شاكر جابر: الأيام المضيئة
دراستي عن الرواية في كتاب “التجربة الروائية في العراق في نصف قرن”
العمل الأخير الذي يستحق الدراسة من بين الأعمال الروائية أو القصصية الطويلة التي ظهرت في سنوات ما بعد الثورة، هو “الأيام المضيئة”- 1961- لشاكر جابر. ومع أن الكاتب لم يكن قد نشر قبل روايته شيئاً يُذكر، فإنه استطاع، في هذا العمل، وكما يقول الدكتور عبد الإله أحمد، أن يقدم رواية “تمتاز بميزات خاصة، جعلت منها عملاً فريداً، أصيلاً في تاريخ الأدب العراقي الحديث، لا يقرأها القارئ، وقد يقرأها أكثر من مرة، إلا ويحس بانفعال متصل على مدى قراءته، هو الانفعال بالحياة المتدفقة التي نجح القاص في إشاعتها فيها، وفي قدرة هذه الحياة على أن تأخذ القارئ إلى جوها، لتعرفه على عالم غني يمتلئ بالمثل والحب والتضحية، ويمور ويصخب بالانفعالات الإنسانية، التي تؤكد قيمة المثل في الحياة الإنسانية، والتضحية من أجلها”(). فلنتعرف أولاً على مضمون الرواية.
(محمود)- بطل الرواية- شاب يأتي من الناصرية، المدينة العراقية الجنوبية الصغيرة، على بغداد، المدينة الكبيرة الصاخبة بلك ما تعرفه الحياة، ليدخل الجامعة، وهو يحمل معه خلفيته البسيطة المحدودة ثقافةً وإطلاعا ووعياً وتجربةً. وسرعان ما يجد (محمود) نفسه في ما يشبه التيه في مجتمع جديد عليه في كل شيء. ومن هذه المرحلة يبدأ خيطان اثنان ينسجان مسيرة حياته الجديدة، ويكونان معاً الخيط الذي يؤلف نسيج القصة، الحب الذي توقظه فيه زميلة في الكلية، والسياسة التي تثيرها فيه عوامل عديدة هي: أولاً، شخصيات معينة هي صديقه القديم (زكي) الواعي والواسع الإطلاع والمثقف وصاحب التجربة في ذلك، وزملاء الدراسة، وأصدقاؤه الجدد من غير الطلبة ولاسيما (وهاب)، و(مديحة) الفتاة التي يقع في حبها؛ وثانياً، مفردات العالم من حوله: أناس بغداد الذين أخذ يرى المعاناة في حياتهم، وفيضان النهر الذي يكتسح مناطق الفقراء، وما راح يقرأه من كتب وصحف. “ولقد كان توفيق القاص كبيراً، حين وحّد بين هذين المسارين اللذين أخذ تفَتُّحُ وعي القاص على الحياة طريقه فيهما… وهكذا أصبحت القصة لذلك ليس قصة حب رومانسي ساذج… ورغم ما شاب عواطف البطل الشاب تجاه حبيبته من رومانسية واضحة… كما أصبحت، لذلك أيضاً، ليست قصة سياسية، تتوسل بالشعارات والخطابية لإدانة نظام حكم، شأن هذه القصص التي اتجهت اتجاهاً واقعياً سياسياً، رغم أنها اتجهت أيضاً إلى تحقيق هدف سياسي”().
لقد كان لهذين الخطين أن خلقا من (محمود) إنساناً جديداً، واعياً سياسياً وثقافياً، ومحباً صادقاً وعفيفاً في حبه، مع أنه لا يجد استجابة من (مديحة) لهذا الحب. لكن هذا الإنسان الجديد يلاقي غير ما كان ينتظر له، فيفصل من الجامعة كما نفهم من الفقرات الأخيرة من الرواية حين يلتقي البطل بالفتاة التي كان يحبها، والتي تكون قد تزوجت قبل ذلك من زميل لها كانت على علاقة به أيام الكلية. يلتقي الاثنان في قطار يتجه إلى مكان ما حيث السجن الذي يكون أخو صديق (محمود)، (زكي)، وأخو (مديحة) معتقلين فيه.. وفي سطر أخير، يضع الكاتب النهاية المفتوحة لقصته.. “وظل القطار يسير ونحن نستعيد ذكرياتنا.. وأيامنا المضيئة”(). وتترك هذه الجملة الأخيرة، التي هي خاتمة إحدى أجمل النهايات التي قرأناها في القصص والروايات العراقية، أمرَ استنتاج ما يمكن أن يكون من شأن البطلين، بعد انتهاء الرواية، إلى القارئ. ومن تأتي أسئلة د. داود سلوم الآتية وتعليقه عليها: “ماذا حدث لهما؟ هل التقيا؟ هل تزوّجا؟ فالكاتب تركك تحدس إلى الأبد مثلي. وإني لأفكر كلما تذكرت ذلك الحديث اللذيذ الذي دار بينهما، أفكر الذي حدث! وهذا سر من أسرار الفن القصصي”().
إذا كان مما يؤخذ على القصة الاختزال الذي حال ما بينها وبين أن تأخذ مداها الروائي، وما قد يكون عدم الإقناع في بعض مفرداتها، وخصوصاً بعض شخصياتها، فإن ذلك لا يحجب أبداً إيجابياتها. إن شاكر جابر يوفق في تقديم عمل ناجح قاده من البداية بتأنٍّ وسيطرة شبه كاملة، لولا بعض الاستطرادات الزائدة التي لا تقدم للعمل بقدر ما تسلبه، مع أن العمل- كما قلنا- يبدو مركّزاً حد الاختصار. وباعتقادنا أن الكاتب لو كان قد هيّأ لعمله امتداده الطبيعي، ولو كان قد استطاع أن يتجاوز المآخذ القليلة لقدم واحدة من أفضل الروايات العراقية الفنية المتكاملة.
شاهد أيضاً
دراسة عن دروب وحشية
تشكلات البناء السردي في رواية دروب وحشية للناقد نجم عبد الله كاظم أنفال_كاظم جريدة اوروك …
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم