رواية
ميسلون هادي
أنتظرني في البيت
أنا هنا فمن هناك؟
1- ليلة المتاهة
2- ليلة الياسمين
3- ليلة دودة القز
4- ليلة القط
5- ليلة الزخرف
6- ليلة النملة
7- ليلة الزينة
8- ليلة الشخص الثالث
9- ليلة الشاندلير
10- ليلة الستارة
11- ليلة الرعب
12- ليلة الهواء
13- ليلة منتصف القمر
14- ليلة المارد
15- ليلة البلورة
ليلة المتاهة
لا أعرف ماهو اسمي بالضبط ..ولم أر هذه الدنيا إلا في ذلك اليوم الذي سمعت فيه ضحكة شمس وهي توقظني من النوم ..كانت ضحكة واحدة وليست ضحكتين..وبالرغم من هبوب الريح التي حركت باب الكوخ وأوراق الأشجار، فلم أسمع صوتاً آخر غير تلك الضحكة وهي تتلوى قرب برتقالة كبيرة تقشرها إمرأة على شكل شريط لولبي ينثر رذاذاً في الهواء........وجدت نفسي مرمية على الأرض عندما استيقظت من النوم فقلت لنفسي ماهذا الهدوء الذي يلف هذا المكان الغريب ومن هذه المرأة التي تضحك وتقشر البرتقال ...سمعتني تلك المرأة فقالت إن اسمها شمس وأنها لن تفارقني في هذا المكان الجديد ولن تدعني أحزن أو أمرض أو أجوع ثم دعتني للذهاب إلى النهر لأغسل وجهي.......وجهي؟ وماهو شكل وجهي؟ أشعر أنه فتي نحيل ولايشبه وجه شمس العجوز.. الجميل المدور ..الذي يشف عن بياض وفير ويحيط به شعر أبيض، أما وجهي فلم أعرف كيف يكون إلا عندما رأيته في الماء الصافي أول مرة . ترجرجت السماء واهتزت على صفحة النهر، فلم استغربها ولا استغربت كل ما ورد على صفحة النهر من غيوم، لكني استغربت شكل الوجه الذي أراه أول مرة يتوسط شعراً طويلاً يغطي هامتي ...
غيمة السماء ناصعة البياض مخلوطة حافاتها بقطع من السواد الفاتح ..بياضها في الماء يتشقشق عن وجه أسمر لونه مشابه للون الكوخ،… فتي ونحيل كما توقعت وأشعر أنني رأيته من قبل في المرآة قبل أن أراه يولد ثانية في الماء الصافي، لونه الأسمر أفتح من لون تراب الأرض، ولكني عندما أجلس على صخرتي الصماء عصراً يصبح لونه سماوياً مشابهاً للون النهر، وقبل أن أنام أصبح امراة سوداء بلا شعر ولا عينين ولا أنف، أما عندما أرى (مارد) فإني اتعثر وأهتز وأتلون بلون الورد..
أسمائي أيضاً كانت تتغير مع تفاوت القمر في السماء وانتقاله من منزل إلى منزل آخر، إذ تناديني (شمس) بثريا عند المحاق وشدة الظلام، ويصبح أسمي نصف القمر قبل أن يتحول القمر بدراً في السماء .. ويعود اسمي ليصبح كل القمر عندما يتلألأ البدر كوجه إنسان على صفحة النهر.وعند المحاق واختفاء القمر يتحول اسمي إلى ثريا من جديد…… وحدها سيسم التي لا تتغير… وسيسم هذه ترحل بعيداً عندما يموت الإنسان، ولكنها لا تموت.. إنها تعيش في العيون.. وهي النقطة الصغيرة في الوسط، وهذه النقطة هي الروح التي يقول (مارد) إننا إذا ما نظرنا إليها يتحقق اتصالنا مع من نراه على الفور…… مارد يعرف الكثير من الأشياء التي لاأعرفها ..وكان يعلمني أسماء الثمار التي يجمعها من الفيافي ويجلبها لأبيه المشبرق حكيم العشيرة ..ويحدثني عن نقطة أخرى هي قطرة المطر التي قال أنها لم تولد بذلك الشكل الدائري ولا تتخذ هذه الهيئة إلا عندما تقترب من الأرض ..إنها تجذب كل شئ إلى أسفل بما في ذلك نحن البشر…..ولكي يوضح لي غاية كلامه عن ماء المطر، فقد غطس رأسه في ماء النهر ونفخ الهواء فيه فخرج زفيره على شكل كرات شفافة هي الفقاعات ..قلت له كيف تحول زفيرك إلى كل هذه الفقاعات، فقال لأن الحركة في هذا الكون تعتمد كلياً على شكل الدائرة…فهو الجمال الأمثل الذي يخدم وجودها المتحرك على الدوام .. قلت له وهل الجمال يعني شكلاً واحداً فقط هو الدائرة، قال كلا ..يعني أشكالاً عدة ولكن الشكل الكروي هو الأكثر شيوعا بين الكواكب والثمار لأنه يأخذ الحيز الأقل من الطبيعة.. سألته إذا كان شكل الكرة هو الجمال الأمثل فلماذا شكل البيت ليس كروياً …فضحك وقال.. سيكون هذا البيت غير مناسب إلا لعصفور.. لا أدري.. لربما البيت هو الشئ الوحيد الذي يجب أن لايتدحرج بعيداً..أليس كذلك؟.
مارد يعرف الكثير من الاشياء التي لاأعرفها ..وأنا فعلاً لا أعرف الكثير ..وأحب أكثر مما أعرف ..ولولا ان هناك أشياء أحبها عندما أستيقظ من النوم لما شعرت بالفرح أبداً ….كنت أحب هبوب الهواء العالي لأنه يطير شعري الطويل في كل الاتجاهات وأحب رائحة الخبز لأنها تجعلني أشعر بالأمان …وأحب قطرات المطر لأنها تبعث عطراً طيباً عندما تختلط بالتراب..والآن أصبحتُ كلما تمطر السماء يتكتك معها اسم مارد…وإذا نزلت قطرات المطر وأنا نائمة يتغير الحلم دون أن اعرف كيف يتغير ليجمعني بمارد. أقول لنفسي هل مارد يحلم بي مثلما أحلم به، أم تشغله الفيافي والسباسب عن الحديث إلى نفسه كما أفعل أنا؟.. تقول نفسي لا تقلقي من رسمك مارد على هذه الصورة، فقلبه ليس أطرش، وما دمتِ رسمتِه على هذه الصورة فهو أيضاً قد رسمك على هذه الصورة. سكن قلبك وسكنتِ قلبه، وهو لك وأنت له. وستكون لكما روح واحدة وصوت واحد …طيبة نفسي وحنونة ولا تمل من تحويل همي إلى سعادة…. فمن هي نفسي الموجودة داخلي هذه؟ ولماذا أشعر بالسعادة عندما أتحدث إليها؟.. هل هي أنا أم أنا هي؟.. هل هي جن موجود في داخلي أم ملاك ؟.
أعيش في هذا الكوخ وحدي منذ سنوات أو شهور عدة.. لا أدري… ولم أحسبها إلا من خلال شمس.. وجدت نفسي فيه بعد أن قذفني القارب إليه ليكون بيتي مع المرأة التي أنقذتني من الغرق.. اسمها شمس، وهي التي ربتني بعد أن نجوت من الفيضان الكبير الذي أغرق مدينتي كلها ولم يتبق من أهلها وأهلي سواي وشمس… قالت إنها وجدتني عائمة على الماء، فاخذَتْني في قاربها الكبير الذي نجت به من الكارثة.. شعرها طويل وأبيض كالشمس ولها القدرة أن تحمل فوق ظهرها نصف أغراض الكوخ وتصف الأشياء بعينين قديمتين ولسان قديم، وتحتفل كل يوم بشم الهواء كما لو كان عيداً للفطر بعد الصوم.. تقول إنها امرأة الحياة التي تتطيّر من الموت وتُتقن فن البقاء، لهذا وضعت في قاربها كل الحاجيات التي حفظتها في غلاف مكنون لمثل هذا اليوم العصيب، مع صندوق ملئ بالخضار المجففة والحليب المجفف والطحين والملح والشاي والسكر، كما وضعت في القارب حقيبة مليئة بالملابس والعُدد الصغيرة وعلب الكبريت والصحون والمناشف والشموع والصابون.. كانت الحقيبة بلون أغمق من لون السماء ولا تنفد منها أبداً محتوياتها الكثيرة .. كم غريب أن يحدث هذا …لماذا لم تكن تلك الحقيبة تفرغ من كل تلك الحاجيات؟ وكيف يحدث هذا؟ قالت شمس إن تكرار الحروب والاستعداد لها عبر عقود من السنين جعلها تتعلم فن الفرار، فتضع دائماً حليَها وملابسها ومرآتها في حقيبة معدة للسفر، وأعشابَها وبذورها وطحينها في حقيبة أخرى…. كما قالت إنها رمت إلى الماء حقيبة ثالثة مليئة بألبومات الصور والتذكارات وأوراق الدفاتر. الصور؟؟ أي صور؟ من المؤكد أنني رأيتها عندما عشت حياة جميلة سابقة لهذه الحياة تزدحم فيها الوجوه داخل أمكنة تمتد على مرمى البصر…… ولهذا عندما تحدثت شمس عن البومات الصور، هجمت تلك الوجوه الكثيرة كالعصافير الجوعانة على رأسي، ، فتناثرت بين صالات واسعة وحدائق جميلة وحاولت بجهد كبير الإمساك بصورة واحدة والإبقاء على وجه واحد .. لكن كل الذي مر بالي هو صوت بعيد لمغنية عمياء مالبث أن غرق هو الآخر إلى قاع البحيرة.
لم توشك ذخيرتها من متاع الشاي والسكر أن نفدت بعد أيام بينما ظلت ذخيرتها من البذور والطحين تزودنا بالطعام لحد الآن. لا أتذكر شيئاً مما كانت تقوله حول قارب نجاتنا وما ترويه من أهوال الفيضان، ولا أدري لماذا خلا النهر من القوارب بعد ذلك فلا أجد بشراً يعبره أو مركباً يطفو عليه وليس هناك من مخلوقات تجاورنا سوى الدجاجات والحملان الصغيرة التي لاأعرف من أين جاءت لتبحث عن طعامها حول الكوخ.. بدا ذلك الكوخ وكأنه ينتظرنا هناك بعد أن انحسر الماء واستوى القارب على هذه الأرض الجميلة. أما ماء النهر فأصبح صافياً وهادئاً تستقر فيه صورة السماء ولاأثر فيه لتلك النوبة من الجنون.
أول ما فعلتْه شمس بعد أن رسى بنا القارب على اليابسة هو أن جاءت بالطين الأحمر الحر الذي خلفته مياه الفيضان وبنت تنورها الطيني الذي تشوي فيه أقراص الخبز كل يوم من طحينها الذي لا ينفد أبداً. قالت أنها لم تجد حطباً يابساً إلا بعد أيام من زكام الأرض وسعالها المتواصل جراء البرد الذي سببه ذلك الطوفان…. علّمت شمس تلك الأيام على شكل عيدان كبريت محترقة تضعها فوق بعضها البعض وتحفظها في علبة من الخشب الغامق كانت موجودة أصلاً في الكوخ. وعندما أشرقت الشمس في اليوم السابع واستيقظت أنا من الغيبوبة، وجدت نفسي أمامها في هذا الكوخ .. رذاذ البرتقال يدغدغ أنفي ورائحة الخبز الحار تجعلني أشعر بالجوع … لا يزال يوجد في صرتها الكثير من ذخيرة الأعواد التي تحترق ثم تصبح علامة من علامات حساب الأيام…. وشمس تخرج من تلك الأعواد كل يوم عوداً نشعل به الحطب ونشوي الخبز عندما نجوع، ثم تعيده إلى مكانه محترقاً في علبة عدّ الأيام. تَشاغلْنا عن الحزن بترتيب الكوخ وتنظيفه من الطين الذي خلفه الفيضان.. وجدناه كبيراً ومكتملاً من الخارج بل وفيه حنفيات ومصابيح، فقمنا برص الطين بين جهة وأخرى لكي نبتني سوراً حول فراغه الكبير، ولم يكتمل بناء السور إلا بعد أيام طويلة كنا نقضيها في العمل تحت شمس ظلت مشرقة بشكل متواصل وكأنها يوم واحد.
بعد ثلاثين عوداً مشتعلة اختفى القمر تماماً من السماء، وخيم ليل مظلم كالحندس، فعرفنا أن نوبة جنون الأرض انتهت، وأن الحياة ستعود إلى طبيعتها وتشفى من المرض…. نظرتْ شمس إلى السماء وقد احتشدت بسديم النجوم شمال القمر، فقالت إنها الثريا، وهي من النجوم المشهورة عند العرب في أمثالهم وحكاياتهم، وبالرغم من منظرها القريب والمتلاصق من بعضها البعض، إلا أنها تنتشر على مسافات بعيدة.. بعيدة جداً تقارب خمس عشرة سنه ضوئية آتية من زمن قديم، ولكنها عندما تظهر عقب غروب الشمس في الأفق الغربي، تبدو من بعيد كثيرة العدد ومتصلة مع بعضها دون أي فراغ فيما بينها، وكأنها سرب نحل من فضة.
بداية الشهر تسميني شمس ثريا تيمناً بتلك النجوم المحتشدة في ظلام الليل الشديد، وعندما يحدودب ظهر القمر ويأكل الظل نصفه الأيمن، يتحول اسمي من ثريا إلى نصف القمر، ثم يصبح القمر بدراً جميلاً كوجه إنسان، فتسميني كل القمر، وعندما ينتهي الشهر القمري ويعود القمر نحيلاً كالعرجون القديم، يتحول اسمي من كل القمر إلى ربع القمر ..شمس تؤجل كل الأعمال التي يتطلب إنجازها طاقة كبيرة ولا تؤدي أي فعل مهم في اليومين الأخيرين من أفول القمر وغيابه في المحاق، تقول إن إنجازها في ذينك اليومين سيؤدي إلى نتائج معاكسة لما نريد، بينما الجهد المبذول في اليومين الأولين من الطور الأول للقمر وبعد شروق الهلال ، سيكون آمناً وعديم الخطورة …كل الحوادث الأحسن من غيرها والأسوء من غيرها، كانت تحدث لي عندما يكون اسمي كل القمر ويكون للقمر وجه جميل كوجه إنسان. وكانت شمس تعلل ذلك بالقول إنه عند اكتمال القمر تنشد الأرض وتتوسع بالطريقة نفسها التي تتدفق طاقة الانسان من الداخل للخارج وينجم عن ذلك الكثير من الزخم الذي يصيب كلاً من القلب والعقل والروح .
أول ما صار بي من فرح شديد هو في اليوم الذي شهقتُ فيه الهواء بقوة ثم تنهّدتْه مرة واحدة في هذه المكان الجديد.. حدث ذلك إثر ليلة هادئة وبيضاء إكتمل فيها القمر، وفي فجرها رأيت الرجل الذي مر على حصانه قرب كوخنا في الصباح فوجدني أجلس على صخرتي الصماء التي يتعثر بها الموج.. شممت عطره وأنا بعيدة عنه ..شعره طويل وعشيرته ضربت خيامها بالقرب من كوخنا الوحيد قرب نهر السدير. ولما عرفوا أننا نجونا من الفيضان الكبير راحوا يحدثون شمس عن مدينتنا التي غرقت وقالوا إنهم مروا بها في بحثهم عن الحطب والكلأ فوجدوا الماء منحسراً عن بنيان كثير خاوٍ على عروشه وإنهم يحملون من هناك كل يوم بعض الأرائك الخشبية والكراسي والمناضد التي جفت لكي يستعملونها أو يشعلونها في مواقد النار.لاأعرف عن أي شئ يتحدثون ولاأتخيل شيئاً مما يصفون ولكنهم يقولون أنه لا زال هناك الكثير من أغراض الغرقى ومن السيارات الصدئة والمصاعد العاطلة والثلاجات المليئة بالطعام المتعفن والدود والعناكب… وجدوا أيضاً التلفزيونات العاطلة عن العمل تحت أنقاض البيوت التي جرفها الماء وجرف معها الكثير من محتويات تلك البيوت. وهنا كانت شمس تسألهم عن بيوت بعينها تقول انها تعلمت فيها المشي وسكنتها منذ الطفولة، فيقولون إن معالم المدينة كلها اختفت وتشوهت بشكل عجيب..
كم كان رجال العشيرة يحكون عن مرورهم بتلك المدينة الغرقانة فألتفت عن كلامهم إلى شجر السيسبان الذي يخشخش في الهواء …أفعل ذلك لكي يختفوا ويختفي كلامهم ..لاأريد أن أسمعهم مرة أخرى يندبون أيامها المجيدة عندما كانت تزهو بالحدائق والملاعب والشوارع العريضة، ولن أذهب إلى هناك مع شمس التي تحب السؤال عن تلك المدينة وتستمع إلى حديث الرجال عنها وتناجيها من خلالهم ..وعدوها بأن يأخذوها إلى هناك لرؤية تلك الخرائب عندما ينتهي الشتاء ويحل الشهر المزركش وتشرق الشمس مرة أخرى فيخرجون للبحث عن الكلأ…قال كبيرالعشيرة المشبرق وكان رجلاً حكيماً وعرافاً لكشف المستور..أن تلك المدينة لم تكن لتنتهي تلك النهاية الفاجعة لولا أساساتها المنخورة وجدرانها المتضعضعة ….. وقال المشبرق أيضاً وهو نفسه أبو مارد الذي عندما أراه أتلون بلون الورد:
- لا تغرق مدينة بتلك السهولة إلا بسبب حجارتها الملعونة التي غضبت عليها السماء.
كان شتاء مميزاً ذلك الذي حل فيه مارد وأهله بيننا.. لم نكن قد رأينا بشراً منذ الكارثة ولا بحثنا عنهم لفترة طويلة فاضت فيها عيدان الكبريت، التي لا تنفد أبداً، عن علبة الخشب فوضعناها في علبة أخرى. ونفد الشاي والسكر فجاءت لها حورية أم (مارد) بأكياس جديدة من الشاي والسكر….وأعواد من بخور طيب الرائحة كان مارد يصنعه من خشب الأرز..كأني رأيتها من قبل ورأيت أقراطها الفضية التي تصل إلى عنقها ولا تلبسها إلا في أوقات متباعدة ..هي الأخرى كانت تأتي في أوقات متباعدة ..ثم تختفي وماأسمع صوتها الخفيض.. كان صوتها أوطأ من صوتي وشعرها أطول من شعري وعندما رأت شمس شعر حورية الطويل ضحكت وقالت إنها تبدو من الغجريات اللواتي يطوحن بشعورهن في الهواء، لكي يتحرك الغيم وينزل المطر ….ولما كنت أسأل شمس لماذا لا نتحرك نحن من هذا المكان ونمشي أو نركض للبحث عن بشر نعرفهم يتحدثون معنا ويؤانسوننا في وحدتنا؟ تقول إننا في غنى عن المجرمين الذين يقتلون بعضهم بعضاً ويرمون القطط والكلاب بالحجارة والرصاصات وإن من حسن حظنا أننا نعيش وحدنا، بعيداً عنهم …هذا مكان جديد ومختلف و في مكان جديد ومختلف سننام ونحلم أجمل الأحلام ، وهذا أفضل بكثير من الموت كمداً في مكان لوحُه أسود ووجهه أسود ولا يوجد فيه غير السواد.. وحدنا أحسن.. وحدنا أحسن… كانت تقول وتعيد دائماً.. لا نسمع صياح أحد ولا عراك أحد، ولا نعرف يوم الجمعة من يوم الخميس.
وبالرغم من أنها كانت تقول هذا الكلام دائماً وتعيده دائماً إلا إنها أصبحت تخرج كل يوم لتبحث عن الناجين ….ثم تعود وتخلع نعلها خارج الكوخ وتدخل حافية القدمين. تقول إن ملامسة الأرض المنعشة ستفرغ تلك الشحنات التي تجعل أصابعنا تتكهرب أحياناً لدى ملامسة ملابسنا عندما نرتديها…كنت أسمع كلامها ولا أفهم بالضبط لماذا أشعر بأنني سمعته من قبل وعشت الحياة الخضرة الجميلة في مكان آخر غير بعيد عن هذا المكان الذي يجعلني أرى الأشياء كما لو كنت أراها أول مرة وأعيشها أول مرة، وفي الوقت ذاته يغمرني حنين خفي إلى حياة سابقة تتغوش أحياناً في رأسي على شكل ضباب وبخار يحجبان ذلك المكان الأول القديم.. أدوخ عندما أنظر إلى وجهي في صفحة النهر، التقط رأس الخيط وأحاول إمساكه بقوة حتى أصل إلى نهايته، ولكنه ينقطع فجأة ويتسرب من بين أصابعي كحلم أخير حلمته قبل النهوض من الفراش ..فيهرب مني باقي الخيط ولا أعرف أين كنت أعيش قبل هذا المكان ….
شمس بيضاء الشعر، ولكنّ وجهها مدور وجميل وغير مليء بالغضون..فهي تضع فوقه بقايا كل ثمرة تأكلها من خيار أو دراق أو طماطم.. وتدلكه بعصير نبات الصبار المزروع قرب نافذة الكوخ……كما تحيط نفسها بالخضرة اليانعة وتقول إن النظر إلى الجمال سيجعلها جميلة ..أصبحتْ تخرج للمشي مسافات طويلة كل يوم في بحثها عن أي أثر من آثار بيتها أو خبر من أخبار الناجين.. كانت تخرج وترفض أن تأخذني معها في سيرها عكس مجرى النهر وذهابها إلى المدينة الغرقانة عند حلول شهر الربيع المزركش ….تقول لا تتحركي من أمام الكوخ إلا حين ترينني أعود وتتأكدين من أنني لست امرأة أخرى…. تمشي وتمشي وتمشي.. ثم ترجع على مهل … وفي اليوم التالي تتركني وحدي وتمشي وتمشي وتمشي… لم تكن تعود في البداية بشيء سوى الحطب والخشب وبعض الثمار والنباتات الجديدة التي تزرعها حول الكوخ.. لم تكن بينها برتقالة واحدة كتلك التي كانت تقشرها في أول يوم رأيتها فيه…..ثم أصبحت فيما بعد تهِلُّ علي آتيةً من بعيد وهي تحملّ أكمام الملابس وياقات القمصان.. ثم المرايا والمزهريات وصحون الطعام.. وسرعان ما أصبح كوخنا مليئاً بالفخاريات التي أرتبها بشكل جميل وأضعها فوق المناضد اللتي كانت موجودة أصلاً في الكوخ.. وعندما انملأت علبة الخشب الثانية بمئة عود ثقاب أخرى أصبح كوخنا محاطاً بظلال خضراء جميلة من نباتات النعنع والريحان. كنت أقطف أوراقها في كل فطور وغداء وعشاء، وأحب روائحها الطيبة التي ترَد الروح ولهذا أشمها عندما أشعر بالحزن أو الضيق..روائح الحطب المشتعل والعجين المختمر والخبز الحار أيضاً كانت تملأ نفسي بالبهجة…وكل ثمرة طيبة راوية بالماء كانت رائحتها تنعش روحي وتبدد عنها نوبات الحزن، بينما هناك شجرة طويلة تسميها شمس بالسيسبان وفيها مخاريط من الثمر اذا جفت أصبحت تخشخش كلهّايَات الأطفال وهذا، تقول شمس، ما سينتهي إليه حالنا إذا لم نسقِ نفوسنا بالماء والغناء الجميل..سنجف ويصبح ثمرنا خامطاً وغير مفيد .
وماهو الغناء الجميل؟ ..سألتها ذات يوم فأغمضت عينيها ودندنت بصوت حلو كما يفعل البلبل قبل مجئ الصباح.. تحرك شعرها الأبيض الطويل في الهواء بلا سبب، فسألتها هل تفعلين ذلك من أجل إنزال المطر كما تفعل حورية أم مارد؟ قالت كلا ..أنا أفعل ذلك لكي أرقص…فعرفتُ أنها تشعر بالفرح بعد أن وجدت ثمرات جديدة قد جاءت إلى الدنيا فوق غصن شجرة السدر التي كانت موجودة أصلاً في المكان… حدث ذلك وقت الربيع الذي يجعل الكثير من الثمار تأتي إلى الدنيا …ويجعلني أشعر بأن روحي ليست على مايرام من شدة السعادة ..أما شمس فكانت عندما ترى ضوء الشمس يدخل إلى كوخنا كل صباح، تخرج عبر باب الكوخ الوحيدة التي تطل على الحقل ثم تدندن وتترنم بأغان لا أعرفها. معها حق شمس في حبها للشمس فهي إذا مرت بضوئها على ثمار الحقل سترفع عنها غطاء الظل وتكشفها للضوء والحرارة البيضاء.. تتململ بعض الأوراق وتتمطى وهي تستيقظ من منامها، وتتبخر عنها قطرات الطل التي تكونت في المساء، فيصبح لونها أخضر بعد أن كان كل شئ فيها أسود في المساء، ثم تنمو وتنمو وتنمو حتى تصبح شهية أكثر من ذي قبل، فنقطفها ونضعها في الصحون. علمتني شمس كيف أحول بعض تلك الثمار اللذيذة إلى حلوى مجففة نأكلها بعد الطعام أو قبل أن ننام . لم أكن أعرف كثيراً عن هذه الأشياء عندما وجدت نفسي في هذه الجزيرة التي لا آن فيه ولا آذان. ولكني أذكر جيداً رأس أمي ..أمي التي غرقت في نهر السدير..كان كل شئ فيها من زجاج ..قدماها ويداها ورأسها الطافي فوق الماء..ليس لملابسها لون محدد ولا لوجهها صورة كباقي الصور فلماذا لا أتذكر منها شيئاَ سوى أنني كنت أساعدها ذات يوم بعيد بتقشير الكمثرى والليمون قبل أن تحوله الى مربيات… كنت أساعدها أيضاً في تقطيع الخيار إلى قطع صغيرة تحفظها في مرطبانات المخللات. تلك ذكريات كانت تخطر في بالي بشكل خاطف يشبه ضوء المرآة التي حملتها شمس من المدينة الغرقانة ذات يوم، فلما اقتربتْ من الكوخ انعكست عليها الشمس وقدحت بضوء مشتعل.
ليلة الياسمين
قالت لي شمس إني كنت في المدرسة عندما حدث الفيضان وسمعت أصواتاً غريبة تشبه دوي انفجار من تلك الانفجارات التي تحدث أثناء الحروب، ولم يسعني الوقت للتفكير أكثر من ذلك، فقد جرفتني المياه بعيداً عن الشارع الطويل الذي يربط مدرستي بالنهر، واختفت رؤوس البنات تحت سطح ماء السيل المهول مثلما اختفت شعورهن التي ظلت طافية فوق سطح الماء بلاوجوه وبعد لحظات اختفت الأيادي الممدودة أيضاً .. وماهي إلا ضربة أخرى حتى حط بي السيل فوق قارب يطفو فارغاً بين الرؤوس، فتمسكت بي هذه المرأة ووضعتني في حضنها، ومنذ ذلك اليوم وأنا هناك.. أتعلم أنْ أعيش حياتي الجديدة كقدر لا يمكن لعقلي سوى التسليم به.. ظننته حلماً في البداية ثم طال وتمكن ولم يتبخر في الصباح، فأدركت أنه صفحة قدرية يجب أن أعيشها بالرضا لحين تطويها الأيام وتكشف عن صفحة أخرى جديدة. عندما أقارن حياتي معها مع حياتي في المكان الأول القديم، فلن أجد ما أحزن عليه سوى المدرسة التي لا أتذكر أو أتخيل سواها، وكيف أتذكر أو أتخيل سواها وشمس لم تخبرني شيئاً عن نفسي غير قصة تلك المدرسة التي أغرقها السيل ..نامت وقامت وهي تحكي تلك القصة إلى أن حفظتها وتخيلتها عن ظهر قلب؟ الصوت المدوي ، العاصفة الهوجاء ، والنهر الذي يصب ماءه فوق كل المدينة ، والسحب الاسمنتية التي تسح مطراً يشبه جداراً يصل ما بين الأرض و السماء فتغوص الأرض وتغرق...ولكنها علمتْني أيضاً أن أنظر إلى جمال العالم من خلال غروب الشمس وعراك الطيور واحمرار الورد وتعثر الموج بصخرة الشاطئ.. وأن أستمتع بشم ثمار الحديقة الطيبة لكي تشعرني بالراحة وتنشط في عقلي أقصى حالات الفرح .. و في مكانٍ مليء بالصمت، فإن أول صوت سمعته كان ضحكتها التي تتلوى كقشر البرتقال..وأول عينين رأيتهما هما عيناها اللتان تلمعان في الظلام ... لا أظنها مجنونة ولكنها تصمت أحياناً ثم تضحك بلا سبب فهل هي إنس أم جن؟ إسمها يعني النار والشرار وحركتها الدائبة تجعل الوقت يمر سريعا مثل مياه النهر عند هبوطها إلى أرض منخفضة، وعندما تنزل إلى الماء فإنها تستطيع أن تعوم في النهر وهي تغسل أنواع الخضار المختلفة، وثمار التفاح وعناقيد العنب. وماعناقيد العنب؟ ..سألتها قبل أن أراها لكي أتأكد مما أعرفه، فجاءت لي من رحلاتها البعيدة بثلاثة عناقيد ملظومة بالكرات الأرجوانية التي تشف عن نفسها كالزجاج بعد غسلها ...أحياناً يختلف عنقود عن آخر ويتغير لونه من الأرجواني إلى الأحمر أو البنفسجي فتصبح الكرات المبللة متألقة بمختلف الألوان ...معه حق مارد في أن يقول ان الشكل الكروي هو جمال الطبيعة الأمثل ..فقد أصبحت لا آكل العنب إلا بعد أن أتفرج طويلاً على كراته المضببة ذات اللون البنفسجي المحمر الذي يشبه لون غروب الشمس .. وكلما زاد البنفسجي دكنة، زادت العناقيد حلاوة أما عندما تسخن قليلاً في الجو الدافئ فتصبح حلاوتها أشد في ضوء الشمس أو الظل .
تقول لي شمس إن هذه العناقيد هي أقمار الحدائق التي كانت لا تنتهي في امتدادها بين بيت وآخر ولا تكتفي بإمتاع عين واحدة فقط عند النظر إليها ولكنها من الممكن أن تجعل الآخرين، من أصحاب الحدائق المجاورة، يستمتعون أيضاً . ولهذا فإن من أكثر متع القمريات جمالاً هو منظرها المتشابك كالنسيج مع قمريات الآخرين.. أقول لها وأين هم الآخرون ؟ ..فتنظر إلى أعلى …وتقول أنهم فوق ..موجودون كما القمر.. والقمر موجود أنى نظرت … أسألها ماذا تقصد؟ فتضحك بأسى وتقول ..لا أقصد شيئاً سوى أنهم غرقوا وفارقتهم أرواحهم بعد أن أدركتهم عاصفة المطر الهوجاء ..
فعلاً كان القمر موجوداً أنى نظرت ..ويتبعني أينما ذهبت ..وعندما يختفي من السماء تشعل شمس الكثير من مصابيح الكوخ التي تجعل الليل مضيئاً كالنهار … لا أفهم الكثير مما يحدث وأفضل أن لا أسألها كيف تفعل ذلك …ولكن القمر يعود ليظهر على شكل خيط رفيع في السماء هو الهلال، ومع مرور سبعة أيام كان يضاء جانبه الأيمن الظاهر إلى الأرض ويستمر الضوء بالزيادة والاتساع حتى يسطع كامل وجه القمر في اليوم الرابع عشر، فيصبح على شكل دائرة وهاجة ..ولايستمر هذا الجمال الدائري الأمثل سوى ليلة واحدة فقط.. يبدأ بعدها الضوء بالتناقص حتى يختفي كلياً وينقص عمري شهراً من جديد … ما جعلتني شمس أشعر يوماً بالضجر أو الحزن على عمر مضى أو التنهد على شيء فات، ولم أكن أرى من ذلك الماضي سوى خيالات لأقدام بنات تشبه أقدامي الوردية وعيون كبيرة تشبه عيوني السوداء.. السوداء أم العسلية؟.. قول شمس إنها عسلية جعلني أعرف أنها عسلية.. وبعد أن أكدت لي أنها عسلية، سألتها وهل كل عيون البشر عسلية؟ ضحكت ضحكتها الطويلة التي تتلوى كقشر البرتقال وظنتني أسأل عن مكان العسل بسبب ضوضاء الخيار في فمها ..في تلك اللحظة من الضحك، أتت حورية بمزيد من الشاي ووضعته في إبريق صغير دفنته بين رماد التنور الحار وبالتالي انشغلت شمس بضيفتها أم مارد ولم تجبني عن سؤالي حول عيون البشر ..عيون حورية كانت أكبر من عيون شمس ولا تتحدث إلا عن أسماء البنات اللواتي تفكر بخطبة واحدة منهن لمارد … وهل هن برتقالات موجودات في سلة واحدة لكي تختار منهن واحدة؟ كنت أتساءل لماذا لم أر بنتاً منهن قط في الجوار…وكيف هي ألوان عيونهن؟ وهل يتضوع منهن عطر طيب كالذي يتضوع من مارد وأمه حورية …. في الليل الذي كان دافئاً كباقي الليالي، أعدت السؤال على شمس وقلت لها : هل كل عيون البشر عسلية؟ فقالت كلا ليست كل عيون البشر عسلية ولكن قد تكون سوداء أو زرقاء أو خضراء.. قلت لها ولكن أين أولاء البنات اللواتي تحدثت عنهن حورية؟ لماذا لا أرى واحدة منهن في الجوار؟ ..شمس تشاغلت عني بالتثاؤب والنظر إلى المزهرية وقالت لي وكأنها لم تسمع سؤالي: إن العيون الخضراء هي الأجمل بين العيون..
أعرف أنها تجاهلت سؤالي عن عمد فقلت لها لماذا؟ ولكنها لم تجب..ظلت شمس ساكتة ولم تجب.. وفي تلك اللحظة من السكوت شعرت كأنني قد سألت السؤال نفسه في مكان آخر و زمان آخر..وكل شئ مألوف لدي وكأنه حدث مرتين..وحتى عندما ترقص شمس أو تحرك شعرها في الهواء أو تدفن طائراً ميتاً في التراب يبدو الأمر مالوفاً لدي … وكل ما تفعله وتقوله شمس مألوف لدي إلا شيء واحد ….هو لماذا حدث ذلك ؟ أسألها مراراً ولماذا حدث ذلك؟ أكاد أجن ..فكانت تقول إن المكان الأول القديم قد انتهى وغاص مع الطين والأوحال وأصبح كاللوح الأسود العريض، وإن علينا نكرانه ونسيانه، فالنسيان هو نعمة الله لدرء الهموم والأحزان…. تضحك ضحكتها الملتوية بلا سبب، فيبدو جوابها غريباً وغير مألوف ويبعث على حيرة أخرى تجعلني أسألها وكيف حدث ذلك؟ فتعيد على سمعي قصة الطوفان الغريبة التي تخيفني جداً وتدهشني جداً، فأهرب منها إلى السماء المفروشة على الماء أو أجلس على صخرتي الصماء التي يتعثر بها الموج.. وأغرق في أحلام جميلة تلاحقني في صحوي ومنامي، الله… ماأجمل الأحلام ..فلماذا هي على هذه الدرجة من الجمال؟ يقول مارد إن الأحلام ليست جميلة دائماً ولكنها المكان الوحيد الذي تقال فيها الكلمات دون شرط أو مصلحة …………… هناك في الأحلام فقط تقال الكلمات دون قيد أو شرط.. هناك فقط يضع الكبير إبهامه في فمه دون أن يمر به الخجل، و قد يمشي عارياً في الهواء دون أن يدركه السقوط أو يخرج من باب بدلاً من باب آخر دون أن يصل إلى مكان ..ولكن شمس تقول : إن الوجود في مكان نادر كهذا المكان فهو الذي يجعلنا نحلم أجمل الأحلام ونفعل مانريد دون أن يطرف لنا جفن؟.ترى أيهما على حق؟
كل يوم أُحدّث نفسي بالذهاب إلى مكاني الأول القديم فتقول شمس ألم أقل لك لا تلتفتي إلى الخلف ولا تركضي إلى مسكن قديم ولاتسلكي طريقاً قد تضيعين فيه إلى الأبد.. إن الكوابيس موجودة في مكان واحد هو الواقع المنحوس الذي فارقناه فكيف تفكرين بالعودة إليه؟..ولا أدري كيف شيئاً فشيئاً، أصبحت أستلقي مستيقظة قبل النوم وأنا أجد نفسي مقتنعة بكلامها ولا أفتقد المدينة أو أتمنى العودة إليها بعد ذلك. لم ترض شمس بذلك على أية حال، ولم تأخذني يوماً إلى هناك أو سمحت لي بالتجاوز خلف خط من جذوع النخيل ممدودة أسفل تلة مزروعة بأشجار الإرز الكبيرة ولا يجوز أن أعبرها إذا ما ابتعدت عن الكوخ. فقد كانت تتطير من مدينة غرقانة لا نجد فيها سوى الجثث والهياكل العظمية…. ظننتها كاذبة في قصة الفيضان العجيبة وجادلتها كيف نجونا نحن وهلك الجميع؟ لا لن أصدق ماتقوليه.. فتقول اسمعي هذا أمر الله الذي نجّانا لغاية نجهلها نحن الصغار. أسألها كيف جعلنا نهبط بسلام في هذه الضفة من النهر فيما السماء تهتز وتمطر مدراراً والأرض تعلوها أمواج كالجبال؟ فتقول إنه قادر على كل شيء.. يقول للشيء كن فيكون. وماذا فعل الناس؟ كانوا صفراً يتصايحون.. هم الذين قتلوا بعضهم بعضاً بلا صوت.. هم الذين عبدوا المال في المعابد.. كم من مصباح كسروا وحزنوا عليه!.. كم من بيت تركوا وذرفوا الدموع عليه!.. كم من موعد تأخروا عليه فندموا أشد الندم!.. كل هذا تلوت له ضحكة شمس وهي ترى نفسها الوحيدة التي نجت من الفيضان بذلك القارب الأبيض الذي كان الناس يمدون أيديهم إليه ولكنها لاتصل أبداً ويمدون أطراف أصابعهم ، ولكنها لا تصل . وحدها هي العجوز نجت من تلك السيول الهوجاء بينما هلك الجميع… وكيف حدث ذلك؟يبدو من المستحيل أن يحدث ذلك؟، فتقول وتعيد إن باب السماء انفتحت عندما انغلقت باب الأرض، وليس هذا غريباً على العناية الإلهية التي لم تنجني من الهلاك حسب وإنما منحتني، وأنا العجوز العقيم، بنتاً اسمها ثريا.
لولا أن عشيرة مارد قد أيدت قصة الطوفان لما صدقتُها قط، فقد كان هذا شيئاً عجيباً ولا يصدق أن نقطع الليل على قارب وحيد ونصل إلى هذا الركن النائي في صبح جديد، بعيداً عن تلك الديار القديمة التي جثم فيها الجميع تحت سيل ماء المحيط…. هي أيضاً كانت، وهي تورد من عجائب الفيضان وما رأت من صواعق وهزاهز وحجارة تمطر في يوم عصيب، تسأل لماذا أهلك الله قريتها وفيها من الخير كثير.. هل ظلمها الفاسدون فيها من المجرمين أم من المترفين، أتوها من الحفر والخبايا ولم يهابوا مثل هذا اليوم بل ظنوه لن يحدث.. فغرقوا لأنهم ألتفتوا إلى متاع الدنيا في وقت لم ينبغي فيه الالتفات ..لا أتذكر صاعقة واحدة مما تقول وأشك فيما تقول وتسرد من حكايات، ولكني أتخيله كما لو كان قد حدث فعلاً ..حفر وجثث بشر وقطط وكلاب كلها سكنت خيالي في النهاية .. ما عدت أكذبها فيما تقول لأن شمس تستطيع إقناعي بما تقول عندما أراها تمتلك مهارات جمة تمكنها فعلاً من النجاة..فهي جنية عندما تريد الغوص والعوم وحمل المتاع الثقيل والسير إلى مسافات طويلة و بذر الأرض بالجزر والبطاطا خلال أيام معدودة … وإنسية عندما تفتح خريطة الكنز في قلبها الحنون فتجعلني أطير مع غايات حكاياتها التي تنفي الشك عن قصة نجاتنا وحدنا إلى هذا المكان الجديد.. ولولا أن لها فؤاداً من ذهب لظننتها ساحرة شريرة خطفتني من بيت أهلي قبل زواجي من أمير البلاد بساعة واحدة، ولولا انتصابها في المشي لظننتها من السعالي الزواحف اللائي يخطفن الفتيات ويغررن بالرجال.. صامتة أغلب الوقت.. حزينة لأنها أضاعت مذياعها الصغير، ولم تعثر على نبات التبغ في جولاتها البعيدة إلى أطراف المدينة الغرقى… قالت شمس لو كان هذا النبات الذي يحلي أيامها موجوداً لطلبت من مارد أن يصنع لها منه عطراً يسميه الشكردان….أوصته أن يجلب لها هذا التبغ من رحلات بحثه عن العلاجات والعطور ولكنه لم يعر بالاً لهذا الطلب…فهو لا يجلب إلا الأعشاب التي تشفي الأمراض لأبيه حكيم العشيرة الذي يطبب الباحثين عن الشفاء .ذلك كان واجبه من ألف يوم يجمع في كل يوم منها الأزهار المتفتحة في الصباح الباكر ويجففها في الضوء والظل حسب خصائص كل واحدة منها، ثم يستخلص منها العلاجات والزيوت العطرية ويحفظها في قوارير زجاجية صغيرة . أتى لنا ذات يوم من رحلة بعيدة بثمار داكنة الزرقة مخروطية الشكل قال عنها إنها ثمار شجرة العرعر التي يصنع منها كل ما يعطر الجسم من الصابون وحتى الطيب ..كان يجلب ذلك النبات من أرض بادية للنظر إسمها البادية ويغيب أحياناً خلف غابة الإرز ليجمع الخزامى والهيل وأكليل الجبل وأجزاء النبات الأخرى كالبراعم والأوراق وقشور الثمار والجذور والخشب، وفي بعض المرات يقطف النبتة بأكملها ويحفظها في جراب الورد الذي يتدلى من ظهر حصانه قندس . يمتلأ ذلك الجراب كل يوم بالأعشاب العطرية للورد الماوي و حصى البان والحبة السوداء واليانسون والقرنفل والبابون والكمون والمستكة والتي قد يغليها مع حبوب الطلع والنعناع والهندباء ليستخرج منها المايات السبعة .. أو يحولها إلى عطور بخلطها مع زهر الليمون وورد الجوري وورق الآس الذي يطيب رائحة البدن، ثم يغليها ويقطرها الى رحيق نقي بإضافة روح العنب أو الكحول المستخلص من أجنة القمح المتخمر… بتلك الطريقة كان يفصل الزيت العطري من العشبة أو الوردة وبإضافة شمع النحل إليه يمنع تبخره أو تطايره بسرعة بعد تعرضه للهواء.
يقول مارد إن أقدم أنواع العطور هو عطر ماء الورد، وكان رائجاً جداً لدى قبائل العرب التي تعتبر الورود من أهم المصادر لاستخراج العطور ، ولهذا اعتمد أبوه طريقتهم لصناعة العطور باستقطار تيجان الأزهار بعد تبخيرها مع الماء….وهذا ما كانوا يفعلوه مع ورد الخزامى وورد الياسمين وورد الجوري… ولكن مارد كان يستخرج جوهر العطر من مصادر أخرى غير الأزهار، كلحاء أشجار المستكة والقرفة وخشب الأرز أو العنبر ، و أوراق النعناع والحبق والخزامى والبزرنكوش وأكليل الجبل، وجذور الأعشاب كالزنجبيل والسوسن…. عملياً فإن كثيراً مماكان يجمعهه تدله عليه قطعان الجمال التي تبحث عن طعامها.. وهذا الدرس تعلمه من أبيه المشبرق الذي زار طبرق في شبابه فوجدها عبارة عن حقل واسع من نبات بنفسجي اللون ذكي الرائحة تنجذب إليه قطعان الجمال كالمغناطيس….فابتدأت من هناك .. في تلك المدينة الساحلية حكاية عشقه للأعشاب والنباتات العطرية التي تنمو في حوض البحر الأبيض المتوسط.. ولكن مارد لم يكن يكتفي بما تدله أفواه الجمال عليه، بل كانت الحشرات والعصافير أيضاً تدله على أسرار الرحيق الحلو الكامن في بعض الثمار النادرة التي قد يظنها سامة أو مضرة ولهذا لا يلمسها فتأتي تلك الحشرات والطيور لتشجعه على قطفها ومزجها في راووق يصفه لي بأنه يشبه فقاعة كبيرة من البلور…تارة في الغابات وتارة في البوادي .. يغيب ثم يعود ليبتدع عطوراً أخرى لم يسبقه إليها أحد فيضيف الشاي الى عصير الرمان ويغليهما مع خشب الإرز وورد الجوري ثم يقطرها بروح العنب ويستخلص منها عطراً يسميه الغسق .. أكيد بسبب لونه الأرجواني. أو يضيف الطمي إلى الملح والحصى وبعض الطحالب والأشنات ويستخلص منها عطراً يسميه الغرنوق.. أكيد بسبب رقبة القارورة الطويلة… أو يغلي شقائق النعمان مع التراب المبلول بماء المطر وريشم القمح ويستقطر منها عطراً يسميه صلصال الأرض. يقول إنه يعثر على شقائق النعمان في الأراضي المشبعة بالمطر، وهي تتجمع في أجمات كبيرة تغطي مسافات شاسعة وأنها برية لا تستنبت في حدائق البيوت ولا تهجن أما اسمها فمشتق من اسم ملك الحيرة الذي استحسن لونها الأحمر وزرعها حول قصره المعروف بالخورنق.
كان مارد يتضوع بأشذاء تلك العطور التي يجزل وضعها على ردائه أو قريباً من النبض على رسغه فيحتفل جسمه كل يوم بتجربة عطر جديد من عطور الخوخ أو المشمش أو النرجس أو الريحان أو الليمون أو الخزامى أو خشب الصندل. تحولت أيامه إلى عصافير تطير من غصن لآخر في حديقة من الأعشاب العطرية التي يجففها ويحولها إلى عطور..وعندما جاء مارد لي ذات يوم بقارورة من عطر الياسمين الطيب روى لي عن هذه الزهرة حكاية من حكاياته الكثيرة .. وقال إن الزهور في الأساطير القديمة لم تكن إلا صبايا قتلهن الحب فتحولن إلى زهور. لذلك فان أول تعبير يقوم به المحب هو إهداء وردة إلى حبيبته، وتقول تلك الأساطير إنه كان فى قديم الزمان صبية بدوية تعيش فى الصحراء اسمها ياسمين وكانت تغطى وجهها وشعرها بخمار شفاف. وفى يوم من الأيام مر بتلك الصحراء أمير فلفتت انتباهه تلك الفتاة المخمرة وجذبه غموضها، فما كان منه إلا أن تقدم للزواج منها. وبعد أن عاشت سنوات عديدة معه فى القصر، وجدت نفسها ضجرة من العيش سجينة الجدران وهى التى تعودت على العيش فى الصحراء التى لا نهاية لها، فما كان منها إلا أن هربت إلى واحة خضراء وخلعت خمارها معرضةً وجهها للشمس، فاخذت تتحول شيئاً فشيئاً إلى زهرة ذات رائحة شذية.. هذه الزهرة هي الياسمين. ومنذ ذلك الحين وزهرة الياسمين تعيش فى المناطق الحارة وتذكرنا بتلك البدوية التى أحبت الحرية والانطلاق أكثر من القصور، مثلنا نحن ياثريا.. أليس كذلك؟
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم