فصل من رواية الحدود البرية

فصل من رواية الحدود البرية لميسلون هادي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خالد

راح الصوت يصفو أكثر فأكثر مع اشتداد الليل والصمت والنعاس .. وانمحت أجساد الركاب من الوجود شيئاً فشيئاً ، وأصبح الصوت العسكري الحزين مثل فاختة تقف لوحدها على سعفه نخلة عالية تغني لأنها تستجيب لشفرة بقاء توارثتها من الأزل ، ولا تعلم أن هذا الغناء قد يطرب الناس ويلهيهم ويمنحهم صبراً وسلواناً في الحياة . ساد صمت عميق داخل الحافلة .. صمت اختلط ببرد خفيف ومضبب بدخان السجائر الذي كان يتصاعد من بين الأصابع .. صمت جميل قطعه فجأة صوت نشاز خائف أطلقه أحد القميصين العريضين وهو يقول للآخر:

  • انظر .
    ثم صاح بصوت أعلى ، فيه ذعر وانفعال :
  • أنظر .
    ثم غطى رأسه بيده ، وسحب الآخر وهو لا يزال يصرخ . لم يكن قد علم غيرهما بعد بما حدث وكيف حدث .. إلا أن خالد كان ينظر بالصدفة إلى الشابين اللذين راحا يتصرفان بذعر ، فلمح سيارة شحن من نوع البيك آب تظهر مسرعة بالقرب من النافذة التي تجاورها وتحاذي الحافلة أثناء سيرها لتصبح في مدى ضياء مصابيحها العالي . ولم يكن خالد قد رأى الرشاشات والأسلحة التي رآها الشابان ، عندما سمع بعد لحظات صوت اطلاقات نارية أصابت واحدة منها زجاجة النافذة المجاورة للشابين فهشمته وأصدرت صوتاً حاداً أصاب الركاب الغافلين جميعهم بالانتباه فالدهشة ثم التساؤل فالفزع . انتفض العسكري من غنائه واستدار بسرعة إلى مصدر الصوت ثم رفع رشاشته وفتح النافذة ، وقد فعل ذلك كله بسرعة وقوة فائقتين . قال السائق :
  • إنهم سلاّبة…
    ثم أسرع في سير الحافلة بشكل مفاجئ ، وقال بصوت مرتفع :
  • اختبئوا خلف المقاعد .
    الرصاص أصبح يلعلع ويتساقط على الحافلة كالمطر .. وربما فكر الكثير من ركاب الحافلة أن نهايتهم قد حانت في هذه الساعة البرية الموحشة ، ولابد أنها مقدرة لهم بهذه الطريقة على لوح القدر منذ الأزل .. وربما فكر البعض الآخر أن ما يحدث هو شيء أشبه بحلم من أحلام اليقظة أو المنام ، لأنهم لم يكونوا قد استوعبوا جيداً بعد .. أما الرجال ، على قلتهم ، فلم يجدوا في ما يبدو متسعاً للتفكير برغم المفاجأة ، إنما راحوا يتصرفون كرجال فحسب .. وفي أقل من دقيقة كان اثنان منهم يشهران المسدسات من أمكنة خفية ويصوبونها من النوافذ ليشاركوا العسكري في الرد على الرصاص المنطلق من السيارة التي كانت لاتزال تواكب الحافلة . نادين أصبحت كالقنفذ في حضن أمها .. قالت الآم بصوت راجف :
  • ماذا يحدث
  • إنهم قطاع طرق .. اختبئا بين المقاعد .
    أخذت الأم ودموعها تنهمر من عينها على شعر ابنتها وتقرأ :
  • “وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون”
    طلب السائق أن لا ينهض أحد من مكانه لئلا يصاب بأذى ، ثم قال وهو ينظر إلى المرآة الجانبية لحافلته ويطلق هورن سيارته العالي المتموج الاحتفالي بلا سبب واضح :
  • لقد حاصرونا .
    وأشار إلى سيارة أخرى من نوع بيك آب كانت تقترب من الجهة اليسرى . قال أحد القميصين العريضين للسائق .
  • أسرع يا أخي ..لا تتوقف .
  • اللّه أكبر .. اللّه أكبر .. اللّه أكبر .. “الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم” .
    كانت امرأة عجوز قد نهضت من مكان في مؤخرة الحافلة كانت تلتصق به طيلة الطريق كالمشلولة قبل أن يحين أوان تلك الفوضى التي جعلتها تمتشق آية الكرسي وتنهض من مكانها لتخترق الممر وهي تتلوها بصوت عال وتنثرها بيديها على الجالسين .
    قال خالد :
  • اجلسي يا أمي .. ستصابين بأذى .
    ولكنها رفضت الجلوس ، وظلت تدور بين المقاعد وهي تردد آية الكرسي . نهضت إليها المسافرة الأردنية وأجلستها في مكانها ، ثم مضت إلى السائق وقالت له باحتداد :
  • لماذا لا تزيحهما عن الطريق !؟
    صرخ بها السائق أن تعود إلى مكانها لئلا تصاب بأذى ، فظلت واقفة بعناد ، وعندما ألح عليها أن تفعل ذلك عادت للجلوس قرب نادين وأمها في المقعد الذي يجاورهما من جهة النافذة . قالت أم نادين لتلك المرأة العجوز التي كانت تقرأ آية الكرسي قبل قليل :
  • قلبي أعلمني بأن شيئاْ ما سيحدث .. منذ اللحظة التي دخلنا فيها الكراج وقلبي يحدثني بهذه المصيبة ..
    ثم قالت وهي لاتزال منكفئة على ابنتها في حضنها :
  • لو لم تتأخر الحافلة في انطلاقها ، لما كان حدث ما حدث ؟
    المسافرة الأردنية كانت ترفع رأسها بين الحين والآخر ، وتحاول النهوض لتفعل شيئاً ما .. وخالد وجاره كانا لا يزالان جالسين في مكانيهما بين المقعد الذي شغلته تلك المرأة العجوز من الأمام والمقعد الذي تشغله أم نادين والمسافرة الأردنية من الخلف . قالت العجوز بنبرةِ معلّمةٍ حنون تحدث تلميذة من تلميذاتها :
  • مقدر ومكتوب يا ابنتي .. مقدر ومكتوب .
    قالت أم نادين :
  • أين كانت مضمومة لنا هذه المصيبة ؟
    قالت العجوز بصوت مطمئن :
  • الله الحافظ ، يوم .. الله الحافظ . صاح خالد فجأة وهو ينظر باتجاه العسكري :
    • لا ااااااااااااااااا .
      فارتفعت الرؤوس بحذر من خلف المقاعد .. وسرعان ما عاد البعض منها إلى إلانكفاء مرة أخرى لأن الرصاص كان لا يزال ينهمر على الحافلة بدون انقطاع .. هرع خالد من مكانه إلى العسكري ، ثم لحق به جاره فأزاحوا جسده من قرب النافذة واتخذ الأسير السابق بندقيته ، وراح يرمي من النافذة بطريقة بدت فائقة المهارة . قال خالد :
  • أصيب في رأسه .
    فقال الرجل :
  • اعطني مخزن الطلقات .
    جاء رجال آخرون للمساعدة ، وتمدد الرجل العسكري في حضن خالد وهو ينزف دماً غزيراً من الجهة اليمنى لجبهته . كانت الرصاصة قد ذهبت في العمق تاركة خلفها ثقباً في ذلك المكان من الجبهة ..
    فتح العسكري عينيه ثم أغلقهما وهو يكاد يبتسم أو ربما ارتسم على شفتيه ظل تشنج طفيف يشبه الابتسامة .. طلب خالد ضمادة من الواقفين ، فخلع أحدهما قميصه المزركش وأعطاه إليه .. رفع رأس العسكري من حضنه برفق ولفه بالقميص ثم وضع إبهامه تحت رسغه ليتأكد من قوة النبض .
    صاح الرجل الذي كان يرمي من النافذة :
  • انهم يتراجعون .
    شجع ذلك السائقَ على الإسراع أكثر ، وأصبح هورنه الاحتفالي المتموج متواصلاً في الفضاء .. ثم تململت بعض الرؤوس المنكفئة وتجرأت على النظر إلى أعلى لمعرفة ماذا يحدث . جسد العسكري كان لايزال ساخناً ، لكن نبضه كان يضعف شيئاً فشيئاً . أصبحت المسافرة الأردنية واقفة إزاءه وهي تسأل :
  • ألا يوجد طبيب هنا ؟
    قال خالد :
  • أنا طبيب .
    فسألت بصوت خفيض :
  • هل سينجو ؟
    قال خالد وهو يتحسس الضمادة المنقوعة بالدم :
  • لا اعرف .. ماء .. أعطوه قليلا من الماء .
    ثم أزاح الجسد من حضنه إلى حضن رجل أخر ونهض إلى جاره السابق ليتبين حقيقة ما يحدث .. هاجس مفاجئ جعله ينهض إلى النافذة ليعرف ماذا يدور في الخارج أو كيف سينتهي ؟ استوى واقفاً على أرض الحافلة وهو يتكئ بيديه على حافة المقعد الذي كان يشغله القميصان العريضان قبل قليل ، ثم تلطخت حافة المقعد بدم العسكري … يدا خالد وأكتافه ملطخة أيضاً بالدم ، وأصبح جسمه قريباً من النافذة حيث كان جاره يواصل الرمي باتجاه السيارتين المتراجعتين . ولكي يعرف خالد ماذا كان يحدث بالفعل خفض رأسه بمستوى النافذة وراح ينظر من خلالها إلى الشارع حيث لم يكن يبدو منه ، بعد أن تراجعت السيارتان المهاجمتان ، سوى ظلام شاسع ومديد ترصعه من بعيد أضوية النجوم المجاورة لخط الأفق . وأصبح واضحاً أن الموقف بأكمله يُحسم لصالح الحافلة بالرغم من نفاد الطلقات لدى ركابها ، وأن قطاع الطرق يتراجعون شيئاً فشيئاً إزاء دفاع مسلح لم يكونوا على ما يبدو يتوقعونه ..
    حل صمت .. صمت سادر ومدوم دام أكثر من دقيقة ، أو هكذا بدا .. صمت طويل وعريض وشاهق توقف فيه قطاع الطرق عن الهجوم وتوقف فيه رجال الحافلة عن الرد عليهم .. صمت مريح وحاسم ورغيد .. انطلقت بعده تلك الطلقة الأخيرة الصائحة والقدرية .. طلقة كأنها فائضة عن الحاجة ، ربما أطلقها أحدهم من الكمد وهو يشتم حظه العاثر بفشل تلك الغارة النحسة ، أو ربما أطلقها ليفرغ مسدسه من كل حشوته .. وفي نفس اللحظة التي كان فيها خالد يمد رأسه ، ليعرف ماذا يحدث خارج الحافلة ؟
    لم يكن خالد قد رأى شيئاً بعد سوى نقاط النجوم اللامعة وهي ترصع ظلام الصحراء الدامس .. وفجأة … اخترق شيء حارق وحاد وصارخ حافة عنقه ، فانفجرت تلك النقاط وتبعثرت ، وطوح برأسه دوار خاطف قبل أن يسقط إلى أمام فوق كتف جاره الذي كان يرمي النار قبل قليل. ظل للحظات حاضر الوعي تخترقه شظايا ماضٍ قريب مضى في لمحة البرق ولم يعد يلامس روحه منه في تلك اللحظة سوى كلمات خاطفة وامرأة :
  • هل تأتين معي ؟
  • إلى أين ؟
  • معي .. إليّ ..عندي .
  • وخالد ؟
  • أين هو ؟ .. لا أراه .
  • هل أقطع معدتك ؟
  • أقطع معدتي .
  • عدّي من الواحد للعشرة .
  • لماذا لا أغيب عن الوعي ؟
  • أخطأتِ في الحساب .
    ضحك .
    كان العالم يصغر ويتسخ ويسودّ ، وبدأ الدخول إليه مرة أخرى فشيء مستحيل .. ظلام قاس وبرد قارس .. وهو عصفور ساقط لتوه على الأرض المظلمة الباردة ، ويحتاج إلى يد كالمعجزة لتعيده ثانية إلى العش . سقط رأسه فاقد الوعي وتدلى على صدر الرجل الآخر ، وكان آخر ما رآه هو أجمات الأشواك النابتة على الأرض المحاذية للطريق وهي تركض إلى الظلام بعد أن تخرج من الضياء الساطع لمصابيح سيارة البيك آب المتراجعة .
    مدده الرجل الآخر في حضنه ثم قال له محاولاً استبقاءه على الوعي وهو يضغط على عنقه بمنديل مطوي لكي يمنع جرحه من النزف :
  • دكتور ..
  • دكتور .
    فتح خالد عينه بصعوبة فأصبح وجه الرجل فوقه مباشرةً .. قال :
  • نعم .
  • لا تغمض عينيك .. تكلم معي .. أرجوك تكلم .. لا تغمض عينيك .
    قال خالد بصوت خفيض :
  • هل انتهى كل شيء ؟
  • نعم انتهى .
    قال خالد :
  • كنتَ شجاعاً .
  • أنا ؟
    قال خالد :
  • نعم أنت .. من أين لك هذه المهارة في الرمي ؟
  • كنت مقاتلاً ذات يوم .
    ثم صمت قليلاً وراح ينظر إلى خالد في عينيه :
  • ولكن الإيرانيين ، وفي الطريق إلى إيران تركوني لأهبط مع باقي الأسرى من السيارة لقضاء حاجتنا .. تركوني في القفر المظلم فانتهزت الظلام الدامس لأتسرب إلى تله قريبة ألوذ خلفها لحين الهرب إلى الأراضي العراقية القريبة .. الرصاص ظل يتردد في أذني حتى بعد أن قطعت مسافة بعيده من الركض .. ثم همد صوته تماماً بعد أن يأس الإيرانيون من العثور عليّ في الظلام وظنوا أنهم تركوني لموت محقق .
    قال خالد وهو يتنفس بصعوبة :
  • نجوت من موت محقق إذن ؟
    قال الأسير السابق :
  • نعم . أتعرف بماذا نجوت ؟
    نظر إليه خالد يسأله فقال :
  • بالأمل .
    قال خالد :
  • نجوت بالشجاعة .
    قال الأسير السابق :
  • بل بالأمل .. فلا يمكن للرجل الشجاع أن يكون يائساً أبداً .
    أغمض خالد عينيه ، فقال له الأسير السابق على الفور :
  • ما أسمك ؟
    قال بصوت ضعيف ووجه شاحب :
  • خالد .. خالد أمين .. وأنت ؟
    ثم لم يسمع شيئاً بعد ذلك .
    بعد أقل من نصف ساعة كانت الحافلة تتوقف في الشارع الضيق المسقف الذي يحاذي الجمارك في جهة اليسار وعندما فتح السائق الباب هب هواء بارد وبدت من بعيد شاحنتان كبيرتان أحداهما مشحونة بصفائح زيت والأخرى بأكياس شفافة من النايلون مليئة بكتافيات الأثواب النسائية . طلب السائق من الجميع أن يلزموا أماكنهم لحين الذهاب لإخبار المسؤولين بالأمر .. ولم تكن لأحد منهم رغبة في الهبوط من الحافلة سوى من استبد به العطش أو الرغبة في استنشاق الهواء الطلق .
    قالت نادين لأمها :
  • باردة .
    قالت الأم وهي تسحبها إلى حضنها مرة أخرى :
  • نعم .
    قالت نادين وهي تنظر إلى وجه أمها الشارد عنها بقلق :
  • ماما .. هل وصلنا ؟
    لم ترد الأم ، فمستها الابنة في كتفها ، وقالت لها مرة أخرى :
  • ماما .. هل وصلنا ؟
    تحشرجت الأم بصوت خانق ثم أجهشت بالبكاء وهي تقول :
  • كلا .. لم نصل .
    أكثر الركاب كانوا غارقين بصمت تام ، والأسير السابق كان يجتاز دكة الحافلة وهو يرفع مع الشابين أحد الجسدين الممددين على البطانيات فوق أرضية الحافلة .
    عاد السائق بعد لحظات ومعه شاب عسكري برتبة رائد .. تحدث معه بكلمات لم يسمعها الركاب في البدء ، ثم أصبح صوته واضحاً للجميع عندما قال وهو يصعد إلى الحافلة :
  • اثنان .
    ثم أضاف وهو يفسح المجال للرائد للصعود :
  • أحدهما مات .. والآخر لا يزال على قيد الحياة .

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

فصل من رواية حلم وردي فاتح اللون

( 11 ) ما أن استدار تحسين مودعاً ليغادر إلى بيته، حتى بدا من خلفه …