، ولم يجدوا أحداً ليسألوه عن يحيا سوى كحيلة التي كانت تجلس في أرجوحة أكلها الصدأ وتحرس بيتها في هبوب الرياح التي أصابها العته، فقالت لها بلقيس:
-أما رأيت يحيا ؟
فقالت لها كحيلة وشعرها يتطاير في الهواء:
-نعم، رأيته يمر من هنا في الصباح الباكر.. بعد صلاة الفجر.
احتجت شاكرين بقوة على هذا الكلام، وقالت لهم إنها رأته يخرج في الليل، قبل الانفجار، والحية تمشي خلفه، ثم صعدت إلى السطح غاضبة وقالت لأمها هنية إنها ستبقى هناك إلى الأبد لكنها سرعان ما ركضت مهرولة إلى أسفل، عندما علت الانفجارات، لتجد أمها هنية تبكي، وبلقيس تقرأ القرآن.
وانقضت عدة أيام وجاءت عدة أيام فهبطت شاكرين على عجل وقالت وهي تلهث:
-رأيت توفيق قادما.
فلهج لسان هنية بالشكر والدعاء، وقرأ قلبها كل ما تعرف من آيات القرآن، وعاد توفيق لأمه وأخته، وأخذ بعضهم البعض بالأحضان والقبلات، ولكن الدخان كان شديداً واختلطت أصوات الانفجارات بتكبيرات الجوامع ونداءات الاذان، فلم يسمع أحدهم الآخر جيداً وهم يتحدثون، وتردد اسم يحيا أكثر من مرة فقال توفيق:
-ولكن أين يحيا ؟
سأل توفيق، فقالت شاكرين بصوت عال:
-لقد خرج ولم يعد.. أخذته الحرب.
قالت هنية تزجرها:
-سيعود. إنه في مكان أمين.
قال توفيق:
-ومتى خرج؟
قالت بلقيس ودموعها تتساقط:
-خرج من بداية الحرب.
قال توفيق:
-أبدأت الحرب وانتهت وهو بعيد عن البيت؟
قالت بلقيس وهي تحدث نفسها بصوت عال:
-هل انتهت الحرب ؟
قال توفيق: - انتهت.. ألا ترون الدبابات تسير في الشوارع، وسيارات البيك آب تحمل ألواح الزجاج وتدور به على البيوت التي تكسّر زجاجها.
شعرت بلقيس أن العالم من حولها يضيع، وأنها تصغر فيه حتى تكاد تتلاشى، فانكمشت وقالت: - ما هذه الانفجارات إذن؟
قال توفيق: - إنهم يفجرون أكداس الأسلحة.
هزت بلقيس رأسها وجلست تنظر في فراغ، أما شاكرين فراحت تقلد بلقيس وتردد كلامها بدلاَ عنها:
-أينك، يا يحيا ؟ أجائع أم شبعان، يا ابني؟ أخائف أم مطمئن؟ أنائم أم نعسان؟أينك يا يحيا ضائع أم …..
فقالت هنية تزجرها:
-كيف يضيع ولديه كل هذا العدد من الإخوان .قلبي يحدثني أنه في مكان أمين. فهيا كفي عن النواح.
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم