وقفات قصيرة جداً
عند روايات قرأتها
المخاض: غائب طعمة فرمان
بعد خمسة عقود من العيش وسط عوالم متخيّلة دارت فيها أحداث المئات من الروايات التي قرأتها، بدءاً بأول رواية وكانت “حمار الحكيم” لتوفيق الحكيم، بدأتُ سلسلة وقفات قصيرة مستلةً من كتاباتي المنشورة وغير المنشورة أو ملاحظاتي التي درجت على تسجيلها في المئات من البطاقات عن تلك الروايات. وستكون غالبية وقفاتي وليست كلّها عند روايات عراقية. وقفتي اليوم عند رواية “المخاض” (1974)، لغائب طعمة فرمان (بغداد/ 1927-1990).
غائب طعمة فرمان: يكاد النقاد والدارسون ومؤرخو الرواية العراقية يُجمعون على أن غائب طعمة فرمان هو رائد الرواية الفنية في العراق، وروايته الأولى “النخلة والجيران”- 1966- تقسم تأريخ الرواية العراقية إلى ما قبل وما بعد. ومن أشهر رواياته إلى جانب هذه الرواية الرائدة، “خمسة أصوات”- 1967- و”المخاص”- 1974- و”ظلال على النافذة”- 1979.
“يعود (كريم)– بطل الرواية– إلى الوطن بعد ست سنوات من الغربة في المنفى الذي ربما يكون قد اضطر إلى اختياره من قبل، ليجد أن عائلته، أباه وأمه وأخاه، قد اختفت بعد أن أُزيلت محلتهم القديمة كلياً، وهو المظهر الأول الذي يجابهه من التغيرات في نواحي الحياة العمرانية والاجتماعية التي حدثت بعد ثورة وقعت قبل ذلك. ومن هذه النقطة يبدأ الخط الرئيس للرواية، بمعنى أنها رواية بحث (كريم) عن عائلته، وسط التغيرات التي يكون بلده قد أخذ يعيشها بعد الثورة، والتي سرعان ما يجد نفسه تحت تأثيرها بإيجابياتها وسلبياتها، وتبدأ ردود أفعاله تتشكل تجاهها. إن هذه التغيرات، ولاسيما ما يمس منها البنيتين الاجتماعية والسياسية، منظوراً إليها من خلال عيني مغترب عائد يبحث عن مكانه في المجتمع المتغير والمتطور وإلى حد ما الجديد، هي موضوعة الرواية، التي يعكسها الخط الرئيس المتمثل في هذا البحث المضني لهذا المنفيّ العائد عن مكانه في المجتمع.” من كتابي “الرواية في العراق 1965-1980 وتأثير الرواية الأمريكية فيها.
“ليست غربتي كلها شراً وقطيعة. لقد تعلمت منها الشيء الكثير. فهي على الأقل جعلت للوطن في عيني معنى لم أعرفه طوال حياتي على أرض الوطن، وهو الانتماء. كنت أحس، وأنا على بعد آلاف الأميال، بأنني منتمٍ إلى قطعة أرض، هي التي خلقتني، وجعلت لي هذه البشرة، وهذه اللغة، وهذا المزاج، وهذه العادات، وهذه التطلعات، وهذه العيوب. وأنا- لابد– عائد إليها يوماً… وها قد عدت…” من رواية “المخاض”، لغائب طعمة فرمان، ص161.
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم