عن رواية دروب وحشية

وقفات قصيرة جداً
عند روايات قرأتها


دروب وحشية: نجم عبدالله كاظم
بعد خمسة عقود من العيش وسط عوالم متخيّلة دارت فيها أحداث المئات من الروايات التي قرأتها، بدءاً بأول رواية وكانت “حمار الحكيم” لتوفيق الحكيم، عام 1967، بدأتُ سلسلة وقفات قصيرة مستلةً من كتاباتي المنشورة وغير المنشورة أو ملاحظاتي التي درجت على تسجيلها في المئات من البطاقات عن تلك الروايات. وهي وفقات بسيطة ولا أدّعي أنها نقدية، خصوصاً أن بعضها قد يعود إلى بداية العشرينيات من عمري، وغالبيتها وليست كلّها ستكون عند روايات عراقية. وقفتي اليوم عند رواية “دروب وحشية” (2007)، وهي للأكاديمي نجم عبدالله كاظم (ديالى/ 1951).


نجم عبدالله كاظم أكاديمي عراقي مختص بالأدب المقارن، ومهتم بالدراسات المقارنة والرواية والنقد، له أكثر من ثلاثين مؤلفاً في هذه المجالات وغيرها، وضمن ذلك له رواية واحدة، ولا يعد بها أنه روائي، وهي التي نتوقف عندها هنا.


“لم أكن أفكر بنشر رواية، كانت الفكرة هي أن أمارس كتابة رواية أكثر مني أن أكتب رواية. ما أعنيه بهذا هو، وقد حسمت توجهي نهاية السبعينيات من حيث التخصص نحو نقد الرواية ودراستها، أن أعيش تجربة الكتابة الروائية لكي أكون قريباً جداً من الروائي ومن عملية الخلق الروائي ومن أسرار هذا الفن عملياً، وليس أفضل في ذلك من أن أمارس كتابتها وهو ما بدأته فعلاً في وقت ما نهاية السبعينيات فرحتُ أكتب رواية لم أحدد حتى عنواناً لها.. وهكذا واصلت العملية مدة قد يصعب على أحد توقعها، فقد زات على العشرين سنة أكتب وأعيد، لتصل في النتيجة إلى (اكتمال) جعلني أفكر بنشرها، وهو ما فعلته. من كتاباتي الخاصة.


“خالَ الصراخ أول الأمر حلماً، لكنه أيقن، حين تكرر، أنه حقيقي. فتـح عينيه وراح يتنصت كأنه يريد أن يقنع نفسه بأنه واهم. لكن الصراخ تواصل مقطّعاً… وحين ازداد مختلطـاً بعويل وضجيج رفع رأسه أكثر، وهو لمّا يزل غير متأكد من أي بيت بالضبط يأتي. رأى إيمان تقفز من سريرها فزعة، وتهرع نحو السور لتمد برأسها من فوقه، وحين لم تر شيئاً التفتت إليه واقتربت منه، فرأى، في ضوء الغبش الذي افترش الكون، خوفاً مشوباً بنظـرة توسّـل ورجاء بأن لا يكون قد حدث ما يبدو أنها قرأته في عينيه. توقفت قرب سريره وهمست:

  • مـازن.
    أحس في صوتها غصة مؤلمة وقلقاً ممضاً. لم يدر إن كانت قد قصدت أن تسكت، أم قطعتْ كلامَها صيحةُ والدتهما على السطح الآخر وهي تكلم إحدى الجارات بفزع:
  • ماذا هناك، عيني أم فوزي؟
    اعتدل وهو يسمع إيمان تتمتم بهلع:
  • يا رب استر.
    تناهى إليهما صوت أم فوزي من بعيد ليضرب آذانهم بقسوة:
  • خطية سمية أحرقت نفسها.
    أطلقت إيمان آهة مكتومة، وركضت باتجاه باب الدرج وتوقفت عندها حين ردت الأم بشهقة:
  • لا يمة.. وهل ماتت؟
    … وحين نزل في كامل ملابسه نظر إلى أمه وهي تضع عباءتها على رأسها وإلى أخته التي كانت تنظر إليه بعينين غارقتين بالدموع. لم يجد حاجة إلى السؤال. اعتصر قلبَه ألمٌ وضيق. ودون أن ينبس ببنـت شفة توجّه نحو الباب الخارجي ليرمي بنفسه إلـى الزقاق الذي كان لا يزال غارقاً في ظلام الغبش.. أحس تلك اللحظة، وهو يواجه العالم غير الواضح، أنه بحاجة الى شـخص ما… وأن يُسمِعَه ما يتفجر في داخله من رؤى ومُثُل وأفكار عن العالم والناس والأشياء، كانت نائمة من سنين عديدة.. عديدة، بل من عصور سحيقة، كان يحسها قد أخذت في الأيام الأخيرة تتململ، لتندفع هـذا الصبـاح على دوي صرخة صرخها أحدهم أو أحداهن، لا يدري، وكأنها كانت تعنيه هو بالذات… راح يستجمع صوراً وأفكاراً شتى، لكنه لم يكن قـادراً على ترتيبها، فهي كانت تنهال عليه انهيالاً”.

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

عن رواية الضفة الثالثة

وقفات قصيرة جداًعند روايات قرأتها الضفة الثالثة: أسعد محمد عليبعد خمسة عقود من العيش وسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *