عن حوار مع علي جواد الطاهر

عن حوار مع
علي جواد الطاهر

د. نجم عبدالله كاظم
لا شك أن اختلاف الراي مسألة طبيعية في الحياة، قبل أن تكون في الأدب، وفي مجالات الثقافة والفكر المختلفة. وتبعا لذلك فإن حرية الرأي والدفاع عنه طبيعية أيضا. ولكن هل يعني هذا أن نقول ما نشاء، وكيف نشاء، وبدون مراعاة لأصول ولياقة مناسبة؟ بالتأكيد لا.
من هذا السؤال وجوابه، ينبثق موضوعنا القصير لنعلق فيه على مقال “تساؤلات حول حوار في النقد القصصي العراقي” المنشور في صفحة (ثقافة) من جريدة (الجمهورية) العراقية في يوم 19/3 تعليقا على الحوار الذي أجراه، مع الدكتور على جواد الطاهر، القاص أحمد خلف في مجلة (الاقلام). فإذا كان العنوان لا ينم عن نقص في أصول الحوار والاختلاف والموضوعية فإن الموضوع نفسه، في أسلوبه وفي محاورته للناقد الكبير وفي تلميحاته غير اللائقة ليفتقد ذلك بشكل صريح وواضح. وهو ما لم نكن نتوقع أن يصدر عن أديب شاب مثل القاص زيدان حمود، مع أستاذ جليل كبير متفرّد بكل معاني النقد والأدب والأكاديمية كالدكتور الطاهر الذي لم يعد الذين يحترمون الأدب والنقد ينكرون فضله وأستاذيته على الأدب العراقي وأدبائهز وإننا إذا كنا نسلّم بأن بيدي القاص الشاب ما أبداه آراء، في مقاله، فإنه لعيب، بكل المقاييس أن ينجز وراء بعض المتعالمين، ليخاطب أستاذاً جليلا بأستاذية غير مبررة، حين يقول مثلاً وكأنه يخاطب مجموعة من التلاميذ:
“النص الحديث نص عميق إنساني يحمل شفراته المبثوثة عبر عوالم دفينة قابلة للتحليل والتأويل، وهذا ما يكتشفه النقد الحديث”. وإننا لنتساءل مشدوهين ومستغربين: كيف يصدر خطاب بهذا الأسلوب التعليمي من كاتب لمّا يزل يختطّ طريقه ويتلمس مواطئ أقدامه، بدلاً من التماس العون في رؤية مواطئ الأقدام هذه، من هذا الذي يوجه إليه خطاب؟ الواقع أن أسلوباً مثل أسلوب زيدان حمود يجعلنا نتيّقن من صحة تشخيصات الطاهر نفسه حين يلتفت إلى النابه من الكتّاب، ومن الطبعي أن يكونوا قلّةً، وإلى المتميّز من الكتابات، ومن الطبيعي أن لا تكون كثيرة جداً، ونفهم أيضاً تجاوزه لعدد غير قليل من الكتّاب حين لا يجد لديهم وفي كتاباتهم ما يثير أو ما يعد به. فلا أمل فعلاً في كُتّاب يتجرؤون على الكتابة بطريقة التي كتب بها صاحب المقال. فهي تنم عن ابتعاد عن الموضوعية وتعالٍ على ما يفيد، وعن خلوّ من محاولة تلمس الحقائق، والعمل على تجاوز ما يؤخذ عليه فيها. في الواقع، هنا بالتحديد تتجسد المآخذ الرئيسة على بعض كتّاب اليوم: عدم احترام الرموز الكبيرة في حياتنا الثقافية، وافتقاد تقاليد الكتابة، وانعدام اللياقة، مع المكابرة والإصرار على السير في الطريق الخاطئ.
إننا حين نقول ما نقوله رداً على زيدان حمود- ونحن بالتأكيد لا نعنيه هو فقط، بل الكثير من أدباننا الشباب، وتحديداً في تشكيلهم فيما نأخذه عليهم ظاهرة. كما نتمنى عليهم أن يحتكموا إلى الموضعية ويبتعدوا عن حساسية الذات إزاء من تزيد خبراتهم ومواهبهم ومقدراتهم على أعمار هؤلاء الشباب. كما أننا حين ننطلق في هذا من منطلق الإجلال لمن يستحق الإجلال، الدكتور علي جواد الطاهر أستاذا ومعلماً وراعياً، فإk ذلك لا ينعني بالضرورة اتفاقاً معه في كل آرائه وتأييدنا لكل ما يذهب إليه. ولكن أن نختلف معه شيءٌ وأن نتجاوز فضله ومكانته ودوره في حياتنا الثقافية وفي مسيرة الأدب شيءٌ آخر. فأليس غريباً أن يتهم أديب مثل زيدان حمود أستاذا كالطاهر بعدم القدرة على الاستمرار والتجديد، وهو ما ينطوي عليه قوله رداًّ على الطاهر: “إن الأدب الحديث بحاجة إلى لغة جديدة وإشارات دفينة بيثها النص الذي يبعث في المتلقى حالة الاستقرار”، ويتهمه بالتوقف وعدم التطور والتجاوز، وهو ما ينطوي عليه قوله: “اعذرنا لأننا لا نستطيع أن نقف في حدود ما وقفتم عنده”، فالجميع يعلم كم الطاهر متطور ومتجدد. ولكن نعود لنقول مرة أخرى: التطور والتجدد شيء، والانفلات وعدم الارتكاز على أسس وتقاليد شيء آخر.
إن زيدان حمود لا يكتفي بالاستنكار المتعالم لآراء الطاهر، بل يخطئ قي فهمها. فالطاهر مثلاً لم يهمل كتابات ما بعد الستينيات، كما بدا ذلك لزيدان. فمن بين ما يقارب الخمسة والعشرين أو الثلاثين قاصاً الذين تميزوا خلال السبعينيات والثمانينيات- وبغض النظر عن انتماءاتهم الجيلية- كتب ناقدنا عن أكثر من نصفهم، من أمثال التكرلي وزنكنه والعبادي وأحمد خلف وعلي خيون ومحمد خضير وهشام الركابي وعبد الخالق الركابي. ولا نظن أي غيره قادر على فعل ذلك دون الخروج عن حدود الدقة والموضوعية والعلمية التي ميّزت كتابات الطاهر مع غزارتها. أفلا يكفي هذا من ناقدنا الكبير ليرضينا ويرضي زيدان حمود، وهل الأمر يبقى غير مرض لنا إلا إذا تناول كتاباتنا؟ ثم هل كثير على ناقد كالطاهر، يمتلك نصف قرن من الكتابه والبحث، ليكون له موقف خاص من هذه الطريقة أو تلك من طرق الكتاب، ومن هذه الدراسة أو تلك من المدارس النقدية؟ أما أن لا نتفق معه في مثل هذا، فلا نظن أن الطاهر ينكر علينا ذلك، كما ليس لنا ان ننكر عليه ذلك. يبقى أن أستاذنا الجليل لم يسفّه رأيا أو مدرسة، بل وجد بعضاً غير ملائم لأدبنا- وربما ضمن مراحل معينة- إذ يقول في الحوار الذي أثار زيدان حمود: “إننا في العراق ما بنا حاجة إلى ما وصل إلينا من نشاط فرضه أصحابه على أنه نقد جديد”. ولنتامل تعليميه زيدان حمود وتعلّله به ليعلق على هذا الكلام الدقيق بإطلاق لا ينم على أنه قد فهمه، يقول: “فنحن بأمس الحاجة الى نقد علمي جاد”، وكأن نقد الطاهر يفتقد العلمية والجدية، جاهلاً أو متجاهلاً أن غالبيه النقاد الذين ذكرهم على أنهم النقأد العلميون لدينا هم من تلامذه الطاهر نفسه ومن الذين يقرّون بفضله وأستاذيته عليهم، مثل الصكر وعلى عباس عدوان وعبد الجبار عباس وضياء خضير.
بقي أن الأدباء الشباب لا يحتاجون إلى دعوة الرفق بهم، كما دعا زيدان حمود. فالموهبة الساطعة لا يحجب نورها أحد، ومؤكد أن الطاهر لا يحتاج إلى مثل هذه الدعوة، فهو ربما أقرب إليها من بعض أصحابها، والدليل على ذلك متابعاته المتواصلة حركة الكتابة الإبداعية.
جريدة (الجمهورية)- بغداد، 1996

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

دراسة عن دروب وحشية

تشكلات البناء السردي في رواية دروب وحشية للناقد نجم عبد الله كاظم أنفال_كاظم جريدة اوروك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *