فاضل ثامر وخصوصية المقترب الحداثي

فاضل ثامر
وخصوصية المنجز النقدي

د. نجم عبد الله كاظم
(1)
مع تفتحي الواعي على النص الأدبي في بداية السبعينيات اخذت اعزز كثيرا قراءاتي للنصوص الأدبية، وخاصة القصصية والروائية العربية، بالنقد المشتغل عليها، او الهادي اليها. ومع ذلك النقد بدأ اعجابي وميلي الى اسماء مبدعين عرب يتعزز بانبهار باسماء نقاد عرب كان بينهم بعض العراقيين لا ابالغ اذا ما قلت انني لم افوت طيلة سنوات امتدت منذ تلك المدة حتى الآن الا القليل جدا مما كتبوه. من ابرز هؤلاء النقاد العراقيين: علي جواد الطاهر، وعبد الجبار عباس، وعبد الاله احمد، وياسين النصير، وفاضل ثامر.
في الواقع لقد كان لهؤلاء في ثقافتي، بل تعلمي النقدي شأن وفضل غير عاديين. وليس ذلك غريبا، فانهم مثلوا الجيل الذي كان وراء التأسيس الحقيقي للنقد الأدبي الحديث الحديث في العراق، وبخاصة حين تسلحوا بتأثر وتثقف غير عادي بالنقد الغربي، وبالنقد العربي الحديث الذي مثله نقاد مصر الستينيين بشكل خاص. فهذا النقد الذي نعنيه قد بدأ فعلا في المدة التي بدأ جل هؤلاء عطاءاتهم النقدية فيها، نعني الستينيات وبداية الستينيات. ولذا ليس غريبا ان يقول النصير نفسه عن فاضل ثامر، موضوع مقالنا: (انه احد الذين ظهروا ضمن موجة التحديث النقدي في العراق)، وانه بدأ عمليا نشاطه النقدي في النصف الثاني من الستينيات، في وقت لم يكن معروفا كثيرا غير الدكتور علي جواد الطاهر الذي بدأ في اواسط ذلك العقد ناقدا له حضوره الواضح والمؤثر. كما ليس غريبا ان يصير كتابه المعروف (معالم جديدة في ادبنا المعاصر) مرجعا ضمن المراجع التي لا نستغني عنها، خاصة في اهتمامنا بالقصة العراقية، الى جانب (في أدبنا العراقي المعاصر) لعلي جواد الطاهر، و (نشأة القصة) لعبد الاله احمد، و (القاص والواقع) لياسين النصير، وغيرها، بل اننا لنذكر مما اثر فينا في تلك المرحلة من دراسته المبكرة لرواية فرمان (النخلة والجيران).
(2)
لقد تهيأ لهذا الناقد ما مكنه من يقدم للنقد العراقي هذا الجهد، فقد تخرج فاضل ثامر في جامعة بغداد/قسم اللغة الانكليزية، فامتلك وبسرعة ناصية لغتين ما كان ليشتد عوده في الكتابة ويبدأ مبكرا باحتلال مكانة غير عادية في مجال النقد الأدبي بدونهما: الانكليزية حيث بوابة المنبع النقدي الحديث في ادواته وآلياته وتجاربه ومناهجه ومفاهيمه وصولا الى قدرة على قراءة النتاج الادبي العربي قراءة متأتية، والعربية حيث وجد فيه ميدان المنجز الابداعي الادبي الذي يطبع فيه نقده. كما فتحت له دراسته، خاصة من خلال اللغة الانكليزية، وعلى حد تعبيره، ابواب الثقافة على تنوعها الواسع. ومن هنا ايضا كانت من اولى كتاباته النقدية دراسات مقارنة، كتلك التي تناول فيها مسرحية (الحلاج) لصلاح عبد الصبور ومسرحية (جريمة في الكاتدرائية) لإلبوت، ومن الواضح انها كانت ضمن أبكر الدراسات المقارنة في العراق. بدأت رحلة الناقد بمتابعة كتب الشعر الابداع الادبي العربي المعاصر، وبخاصة في العراق، وكتابة المقالات النقدية التي تعالج النصوص الشعرية والسردية، وتكشف عن آليات النص الفنية والفكرية، ليصير بها احد اعلام الجيل النقدي المؤسس الذي ظهر كما قلنا ما بين منتصف الستينيات وبداية السبعينيات، الذي تأثر بالنقد الغربي، وبالنقد العربي الحديث من خلال اعلامه في الستينيات بشكل خاص. في الواقع ان مقالاته النقدية كانت تجمع بين التحليل وعمق الثقافة ودقة التشخيص النظري والفكري، مع أدلجة المنهج الاجتماعي تبناه، وهي هيمنة، وان لم تكن مهيمنة بشكل مطلق، جعلته يهتم، اضافة الى فنية العمل المتمثلة بالبنى والتقنيات، بالابعاد الفكرية والمضمونية للنصوص. مع هذا لم يرتض الناقد لنفسه بأن يرتبط او يتبع تنظيما او فكرا بشكل مطلق، بل فضل، ومارس وطبق ان يكون حرا يأخذ ويفعل ويطبق ما يريد. ولهذا كان الايقاع الذاتي واللمسة الخاصة، وسيبقيان طيلة مسيرته النقدية، في كتاباته النقدية، ولكن مع ميل حداثوي مبكر.
اما اول كتب فاضل ثامر فكان (قصص عراقية معاصرة) وقد اشترك في اعداده بنماذجه ونقده مع رفيق دربه النقدي الى حين ياسين النصير، مقدمين فيه قصة الستينيات من خلال ست عشرة قصة قصيرة، ودراستين نقديتين. وكان صدوره في سنة 1971. تلاه في سنة 1975 الكتاب المهم الذي اشرنا اليه سابقا، (معالم جديدة في ادبنا المعاصر)، اذ جميع فيه دراساته عن الشعر والقصة والرواية، التي كتبها خلال عقد سابق من الزمن. واذا لم يكن الناقد في كتابه هذا حداثويا بالطبع، لكون تيارات الحداثة لم تكن قد عرفت بنفسها بعد للناقد العربي، فإنه بالتأكيد لم يكن ناقدا تقليديا. والأهم ان الناقد ترك به طابعه الخاص في حركة النقد الأدبي في العراق، بالنفس والتوجه اللذين سيطبعان جل مسيرة فاضل ثامر النقدية، الى جانب ملامح مع اخر بالطبع.
(3)
ومن دون ان يبتعد عن جوهر رؤاه النقدية، ولا عن الأدب الذي يهتم به يجتاز الناقد، برأينا، في كتابه التالي (مدارات نقدية) 1987. اولى بوابات الحداثة كما صارت تعرف، وهو دخول عززه في كتابه التالي (الصوت الآخر) 1990. من خلال الرؤى والادوات والآليات والمدارس النقدية الغربية الحديثة. لكنه، مرة اخرى، لم يعرف عندنا بتبن واضح لأي منها بشكل مطلق يهيمن على نقده، كما رأيناه عند نقاد اخرين. لقد طبق او شغل او استفاد في تعامله مع النصوص الأدبية وخاصة السردية، من البنيوية والالسنية والاسشلوبية والسيميائية ونقد القراءة والتفكيكية وغيرها ما وجده كفيلا باستكناه النص وايصاله الى ابعد ما فيه، موفقا في ذلك بشكل خاص، وعلى حد تعبير الناقد نفسه، بين المهيمنات الخارجية على النص التي عرف بها النقد التقليدي، والمهيمنات الداخلية له التي كانت المناهج المستحدثة تأتي بها وتدعو اليها وتطبقها على النصوص الابداعية. مع هذا لنا ان نقول: يبقى لباختين، وتحديدا في اطروحاته عن الرواية المتعددة الاصوات، شأن خاص تمثل في تبن واضح لناقدنا، خاصة في كتبه الاخيرة، لطروحاته وتطبيقاها على الرواية العربية.
وتواصل مسار فاضل ثامر النقدي عبر مراحل وخطوات تطورية واعية مسلمة بضرورة التغيير عبر التعرف على الجديد، وتبن لما يتناسب مع قناعاته وما يراه في المناهج الجديدة، عندما تكون ادوات بيد الناقد، من قدرة على القراءة واستجلاء النصوص والنظر الى ابعد مما كانت تراه المناهج السابقة، ليبتعد في ذلك عن الجمود والاستلاب الذي قد يسببه تمسك المعاندة بالقديم، مع عدم الاستجابة للاغواء الذي كثيرا ما يمارسه الجديد. ولعل هذا يفسر اشتغاله على اكثر من منهج، ولكن دون الوقوع في الدمج غير العلمي بين المناهج، بل هو يستفيد بالمتاح منها من دون تحفظ مع بقاء الثوابت، على حد تعبيره هو الذي يقول ايضا: (عندما ادخل في داخل النص أبيج لنفسي الاستفادة من كل المناهج بما في ذلك التي تهتم بالقيمة وبما هو خارج النص). ومن جميل ما يسجل للناقد في مسيرته النقدية ومنجزه النقدي تعلقا بذلك كله هو انه من القلائل الذين لا يمارسون في تبني اللاحق من المناهج والأطروحات والمفاهيم اقصاء السابق، كما لا يمارسون في مثل هذا التبني اقصاء الاخر. لقد تمثل ذلك كله مثلا في اخر كتابين له، وهما (اللغة الثانية) 1994، و (المقموع والمسكون عنه) 2004.
وضمن الرؤية الواعية والممارسة العملية نجد الناقد لا يتبنى المفهوم او املنهج الجديد بمجرد قناعته به نظريا لذاته، بل بعد تشخيص ملاءمته لما يريد تطبيقه عليه او فيه، وهكذا فان تناوله لـ(المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي) في اخر كتبه، مثلا، انما يأتي برأينا تطبيقا عمليا وفاعلا لمناهج القراءة والتلقي، والقول بالفراغات في النص.
(4)
لا نريد ان نغادر الحديث عن ناقدنا دون المرور ببعض اهم ما قاله فيه الاخرون، ولكن لنر قبلا ما يقوله نفسه بإيجاز عن نفسه في واحد مما نراها أهم الحوارات التي أجريت معه، في 1/2005.
(لقد كان تأثير الاتجاهات النقدية الحداثية كبيرا على رؤيتي النقدية، فقد شرعت باختيار منهج نقدي شخصي منذ الستينيات يزاوج بين المنظور الاجتماعي والحس الانطباعي، الا ان اتصالي بتأثيرات الانفجار النقدي في العالم احدث نقلة في منهجي النقدي حيث أفدت الى حد كبير من الاتجاهات النقدية الحداثية مثل تأثيرات لسانية سوسير، وبنيوية رولان بارت وشتراوس، وتفكيكية دريدا، اضافة الى مناهج القراءة والتلقي المختلفة، الا انني حاولت ان اتجاوز لحظة الانبهار بهذه المناهج واجتراح منهج نقدي هو توليفة بين منظورين متعارضين: الأول هو التحليل السوسيولوجي للنص الادبي الذي ينتمي الى المقاربات الخارجية، والمنظور الشكلاني وينتمي الى اطار المقاربات الداخلية والنصية. وقد حاولت من خلال هذا المنهج الشخصي ان اتفحص البنى الداخلية للنص الادبي بطريقة المناهج الحداثية، ولكني لم اسقط الدراسة الاجتماعية للنص وسياقاته التاريخية والثقافية، ولم اهمل المحمولات المعرفية الخاصة بالمعنى والدلالة للنص الادبي) فاضل ثامر.
(يملك فاضر ثامر حرية اكبر وشجاعة في التفكير النقدي تغني القناعات الاساسية وتمنحها شخصية تومئ الى امكانات اصالة نقدية واضحة، ويملك طاقة الناقد المتمرس المخلص في استخلاص القوانين الادبية او عبر المعاناة الشخصية، فهو ناقد مخلص مثقف متمرس توفرت له عناصر الابداع النقدي) عبد الجبار عباس.
(تختزل سيرة فاضل ثامر النقدية سيرة النقد العراقي المعاصر، ويمثل لنا، نحن الجيل التالي له، صورة مصغرة لحركة النقد في الفترة الممتدة منذ الستينات حتى الآن، بكل ما له وعليه. ففاضل ثامر يقف في مقدمة النقاد الستينيين الذين حاولوا ان يؤصلوا نقدا عراقيا، دون ان يفضلوا الاستفادة من المنجز النقدي العالمي وحركته الدؤوب) سعيد الغانمي.
(قدم شرحا مفصلا لمدارس النقد الحديثة اسهمت في بلورة رؤية منهجية له تعتمد على اخضاع النص الأدبي الى منطلقات فكرية قد لا تكون موجودة في النص ولا في المجتمع. وتعد نقلته هذه واحدة من مهمات تحديث الوعي النقدي لدى القارئ التي شكلت مهمة من مهمات المثاقفة الفكرية بين تيارات نقدية وفكرية عالمية يمكن ان تجد لها صدى في النصوص المحلية. كان الناقد فاضل ثامر في العراق نموذجا للمثقف المتوازن بين اطلاع على النتاج العربي النقدي وعلى نتاج النقد الغربي) ياسين النصير.
واذا ما شاء للبعض اخيرا ان يطلق على الناقد فاضل ثامر لقب (شيخ النقاد العراقيين)، فان المنجز النقدي لناقدنا لتبرر له تماما استحقاقه لذلك.

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

دراسة عن دروب وحشية

تشكلات البناء السردي في رواية دروب وحشية للناقد نجم عبد الله كاظم أنفال_كاظم جريدة اوروك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *