| ميسلون هادي تسرد حلمها الوردي تحت ظلال المدرعات سرد حسي يلمس الجروح الضامرة مؤيد داود البصام جريدة الزمان، لندن، 18-1-2011 ما يوقفنا علي رواية القاصة والروائية ميسلون هادي الصادرة في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات عام 2009 ب (146) صفحة من القطع المتوسط، باسم (حلم وردي فاتح اللون)، التي تمثل مع ما صدر من روايات وإعمال ذات طابع مقاوم، وليس قص عن حالة او سرد خالي من القصدية لنقل التجربة الجمعية وليس الذاتية ، أمثالها (الظلال الطويلة) لأمجد توفيق (وما بعد الجحيم) لحسين سرمك و(الحفيدة الأمريكية) لأنعام كجه جي، والسيرة الذاتية الروائية (هيأت لك إقليما) لوداد الجوراني ، والسيرة الذاتية المشوبة بالمذكرات الشخصية (قيامة بغداد) لعالية طالب، وما بين السيرة والمذكرات (أحلام امراة نائمة) لانتخاب عدنان، و (سيدات زحل) للطفية الدليمي وآخرون، ولهذا فان رواية (حلم وردي فاتح اللون) وما ذكرناه وما لم نذكره من عناوين لاعمال صدرت ما بعد الاحتلال تنضوي ضمن أدب المقاومة، الذي ينكره ماسحي الأرض أمام المحتل. عنوان الرواية يخفي دلالة المعني الذي ذهب اليه النص،(حلم وردي)، يحمل فنتازيات الرؤية بخصيصة اللون الذي يستعمل للفرح والبهجة والنشوة، وفيه من موسيقي الحواس ما يجعل الرائي يعيش لحظة الحبور، لكن الكاتبة تستدرك للتوضيح علي هذا التشكيل الجمالي بالقطع في تكملة جملة العنوان ، فتقول (فاتح اللون) وهو ما يعني أنه لم يأخذ الإشباع اللوني فظل اللون الأبيض البارد هو السائد وخفت اللون الأحمر لضعف تدفق الدماء التي تجدد حيويته، إذا كان رسما حديثا او رسما جاءت عليه عاتيات الدهر نتيجة الإهمال فبان باهتا، وبما أنها تنقل لنا حدثا لم يجف حبر كتابته، او ما أريق من دماء لحظة حدوثه، سيكون تحليلنا أبتداء من الرأي الأول ، لم يأخذ حالة الإشباع الكامل، بالأخص وهو يؤرخ إلي الحلم الوردي الذي تركته العلاقة الروحية والعاطفية مع ياسر الشخصية الموازية في الراوية، وهي محاولة لجلب الانتباه إلي الجانب العاطفي من الحدث، وتوهمنا في العنوان عما تريد أن تقوله في خطابها السردي، من أحداث الرواية التي تمثل القاعدة الكلية للمنحي السردي بما حملته من آلام وأحداث تؤرخ حياة شعب تحت الاحتلال، وتنحاز في عنوانها إلي جزء من الأهوال التي عانتها خلال وجودها في البيت الذي استأجرته بعد عودتها من ليبيا عندما كانت تعمل مدرسة هناك، ووقت ظهور ياسر وأمه في حياتها، وعلي الرغم من أن العنوان ينحاز إلي الحدث الدراماتيكي في حياة البطلة الذي حول منحي السرد، من وصف لحالة الاحتلال، إلي تجاذب عاطفي بني وجوده من خلال الحدث الذي حول الكيانات البشرية والأشياء إلي وجهة غير وجهتها، وهو ما يجعلنا نري، أن مجموع الإحداث والتضمينات، هي الأساس في البناء السردي الذي أرادت الكاتبة أن توصل خطابها الينا، و ما عاشته من أحداث جسام في زمن محدد وفي مكان محدد، يشكل الأهمية لمضمون عالم رواية (حلم وردي…….) كما سنأتي لاحقا علي ذلك.وبهذا يتخلي العنوان عن تسيده في حركة السرد كونها قصة عاطفية او سرد ذاتي، بإعادة الأصل إلي المتن الحكائي بأنها تروي قصة الاحتلال ووقائع هذا الاحتلال المقيت، وليس قصة الحب، الذي ولدها حدث الاحتلال وقتلها قبل أن تنمو، فجعل الحلم الوردي باهت، ضاعت حرارته وخبا لونه، بفعل من قتل الأحلام. تحمل الكاتبة نصها وظيفة حمل الرسالة في متنها وبنائها الحكائي ، والسرد يقوم بمهمة عمليات تحريك داخلي لمواضع العناصر، الرواية تسرد الحياة عبر لقطات غير مباشرة تنساب بروي تلقائي عن الحياة في بغداد قبل وبعد الاحتلال، من خلال الحوار الايحائي الذي تجريه مع الآخرين او في التضمينات التي تسردها، والعناصر في داخل النص هي لدعم موقف الوظيفة الأساسية وتبيان تحولاتها ، وهذا التحول الداخلي لمواضع العناصر التي لجأت إليها الراوية، تكثيف للحدث وإعطائه البعد المتداخل بين الحلم والواقع، بين الماضي والحاضر، وهي في استخدامها تقنيات القص والتداعي والتضمين، انما أرادت أن تجمع العناصر المبعثرة والمتعددة في وحدة واحدة، نحو هدفها الأساس (ماذا فعل بنا الاحتلال) وليس ما فعلناه نحن بأنفسنا كما أراد الاحتلال وأعوانه إيهامنا، وفي حوارها مع ألحدائقي عمار الذي يشير لها بالرمز كونها اللغة السائدة بعد الاحتلال والمفهومة لديه، ويظن أنها هي الأخري تعرفها ” أتفهمين قصدي؟ من الجماعة. لم أفهم قصده، ولن يحدث هذا أبدا، في زمن أصبح فيه الفهم عديم النفع وغير ذي بال. ” ص44….ثم تعود بعد فترة غير طويلة لاستخدام نفس المصطلحات ان كانت للسخرية، أو للاستعمال المتداول. عندما تتحدث مع الصباغ تحسين ” قال أية جماعة ؟ ضحكت وقلت: بكيفك.. الكل جماعات… ولا أحد يسال او يريد أن يسأل.” ص55، انها تروي عن زمن التحولات ان قبلنا به أو رفضناه، فاننا في نهاية المطاف سنؤمن بالواقع الذي فرض علينا، وفي آخر المطاف تؤمن بالتقسيم، بجماعتين المحتل وأعوانه جماعة، وشعبها وأبناءه الغياري جماعة، ” ولكن هذا لم يمنع من أن تجعلني أشعر باننا جماعة واحدة أمام هؤلاء الغرباء، وبان علي أن أحميه من هؤلاء الطارئين. ها هم، مثل شهر أذار المهذار الذي جاءوا فيه، يدخلون كالنمور ويخرجون كالحملان. ” ص142 ، فهي بمحاولتها جمع هذه القصص المبعثرة والروايات التي تشاهدها أو التي تروي لها، تجعل منها الذخيرة الأساسية للمتن الحكائي، فهو نص روائي شامل، حاولت كاتبته أن تلم بطريقة فنية بمجمل الظواهر الغريبة والشاذة التي برزت علي السطح وقلبت حياة المجتمع العراقي رأسا علي عقب، ولم تهبط في جميع الفصول إلي مستوي التقريرية والمباشرة، علي الرغم من تشعب النص، وحاولت أن تطوع اللغة وتبتسر في الإحداث، لتزيح المباشرة عن سردها، بواقعية شديدة التعبير. الحوادث والفواجع الرواية ليست سيرة ذاتية بالمعني الدقيق لوقائع البطلة والراوية، (فاديه) بالرغم من أنها شاركت شخصيا في أغلب الحوادث والفواجع وأقساها، بشكل مباشر او عبر المشاركة الجماعية، خصوصا إذا عرفنا أن الكاتبة اسست الرواية علي مكان واقعي سكنته فترة من الزمن، وما قدمته الرواية هو جمع الحكايات والقصص المبعثرة، لتكشف لنا عن بشاعة الاحتلال ليس بمفهومه عبر القوة التي جاء بها وأستخدمها لإسقاط نظام واستبداله بنظام أفضل كما ادعي، عبر اعلامه ( جاء من أجل خلق جنة للشعب العراقي، وإخراجه من الجحيم الذي يعيشه)، والتي ظهر بعد الاحتلال، ان ما جاء به المحتل الجحيم بأبهي صوره، والشر الذي نشره في أعماق المجتمع ليقطع أوصاله، وهو ما تعبر عنه أم ياسر حينما تصرخ في وجه الحرس الوطني الملثم” أنت عراقي وأنا عراقية…لاتدع هذا الأمريكي يفرق بيننا ” ص66 ، إيضاح للبعد الفكري الذي أرادت الراوية أن توصله لنا، وكما يقول توشفسكي ” أن المتن الحكائي يمكن أن يعرض بطريقة عملية، حسب النظام الوقتي والسببي للإحداث، وباستقلال عن الطريقة التي نظمت بها تلك الأحداث و أدخلتا للعمل، في مقابل المتن الحكائي الذي يتالف من نفس الأحداث، بيد أنه يراعي نظام ظهورها في العمل، كما يراعي ما يتبعها من معلومات تعينها لنا ” ، نظرية الاغراض، نصوص الشكلانيين الروس ص 180، أما المبني الحكائي للسرد الروائي الذي لجأت إليه، هو القصة نفسها علي المستوي الفني، أنها تقتنص حدثا أو أحداثا، فيهم سحر السرد القصصي في تبيان خفايا لا يمكن إدراكها ظاهريا، تجسد عوالم مادية غير مرئية من الهواجس التي تنتاب المرعوب والخائف، ” ولشدة ما تملكني الجزع، كنت أنظر إلي وجه أحدهم الذي كان يوجه لي كلمات قبل خروجه، وكلماته تصل إلي سمعي، ولكني لا أفهمها من الذهول والقلق ” ،ص67. تنقل لنا ضياع المرعوب في لحظة الكشف عن ضعف الإنسان، ان الرواية تنطلق من أساس ثابت كما تؤمن به الكاتبة، أنهم شعب واحد، ولكن المحتل واعوانه من يسمون أنفسهم عراقيين، احالوا كل شئ الي رعب وخوف وهواجس، من أجل أن يسيطروا علي الشعب ويسقطوا مقاومته للمحتل بالصدمة والترويع. تروي لنا ميسلون حكاية الأستاذة (فاديه) في كلية الزراعة التي غادرت العراق للعمل في ليبيا، بعد أن ضاقت الحياة بالعراقيين نتيجة الحصار الذي فرضته أمريكا والعالم الغربي وشاركهم حكام الدول العربية في ذلك الوقت لتركيع العراق، وخنقه وجعله يرضخ لما تمليه عليه القوي الرأسمالية، والذي سيؤدي هذا الحصار الخانق إلي ما أريد له، وهو تخلي الكثير من العراقيين عن مبادئهم وتمزيق مجتمعهم، وتردي الاوضاع الاقتصادية، وتفشي الفساد الاداري والمالي، وتعطيل الكثير من البني التحتية، وسوء الخدمات، وصولا إلي لحظة الاحتلال وقبول بعضهم فكرة الاحتلال بعد أن ضاقت بهم السبل، وبسبب عدم وضوح الرؤية للقيادات العراقية وتمسكها بالسلطة، استطاعت هذه القوي من احتلال العراق بالسهولة التي شهدناها في الغزو الأمريكي الأخير، وميسلون في روايتها تروي لنا هذا الحدث عبر الرمز والتورية، تفصح عنه بعض الأحيان وتخاتل أحيانا أخري للضرورات الجمالية في الخطاب، وعند عودة فاديه من ليبيا، لا تستطيع من سكن دارها الذي كانت تسكنه مع أهلها، ويقع في المناطق الساخنة التي جعلها الطائفيون وأعوان المحتل للذبح والقتل، فتنقذها صديقتها التي كانت تعمل معها في ليبيا (سارة)، لتشير لها باستئجار البيت الشاغر بسفر أهله، وهو في الحقيقة بيت عم سارة الذي ترك العراق هاربا إلي سوريا، وفي وحدانيتها في البيت تكتشف وحدانية المجتمع الذي كان صاخبا وحركته الدائمة، بما يرمز له جرس الباب عندما كان يقرع وباستمرار” فهذا الجرس المنطوي الصامت منذ سبع سنوات يبدو أنه نطق وقال كلمة حق” ثم تستطرد لتوضح سبب سكوته ” عافوه وخرجوا فرارا من النار والدمار إلي الشتات وبلدان الجوار..” ص6 ، ركزت نقطة الدلالة والرمز في بؤرة مكانية محددة، البيت الذي أستأجرته والشارع الذي تسكنه، وتشعبت من خلالهما إلي المدينة (مدينة بغداد) وما يحدث فيها، ثم تتحول لشمول العراق ككل فيما يحدث، وهو نفس الخط السردي الذي اتخذته بطريقة اللامباشرة لتوضح حقيقة التجانس والالتحام الاجتماعي الذي يتكون منه المجتمع العراقي والذي كان يعيشه العراقيون قبل الاحتلال، ولكن بعد تسلم أعوان المحتل زمام السلطة، انهارت قيمية المنظومة الاجتماعية، بفعل ما جاء به الاحتلال وأعوانه ، ومحاولتهم خلق منظومة قيميه اجتماعية واقتصادية وفكرية جديدة، وتتعرف خلال وجودها علي جارتها ختام الصابئية، التي رفضت ترك العراق عندما طلب خطيبها أن تلحق به، وتعرف عمار الفتي الذي يعمل حدائقي في بيوت الشارع من أهالي الديوانية، والصباغ تحسين الذي أمضي سنين عمره يزين بيوت الشارع من مدينة البصرة، وصولا إلي الحدث الدرامي بمجيء عمار وأمه لاجئين هربا، لان عمار مطوب القبض عليه في مدينة الموصل، وخلال المعاناة من جراء تكرار التفتيش للشارع والبيت من قبل القوات الأمريكية والحرس الوطني العراقي المصاحب لهم، وما يرافق هذه المداهمات من رعب وخوف وخصوصا الخوف علي ياسر من الاعتقال في نفس الدار كونه مطلوبا، مما يعني اتهام كل من في البيت بالمساعدة علي ايواء هارب، ويتداخل الخوف والرعب لتكتشف ميلها العاطفي نحو ياسر . إن رواية حلم وردي فاتح اللون، للقاصة والروائية ميسلون هادي تتمثل فيها العبارة التالية ” لايكفي أن يكون الفنان خبيرا بالعالم بتمظهراته الخارجية والداخلية معا، بل لابد أن يكون قد خامر قدرا كبيرا من المشاعر الكبيرة، وان يكون قلبه وروحه قد أهتزا وانفعلا بعمق، وأن يكون قد عاش وعاني كثيرا، قبل أن يغدو مؤهلا للتعبير في أشكال عينية عن أعماق الحياة التي لايسبر لها غور “. هيغل، فكرة الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت. 1978. ص295. |
شاهد أيضاً
عند شاي العروس
عند “شاي عروس” (ميسلون هادي) د. حسين سرمك حسن منذ ما يقارب عقدين من الزمن …
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم