حلم وردي فاتح اللون – حسين سرمك (الجزء الثاني)

حلم الشدائد الفاجعة وردي … وفاتح اللون (2-2) / حسين سرمك حسن
د. حسين سرمك حسن   
تحليل رواية (حلم وردي فاتح اللون) للمبدعة ميسلون هادي    الجزء الثاني جريدة المثقف العراقية23 -12 -2010   # وقد قلت كثيرا أن ما أسميه ” الفسح السردية التأملية ” تشكّل جزءا أساسيا من روح العمل الروائي . هذه وقفات بين الوقائع يتأمل فيها الكاتب المعاني الوجودية والكونية – وحتى المعرفية – العميقة، ويغوص في طبقاتها المظلمة، ليمسك بدلالاتها المحيّرة، ويفتح أمام بصيرتنا – لا بصرنا – كوى لإطلالة موجعة على تساؤلات الوجود المربكة . هذه الفسح أربكت الكثيرين من الروائيين الذين كانوا يقدمونها في صورة توجيهية وعظية فتفقد بلاغتها النفسية إذا جاز التعبير . مثل هذه الفسح برع بها مثلا: دستويفسكي في عمليه العظيمين: الجريمة والعقاب والأخوة كارامازوف، وفلوبير في مدام بوفاري وستندال في الأحمر والأسود .. وفؤاد التكرلي في خاتم الرمل والمسرات والأوجاع وسهيل سامي نادر في (التل) . تأتي هذه الفسح متناغمة مع سياق تسلسل الحوادث العام ؛ هادئة وعفوية وغير مقحمة . يثيرها موقف سابق قد يكون واهي الصلة بها في الظاهر،لتستفز في نفوسنا مصادر القلق التي كبتناها طويلا فتوسّع أفق الرؤية والرؤيا . فبعد أن تستذكر فادية الكيفية التي استأجرت بها هذا البيت ومصير صاحبه الضابط في الحرس الملكي الذي عاصر العهود البائدة في العراق (وما أكثرها؟!) ومات ميتة هنيئة هادئة على سجادته وهو يصلي، والسنوات التي قضتها تعمل في الجبل الأخضر في ليبيا .. تجلس لتقلّب كتبها القديمة وتتأمل حركة عجلة الحياة المخادعة لأنها حركة عجلة الموت أصلا: (رحت أقلّب كتبي القديمة التي تركتها طيلة سنوات الحصار في بيت أختي .. لأجد فيها أياما وتواريخ وعناوين تعود إلى عشر سنوات خلت، فأفكر كيف مضت مثل لمح البصر؟! وكيف ينساب العمر مثل أمكر الثعالب بخفة بين القدمين، ليسلب منك أثمن وأجمل مقتنياتك، ويخدعك طوال الوقت بأنك باق في مكانك إلى الأبد، وأنك لن تبلغ قط العمر الذي كنت ترى الآخرين من أهلك يبلغونه، فتفزع منه وتحسب أنك ناج منه إلى الأبد، فإذا بلغته أو اقتنعت مكرها بأنك بلغته فإنه يوهمك بأنه يبدو عليك أصغر سنا دائما وإلى الأبد ! – ص 18) . وفي وقفة أخرى تتداعى من الجدران الكونكريتية التي نصبها المحتل إلى معاني جدار آخر اختزن في وجدانها هو (سور سليمان) الذي يا ما حصّنت به جدّتها البيت وأهل البيت من كل بين ومكروه. ومن معاني سور سليمان .. إلى أصل إسم بغداد .. ثم إلى رأي للروائي ميلان كونديرا عن أساليب ترسيخ أصالة النفس والاقتناع بتفردها … وهكذا ..  # ومن وجهة نظر الكثير من النقاد أن الرواية يجب أن تكون لها ” لغتها ” الخاصة بها، وأن لا يغرقها الكاتب بلغة الشعر واستعاراته وتورياته، إلا بالحدود التي يفرضها السياق وطبيعة المشهد ومستوى الشخصيات والمناخ النفسي . وميسلون هادي تدرك هذه الحقيقة بقوة لذلك نجدها – في كل قصصها وروايتها – حريصة على أن تكون لغة نصوصها السردية لغة سرد تنقل الوقائع برصانة وحزم أحيانا ولا تميع حدود الوقائع وتخلطها من خلال اللغة الشعرية . وحين تلجأ إلى الأخيرة، فإنها تأتي على حدّ قول أحد النقاد الغربيين كمنديل أحمر منسدل من جيب جاكيتة بيضاء . تصعد فادية إلى سطح البيت لتتنسم شيئا من هواء الله النقي – كما تقول – وتتخلص من الجو الفاغم داخل البيت وتتأمل ليل بغداد المحزونة (كان الليل، في الخارج، ينتشر عاريا من الأقراط وقلائد الكهرباء التي انفرط عقدها منذ الحرب، ولم تعد تزيّن عنقه منذ سنوات – ص 18) . هنا تأتي اللغة الشعرية لتوغل في تجسيم مأساوية الصورة، وتخدم تنويعات السرد الروائي لا أن الأخير يصبح في خدمتها . # عودة إلى ياسر: لقد كانت صدمة ياسر الأولى في الولايات المتحدة وقد أُرسل للحصول على شهادة الماجستير في الموسيقى هو أنه أُسكن في غرفة واحدة مع طالب شاذ جنسيا .. وإذا أراد ترك الشقة عليه دفع غرامة لأنه لم يحسن اختيار شريكه والمجتمع هناك ليس متفرغا لهذه “الكماليات السلوكية” بالنسبة للمسلمين، وينبغي أن يؤدبه ! إلتبس عليه تعريف معنى الشخص الصحيح .. ثم التبس عليه تحديد معنى الأخلاق ..ثم الأدب..ثم القانون..وأخيرا اختلاط معنى الشرف الذي تعود عليه في الموصل: (تركت الشقة إلى شقة مشتركة أخرى، بعد أن عثرت على البديل الذي سيوفر علي دفع الغرامة، ليس لأنه لا يبالي بالإقامة مع الشخص الصحيح أو غير الصحيح، بل لأن تعريفه للشخص الصحيح مختلف على ما يبدو عن تعريفي . فعندما أخبرته بالسبب هزّ رأسه بحياد وقال إنه لا يهتم، كما أنه يكره الحكم على الآخرين . وتعلمت درسي الأول في الغرب، إن الحكم على الآخرين شيء غير أخلاقي وغير مقبول، سألتهم بهدوء يقترب من المكر إن كان هذا مخالفا للقانون؟ قالوا: لا ليس مخالفا للقانون، ولكنه مخالف للأدب، فكان علي أن أجد تعريفا آخر قريبا من تعريف الشرف الذي التبس علي معناه – ص 129و130) . والمفارقة الأكثر طرافة وتدميرا هي أن ياسر شاهد رفيق الغرفة الشاذ وهو يساهم ضمن حملة تدعو إلى رفع الآذان في الجامع بصوت عال . صورة متراكبة ولا تصدق من امتزاج أوامر الرحمن بشهوات الشيطان .. أمام ناظري ياسر الذي اعتاد على صورة (نظيفة) رسمتها ريشة الرحمن . ثم جاءت التجربة الثانية الصاعقة حين أحب ياسر الفتاة اللبنانية الأمريكية (جوزيل) التي طلب لها قدحا من الكوكا كولا فرفضت لأنها تقاطع هذا المشروب المساند للصهاينة .. فتعلق بها بعنف ليفاجأ لاحقا بها وهي ترتدي ملابس فاضحة وتتشمس في الحديقة (فوقعت في المأزق الأخلاقي مرة أخرى .. فهل أحكم عليها من جسمها المكشوف الذي لا يلتفت إليه أحد هنا .. أم أنظر إليها بحكم موقفها الجميل الذي أحرج جميع العرب الموجودين عندما كانت الوحيدة التي رفضت تناول الكوكا كولا؟ – ص131و132) . صراع يتقلب على جمره بين (الشكل) المتحضّر / القشرة، والمضمون الباطن الذي يستقر فيه البدوي العبوس بثبات . # ولا يمكن تقديم قراءة نقدية شافية لهذه الرواية من دون التوقّف عند شخصية (ختام) التي هي من النماذج التي تشخصن مسيرة الخراب وأبعاده وتجلياته وسبل تلقيه والإحاطة بأذرعه الأخطبوطية من خلال سلوكها المتصدّع، ووعيها المأزوم، واللذين يأتيانها في صورة نوبات . وهنا تحيلنا الكاتبة إلى محاكمة الاشتراطات التي نضعها للحكم على فعل ما بأنه سوي أو لاسوي . فقد كانت ختام تقوم كلّ يوم برمي قطعة من أثاث البيت في الشارع، وبلا مبالاة ؛ رمت أولا قفص الكناري الفارغ ليلا فخلق دويّا هائلا وهو يصطدم بأسفلت الشارع . كانت فادية (أو نادية كما كانت ختام تخطيء باسمها) تتساءل مندهشة من هذا الفعل: (يا ترى ما بالها؟ هل فعلت ذلك حزنا على طائرها الذي قالت إنه تركها واختفى فجأة؟ أم إن الذي كانت تحمله بيدها هو شيء آخر غير قفص الكناري، وأنا الذي توهمته قفصا؟ – ص 19) . لقد كان القفص الفارغ صورة موازية لمحنتها حيث “طار” خطيبها إلى المنافي تاركا إياها وحيدة في المنزل الموحش . بعدها قامت برمي الكرسي الخشبي إلى الشارع، ثم خرجت ونقلته من الوضع المقلوب إلى الوضع الصحيح . بعد أيام رأت فادية دخانا يتصاعد من حديقة بيت ختام وحين اقتربت من باب بيتها شاهدتها تجلس وسط الحديقة قرب دائرة مشتعلة من النار ترمي إلى جوفها الملتهب خرائط وتذاكر طائرات وبطاقات سينما ومسارح .. ومعها صور كبيرة لجيفارا وعبد الكريم قاسم وفرقة الخنافس، وأشرطة وتذكارات رُسمت عليها حمامات السلام .. وعشرات الرسائل التي كانت طوابعها تحمل صورا لمصطفى جواد والرصافي وأحمد حسن البكر وكمال جنبلاط ويوم الشباب ويوم الشهيد .. وتواريخ لا أول لها ولا آخر أفشت ثلاثين سنة من العراق كانت بالمصادفة هي عمري – ص 38) . وكيف نحكم على سويّة هذا الفعل؟ أليس من حق ختام أن تحرق آثار أي شيء نفضت يديها من تراب عودته .. سواء أكان حبيبا أو تاريخا أو موعد مسرة أو ذكرى حمامة سلام، فقد رحل كل شيء بالنسبة لها . وها هي تصفّي ما تبقى من قرائن ودلائل على وجود ما هو غير موجود،وعلى أمل استعادة ما لن يُستعاد أبدا . وفق هذه الرؤية يكون فعل ختام المتصدع هو عين العقل ولبّه . ورغم ذلك فهي تغسل وتعلق قمصانا رجالية في حديقة بيتها الخلفية !.  # ومن المهم دائما أن يلتفت الكاتب إلى طبيعة مستويات شخصياته الثقافية ومنحدراتها الاجتماعية، مرتبطة بالحديث الذي يضعه على شفاهها . بعض الكتاب يضع أحاديث ذات مستوى فكري و حتى فلسفي عال على ألسنة شخوص بسطاء لا تتيح لهم ثقافتهم ولا خلفياتهم الاجتماعية ومستوياتهم الطبقية التلفظ بها واستيعابها (راجع دراستنا عن رواية المفتون للراحل عزيز السيد جاسم لتجد أمثلة كثيرة على ذلك) . لكن في هذه الرواية جاءت الحوارات مناسبة لخصائص الشخصيات تماما، بل أن كثيرا منها كان مصوغا باللغة العامية أو بلغة مبسطة كثيرا لكي يأتي الخطاب متسقا مع مرسله . خذ مثلا الحوار الذي دار بين فادية وعمار وهو يزرع الشتلات في حديقة الأولى: (قلت له بصوت عال فيه شيء من التأنيب: – هل نسيت أني أعمل في كلية الزراعة؟ فالمشتل إذن ضروري .. وإذا كان بعيدا، فما أفعل في العطلة الصيفية سوى المشي .. توقفت الشتلة بين يديه والأرض وقال: – عفية عليك، هم رياضية .. وفلاحة .. وأستاذة .. … قلت: – بل قل إني عراقية .. هل تصدق أني مشيت مرة من ساحة النسور في الكرخ إلى معرض بغداد فمتنزه الزوراء فساحة المتحف، ثم عبرت جسر الإذاعة إلى الرصافة، وقطعت شارع الرشيد مشيا على الأقدام إلى الشورجة، ومن هناك ابتعت لأهلي ثلاث لالات ومنقلة .. أطلت من عيني عمار نظرة كالصيحة من شدة الاستغراب، ثم قال: – معقولة؟؟ قلت له: – حدث هذا وأكثر في ضربة أمريكا بعد حرب الكويت .. كنت لاأزال طالبة في الكلية، وبعض الأساتذة جاءوا إلى أبي غريب على البايسكلات .. نظر إلى دراجته الهوائية المركونة قرب الباب، وقال مبتسما: – على البايسكلات؟ – نعم . لعلك كنت في العام الأول من عمرك حينئذ، ولو سألت أباك أو أحد أقاربك الذين كانوا في الجيش هناك، لقال لك إنه قد عاد من الكويت مشيا على الأقدام بعد الانسحاب . هكذا نحن، منذ أن وعينا وفتحنا أعيننا على هذه الدنيا ونحن نركض ونمشي ونزحف على البطون .. في كل يوم إنقلاب .. وفي كل عام حرب (…) أسكت يا عمار .. أسكت .. فنحن رأينا أياما أكثر سوادا من الهندس . وتظهر قصدية الكاتبة في تصميم الحوار في أنها استخدمت وصف الدراجة الهوائية حين كانت الساردة فادية تتحدث عن دراجة عمار، أما في الحوار فقد استعملت التسمية التي نتداولها يوميا (عامية وهي انكليزية أصلا) وهي: البايسكل . كما أنك ستلاحظ اختلافا بينا بين حديث فادية الأستاذة الجامعية وحديث عمّار الفلاح البسيط، لأن التبسيط لا يعني الإسفاف وتناسي الفروقات النسبية القائمة حتما في حياتنا الاجتماعية . وقد اعتبر (جيرار جينيت) الحوار أو المشهد الحواري واحدا من أربع وسائل يلجأ إليها الكاتب لكسر الرتابة في السرد المتسلسل أو النمطي مع الحذف – ellipses، والتلخيص، والوقفة – pause، وكلّها تهدف – حسب وجهة نظره إلى إبعاد مشاعر الملل عن القاريء وخلق حالة من التشويق لديه، ولكن حوارات ميسلون تأتي أغلبها والساردة (فادية) طرف فيها بشكل مباشر أو غير مباشر مما يعزّز هيمنة حضورها من ناحية، وضمن إطار سرد الواقعة المتسلسل من ناحية أخرى . إن لحواراتها وظيفة الإمعان في تعميق الطعنات النفسية التي تخلقها الواقعة المدمّرة التي تتصاعد في مسارها الخطّي . وكلّما تشعب الحوار أوغل في كشف الملامح السوداء والمخيفة لنفس الواقعة . عندما تأتي أم ياسر هاربة بابنها من الموصل إلى بيتهم الذي استأجرته (فادية) في بغداد ويدخلان على الأخيرة بشكل مفاجيء تبدأ حوارات تعريفية تتكشف من خلالها مفاجآت متتالية عن الأزمة المهلكة التي يعيشانها وكيف أنهما يريدان الإختباء في البيت لأن ولدها ياسر تشاجر مع صديقه الذي يعمل مترجما للأمريكان وأن الأخير بلّغ عليه .. و .. إلخ .. يصعدون إلى الغرفتين المقفلتين في الطابق الأعلى بعد أن تخبر (آني) الأم فادية بأن لديها مفتاحيهما . وكل ذلك يحصل ضمن سرد متسلسل تقول فيه فادية: (… أخرجت من حقيبتها حلقة تضم عدة مفاتيح من جهة وخارطة للعراق ملونة بألوان العلم العراقي من جهة أخرى – ص 62)، وهذه الملاحظة: (خارطة العراق الملونة بألوان العلم العراقي والتي تعلق مع مفاتيح البيت)، وضمن المناخ السردي المتأزم سيشعل استجابة هائلة وعنيفة في روح القاريء العراقي – وليس الأوربي، بل حتى العربي – الذي يواجه مخطط تمزيق بلاده وضياع (مفاتيح المستقبل)، وهي في باطنها حركة سحرية – وفي العقل البشري ساحر مهمل ومتروك يستيقظ في المحن المستعصية – تزاوج بين مفاتيح البيت الشخصي وخارطة البيت الجمعي المهدّدين كليهما لخلق حالة من التحصين المتقابل . فكيف يموت المؤلف؟ وكيف يُفصل النص عن جسده الاجتماعي؟ وكيف تنفتح استجابة القاريء على ردود فعل تأويلية لانهائية؟ . تواصل فادية وصفها المتسلسل (النمطي) لما يجري: (نظرت إليها تبحث عن المفتاح الصحيح، وعندما عثرت عليه بلمح البصر كان هو الذي فتح باب الغرفة العلوية الأقرب إلى السطح . قالت لي فور أن دخلت – وهنا سيبدأ حوار “باهت” بإشارات مفروغ منها تثير ملل أي متلقي غير عراقي – ودون أن تترك لي مجالا لتأمل الغرفة: – هذه غرفة نوم … صحيح؟ – وهل نحتاج إلى براهين كي تعرف فادية أو أي راشد آخر أنها غرفة نوم؟! – ألقيت نظرة سريعة على غرفة النوم، وقلت: – نعم . ثم تحركت قليلا وقالت: – هذه غرفة نومنا .. أنا وأبيه .. منذ تزوجنا لحد الآن .. أقصد لحين بدأت الحرب وتركنا المنزل . صمتت قليلا ثم قالت: – هذا هو السرير .. وهذه منضدة الزينة .. وهذا الكنتور .. صحيح؟ كان كلامها يبدو غريبا، فقلت لها بفتور وأنا أكاد أفقد الصبر: – نعم، صحيح – ص 62و63) … وفادية المسكينة تردّ عليها بالإيجاب على أسئلة طفلية الطابع .. فالسرير سرير .. والكنتور كنتور .. ولكن هذه الموجودات البائسة والمفروغ منها والتي تحاول الأم تأكيد هويّاتها هي آخر مسانديها في عملية إثبات الهوية، وآخر رجاء كي توافق فادية على أن يختبيء ابنها في البيت تخلصا من ملاحقة الأمريكان قبل أن يرحل إلى سوريا . في هذا الوضع النفسي الشائك والإرادة المنشلة الحائرة أمام تهديد وحيدها بالموت تتمنى أي أم – عراقية هنا _ أن يتكلم خشب السرير أو الكنتور ويخبر فادية بالحقيقة . وهؤلاء: السرير والكنتور ومنضدة الزينة رفاق حياة (أني) الزوجية والشاهدون على صدقها وعلى مسرّات حياتها الزوجية الضائعة – وفي الحصار زارني في عيادتي شاب أصيب بالكآبة بعد أن باع باب غرفة نومه .. كان يقول: أشعر أنني انكشفت .. لا أستطيع تقبيل زوجتي .. لقد كان حارسا أمينا !! – . (آني) الأم الهاربة بابنها فلذة كبدها – ويا لفلذة من وصف سخيف كأنها طابوقة، واسألوا الأم لتخرج لكم مفردة جديدة تصف فيها ابنها في هذه الحالة المرعبة – “تشهّد” السرير والكنتور . ولا أعلم كيف يكون من مهمات الحوار التشويق إلا إذا كان ” يدخل ” على السرد من الخارج ليكسر رتابته؟! . الحوار لدى ميسلون جزء من نسيج السرد ولتحم به وينبع من الداخل . وفي إطار الحوار أيضا تدرك الكاتبة أن الحوار قد يعني توقف الزمن السردي المنطلق – وهذا أعترض عليه أيضا لأن الحوار هنا خطوة تصاعدية ونقلة تقدمية في مسار السرد – توقّف يتطابق فيه زمن القصة الواقعي أو المتخيل مع زمن الحكاية المكتوب (أو الزمن الدال على الزمن المدلول كما يقول جيرار جينيت)، ولهذا جعلت حواراتها موجزة وقصيرة وبعيدة عن الاستطالات . وفي هذا الإطار أيضا فقد حفلت الرواية بالكثير من المفردات والصياغات العامية المتداولة التي كانت أشد رهافة وتأثيرا في التعبير عن مكنونات شخوص الرواية واحتداماتها بحيث أن استخدام البديل الفصيح سيجهض الوقع النفسي للجملة أو الموقف في أغلب الحالات: – في آب الّلهاب …. سقط القفص سقطة مدوية مثل ليرات ذهب تخرخش – ص 19 – ..أسكت يا عمار .. أسكت .. فنحن رأينا أياما أكثر سوادا من الهندس ص -22 – لن أتحرك من مكاني لخاطر الله – ص 105 – الدنيا بدأت تبرد بالليل .. عندك شوية نفط؟ أريد أشعل الصوبة – ص 105 – وتبرّر ختام عدم التحاقها بخطيبها في الخارج (سرّتي مقطوعة في هذا المكان – ص 136) . – أو (ما من مرة مررت فيها بتلك المستشفى (أي مستشفى اليرموك) إلا ورأيت سيارات البيكب تشق الصفوف بسرعة الطائرات، وهي تحمل في أحواضها الخلفية أجساد الجرحى أو جثث القتلى، مثل لشش الذبائح – ص 54) # المقارنة بين الماضي والحاضر: هكذا يجب أن يكون العمل الروائي، لامباشرا وعفويا وغير قسري . إن أي تقرّب مباشر من الظواهر قد يحيل النص إلى مقالة أو بحث، في حين أن التقرب الإلتفافي والماكر الذي يعقده الكاتب بين الماضي والحاضر مثلا من خلال الذكريات يكون اشد وقعا في نفس ووعي المتلقي . لقد حوصرت بغداد ومُزّق نسيجها بالجدران الكونكريتية التي ابتكرها بول بريمر الملعون، ولا يوجد مدخل يكشف فضاعة تأثيرها مثل أن توضع في محلها الملائم من صورة الحكاية الكلّية . إن فادية تستدعي ذكرى أول سيارة قادتها (برازيلي) في ذهابها إلى الكلية عبر الطريق الريفي، وهناك انجرح إطارها (لاحظ أنسنة الإطار) فجاء أحد المارة ووضع جسم السيارة على حجارة ضخمة، وبعد أن أبدل الإطار الجريح بمهارة، حملت فادية الحجارة وأعادتها إلى مكانها، وها هي تتساءل: (تُرى ماذا يمكن أن يقول الآن؟ كم سيهز رأسه بالعجب إذا ما رأى هذين الجدارين الكونكريتيين الهائلين اللذين يحيطان بالطريق من الجانبين، ابتداء من ساحة نفق الشرطة حتى كلية الزراعة؟ – ص 29) . الحياة الراهنة خراب وظلام وقسوة وتمزّق . وتُرسل الكاتبة الإشارات إلى ارتباك الحياة الراهنة سريعة لكنها كافية ومحملة بالدلالات الجارحة . تتحدث عن أحوال النساء الآن فتقول إنهن قد بدأن بوضع الإيشاربات على رؤوسهن ولا يتزين ولا يتجملن .. نسين حتى قراءة سورة الفاتحة على أرواح أهاليهن الراقدين في مقبرة الكرخ . تقول ختام الصابئية أن لديهم عيد للصلح، فيعلق ياسر: لديكم عيد للصلح وعيدنا أصبح ثلاثة أعياد من شدّة الخلاف . وفي مشهد بالغ التعبير تقترب ريم بسيارتها من بائع الصحف تشاهد فادية كارتونة بين قدميه فتصرخ بريم: الكارتونة .. الكارتونة .. لا تتوقفي .. متخيلة أن الكارتونة ستنفجر، فأي ارتباطات شرطية مرعبة خلقها الحال الجديد المفزع؟! . وفي تعبير إشاري سريع عن الصراع الطائفي الذي تم إشعاله تقول: (لا شيء الآن مختلف في بيوت العراقيين البسيطة، سوى أنها أصبحت خلوّا من لوحات الأسماء لأنها لم تعد آمنة في زمن تناحر الألقاب -ص123) . وحتى في تشخيص حالة التدهور الذي كانت تسير إليها البلاد يأتي التصوير موجزا وكافيا من خلال تعبيرين تصف فيهما لحظتين تطوريتين في حياة ياسر: (جاء إلى الدنيا في اليوم الحلو الذي جاء فيه التلفزيون الملوّن إلى العراق، ودخل المدرسة في اليوم المرّ الذي دخل العراق فيه الحرب مع إيران، فبدأت ولم تنته إلا بعد أن امتلأت رؤوس التلاميذ بأغاني القتال وصور القذائف والصواريخ -ص120) . وتشعل إعادة استخدام الفعل “دخل” لفعلين الفارق بينهما صارخ، بل مميت، مفارقة جارحة بين مناسبة جميلة (دخول المدرسة)، وكارثة مدمّرة (دخول الحرب) في يوم مرّ واحد، يقابل اليوم الحلو الذي تطابقت فيه المناسبة الفردية (مجيء ياسر إلى الحياة) والمناسبة الجمعية (دخول التلفزيون الملون إلى العراق) . والكاتبة تستعير المثل الشعبي الذي يصف الحياة بأنها: يوم مرّ ويوم حلو . ولكن هناك مقابلتين أخريين ننشئهما – نحن القرّاء والنقاد – في أذهاننا من خلال حيثيات وتداعيات أخرى توحي بها التقابلات الوصفية ؛ الأولى هي أن الحرب نشبت مع دخول ياسر إلى المدرسة ولم تنتهي إلا بعد أن سمّمت عقول التلاميذ الصغيرة بنداءات الموت وصوره، أي أنه لم يسلم من تأثيراتها المشوّهة، والثانية هي أن آني الأم كانت – وهي ترى الأمهات يفقدن أبناءهن في الجبهات – كانت تغبط نفسها لأن ولدها لايزال طفلا في المدرسة، لكنه في الواقع لم ينجو من الحرب، بل – ومهما طالت السنوات – فقد عاد ليقع في أتون حرب أكثر جحيمية وخطورة .. حرب احتلال ودمار وصراع ملتبس ومخيف بين أبناء الوطن الواحد . بل أننا نجد الكاتبة تلخص الواقع المأساوي لقطاع واسع من شباب هذه الأمة الموشكة على الإنقراض، بل الأمة نفسها في أزمتها المستديمة حين يصف ياسر إنهواس صديقه الطبيب – الذي يعلن أنه غسل يديه من الدين – الفرح بحصوله على الجواز الأمريكي، هذه الوثيقة السحرية التي إن لم يحصل عليها ياسر فسوف يشبع من الذل والمهانة في المطارات، ولكنه بكى على كتفي ياسر مثل الطفل الضائع وهو يودعه ويقول له ” دير بالك على نفسك “، فيلخص ياسر محنة الإستلاب والاغتراب والتمزق كلها بالقول: ” كان اسمه وياللمفارقة طارق زياد – ص 133 ” .  # الرسالة الاجتماعية للمبدع: وصحيح أن الأدب عموما والرواية خصوصا تُعدّ من مصادر دراسة الشخصية القومية، لكن من الأمور المفروغ منها هو أنه ليس من مسؤولية الروائي أن يكون مؤرخا ولا محللا اجتماعيا، كما أنه ليس من واجبات الرواية، حيث يستطيع أي مؤرخ أن يسجّل الحوادث التاريخية ويعرضها أفضل من أي روائي، مثلما يستطيع أي عالم اجتماع تحليل الوقائع التي يمر بها المجتمع أفضل من أي روائي أيضا . لكن من مسؤولية الروائي الشهادة الحيّة والتفصيلية على حيوات شخوصه وتحولاتها السلبية والإيجابية، هذه التحولات التي لا تجري في وسط مفرغ من الأشخاص والمؤسسات والأفكار .إنها تحيا داخل شبكة هائلة من العلاقات وتتعرض لمقادير لا تحصى من مؤثرات مكونات النسيج الاجتماعي الذي يحيط بها . ولكن على الروائي أن ينتبه إلى “وظيفة” أي معلومة تاريخية أو اجتماعية يذكرها، وظيفة سردية تحفظ السياق الحكائي وتعزز لحمته وتغنيه، وتكشف محطات ” تاريخية ” و”اجتماعية” تثري حضور الشخصية وتوسّع دائرة أفكارها وتعزّز مصداقيتها . فالمعلومة التي ذكرتها فادية لعمّار عن أن جيل العراقيين من مواليد عام 1947 قد انقرض من الوجود في العراق، وهم الذين خاضوا الحروب الكونية الثلاث التي عصفت بوطنهم، جاءت تعليقا من فادية على قول عمّار البسيط والذي يلتقط ظاهرة اجتماعية خطيرة حين قال:(الآن العجائز قاعدات على قلوبنا، والشباب يموتون بالجملة) . والصورة الكلية أحالتني إلى تعريف للحرب قرأته قديما يقول: (في السلم، الأبناء يدفنون الآباء، وفي الحرب الآباء يدفنون الأبناء) . وها هي غولة الحرب تبتلع الشباب وتترك العجائز قاعدين على قلب المجتمع . وفي الحوار نفسه تستعيد فادية معلومة معبّرة جدا من سنوات الحصار وتكشف طبيعة السلوك الاجتماعي القائم آنذاك وحدة العوز التي ترتبت عليها مهانة الإنسان العراقي، والطريقة التي كانت تتعامل بها مؤسسات الدولة مع همومه: (- هل تعرف، إني في العام 1994 الذي وُلدتً أنت فيه، شاركت في المظاهرات الحاشدة التي قامت في ساحة الحرية بالكرادة؟ – مظاهرات؟ – طبعا .. وزعت (جلود) منتجاتها الفاخرة على الناس في التسعينات، فقامت مظاهرة هناك للحصول على الجنط والقماصل . – مظاهرات من أجل الجنط والقماصل؟ – ومن أجل الأحذية أيضا … ص 23) . # وضمن إطار هذا الدور المقدّس تبلغ اللعبة الميسلونية الباهرة درجتها القصوى في تسريب المعاني الوطنية عبر درس تربوي تتكفل به أردية الإبداع المغيبة، فختام ظهر الآن أنها صابئية، وهي ابنة شيخ صابئي بدرجة (الترميذة) وكان صديقا لجد ياسر .. لاحظ الخلطة العجيبة من جديد، الخلطة الآمنة التي فجّرها المحتل . قال ياسر لفادية: (.. جدّي لأبي مسلم من بيت الرسّام، وجدّي لأمي مسيحي من بيت رسّام ولم أجدهما قد اختلفا في يوم من الأيام، بل كانت أمي تقول لأبي إن المكتبة اختراع رافديني بحت، وإن أحد أجدادها هو الذي اكتشف مكتبة آشوربانيبال العظيمة والرقم الطينية لأحداث ملحمة جلجامش في تل قاينجو قرب الموصل، فيقول لها إن أجداده استماتوا في الدفاع عن سور الموصل وهم يرممونه كلما هدمته مدفعية قوات نادرشاه التي هاجمت الموصل في القرن الثامن عشر، هل اختلفا؟ لا أعتقد – ص 134) . وهذا أيضا ما تؤكده الأم – والكاتبة تحاول بكل الطرق توصيل رسالة درس فسيفساء الحياة العراقية الماضية – حين تقول لفادية: (أنظري .. أنا مسيحية وأبوه مسلم، ونحن الإثنين من أهل الموصل، وحماي متزوج من كردية تعيش في دهوك .. لا أدري كيف انتهينا إلى أن يصبح الدين بيننا مشكلة؟! – ص 98) . # ولا تكتفي مكونات هذه الفسيفساء بالتساند من خلال توفير الملجأ والمأوى الحامي، لكنها تتساند لتهريب الأمل / ياسر . ويأتي الحل – بعد طول عناء موجع عاشته فادية في كيفية تهريب ياسر من البيت،يأتي من الصابئية ختام التي تقترح عليه لبس ملابس (الرستة) .. هنا تتتجلى أبعاد رسالة الكاتبة حين تحكم أناملها الخيميائية القبضة على عنق تراب المعاناة الجسيمة فتحيلها إلى تبر الفن الخاطف للأبصار .. فتجعل الطريق الوحيدة التي يلتجيء إليها ياسر / الأمل، هو أن يلبس الملابس البيضاء الرائعة للصابئة ليمرق من نقاط السيطرة محتفلا بعيد الماء الصابئي (المصبتا والإرتماس في ماء دجلة) حيث يتصافح الجميع بعد أن يضعوا خواتم الياس في خناصر أيديهم اليمنى – ص 117) . وللبس الملابس معنى رمزي عميق يتمثل في توحّد الهوية . # في بيت فادية رجل: وثيمة الرواية ذاتها تتيح لك الإنتقال عفويا للمقارنة بين هذا الواقع المفارق وأي واقع آخر حين يتمظهر إبداعيا، فقد يقع القاريء في مطب المقارنة بينها وبين رواية (في بيتنا رجل) للروائي المصري الراحل (إحسان عبد القدّوس) والتي تتحدث أيضا عن بطل فار من ملاحقات الأجهزة الأمنية ويختفي في بيت صديقه وتقع واحدة من بنات البيت في حبّه . هنا تختلف الصورة جذريا . أولا هناك الإطار الكلي للحالة العامة التي هي حالة دموية ومميتة .. إننا في رواية عبد القدوس نقف في حدود البيت الضيقة التي اختفى فيها البطل والتخوّف من أن تخترق البيت مخالب الجهات الإستخبارية التي تبحث عنه، بعيدا عن تناول التحوّلات الاجتماعية والشخصية والصراعات النفسية الدفينة لدى البطل، وارتباطها بالمناخ الدموي العام . فتداعيات بطلة في بيتنا رجل هي تداعيات ذاتية مرفّهة عند قياسها بتداعيات فادية بطلة حلم وردي فاتح اللون المدمّرة التي تزيح من طريقها أي قرينة رومانسية أو إشارة مستريحة، البقاء لجهنم .. فادية لا وقت لديها لتفكر في الحب أو التعلق الغرامي، لأن الحب يقتضي شرطا أساسيا هو أن لا يقلق كي يترعرع ويتنامى .. والمناخ العام لا يتيح لأي بذرة حب أن تصحو وتنتعش . لنأخذ عينة من عينات دوامة أفكار فادية التي ستبدو تداعيات بطلة عبد القدوس تأملا طريفا بالنسبة لها – طبعا مع فارق سياقي الروايتين السردي ومرحلتيهما التاريخيتين -: (كيف لي أن أصدق أن أحدا يمكن له أن لا يموت في هذا البلد الذي لم يعد فيه سوى من مات مرة واحدة ومن مات مرتين أو ثلاث مرات؟ أما من ينتظر فأصبح فراغا كباقي الفراغات التي يتركها الآخرون عندما يغادرون لمختلف الأسباب .. فراغات في البيوت .. فراغات في الوقت .. فراغات في المسافات .. تُسمّى منع تجوال يُفرض على الناس منعا للأذى .. منعا لتصادم أمواج البشر الهائمة على وجوهها ..الجاهزة بأجسامها للأذى، وعقولها للأذى . # ما الذي يحيط بالبيت الذي فيه الرجل: تحيط به أشياء لا يمكن أن تصدّق في العالم المعاصر وستُعد أشبه بالنكتة الهيتشكوكية رغم أن هيتشكوك سيعجز عن تصوّر واحدا من أبسط سيناريوهات فلم الرعب الأمريكي الذي أخرجته الولايات المتحدة على أرض العراق . لقد قتل الصيدلي الشاب الذي كانت تشتري فادية منه الدواء بلا سبب … جثة مرمية على ناصية الطريق ومكومة على نفسها .. لم يتقدم منه أحد خوفا من أن يكون القتلة قريبين .. هم يحاسبون من يتعاطف مع ضحيتهم . لكن الأب الذي جاء بعد ساعات احتضنه وبكى .. وليست هذه كل معاني أقصى فنطازيا الغرابة .. غرابة ما بعد الواقع السوريالي الذي يجعل فادية لا تصدق عينيها ولا أذنيها حين حضرت مجلس عزاء الصيدلي المغدور وهي ترى النسوة يهنئن أمه المثكولة على تمكنهم من التقاطه ودفنه بكامل طوله !!. وقد رأيت بأم عيني – أو أبوها – أمهات شبه مبتهجات يحملن ” فلّينات – ice box ” فيها رؤوس أبنائهن فقط !! .. وهنا تأتي الفسحة التأملية التي أشرنا إلى أهميتها الحيوية: (عندما ذهبت إلى عزائه سمعت بعض النسوة يهنئن أمه على تمكنهم من التقاطه ودفنه بكامل طوله، ثم هرعن إلى القرآن يخفضن صوته عندما اتصلت أخته المهاجرة من استراليا تبشر أمها بأنها حامل ..فبقيت أقول لنفسي (حامل وميت حامل وميت حامل وميت) .. أدهشني أن العقل يعمل حتى في شتاته، ويا له من تطابق عجيب في أن يكون أقصى ما تتمنى النسوة أن تدركه هو أن يُدفن الإبن في بطن الأرض كما يرقد الجنين في رحم أمه، كامل الجسم وليس على شكل أشلاء وقطع مبعثرة – ص 42و43) . وفي فيلم (خيط أحمر رفيع – thin red thread) يقول أحد الجنود في رسالة إلى حبيبته: أشلائي مبعثرة والمشكلة بإهمال !! . # عودة إلى ختام: وختام هي امرأة أخرى في (بيتها) رجل، رجل مؤجل أو حاضر لا فرق، حلم أو حقيقة سيان، مهدّد أو مسترخ …. يتكشف الفارق في الحركة التبديدية التخفّفية الأخيرة التي تكوّم فيها (أربعة كراس خشبية مع منضدة واطئة وضعت فوقها سجادة بحال جيّدة وكومة من الستائر وصوبة علاء الدين وسماور وساعة جدارية من النوع الذي كان موجودا في الكثير من البيوت، لأن الناس، كما أخبرتني أمي، كانوا في السبعينات يشترونها من السوق الحرة بعد عودتهم من رحلات اصطيافهم السنوية التي كانوا يقضونها خارج العراق – ص 48و49) . تحوّل الخسارات المستنزفة الإنسان – أحيانا طبعا وحين يتوفر الحضن النفسي اللازم – إلى كائن جبار، على حافة بعد فوات الأوان يمكن أن تنبثق صورة مارد من أعماق الإنسان الأعزل .كانت ختام ترمي أغراض البيت – كتقسيط رمزي عن أجزاء وجودها المقطعة – في الليل،وخلسة،ولكنها الآن تلقيها في رابعة النهار ومع دويّ الإنفجارات ووصول خنازير الأمريكان المحتلين، ويدور حوار هائل الدلالات بينها وبين القائد والجنود الأمريكيين . فحين يسألها الجندي الأمريكي هل تسمعه، تجيبه بأنها لا تريد أن تسمعهم . محاطة بالرشاشات والوجوه الخنزيرية المقزّزة فلا يرف لها جفن، بل هي تمعن في السخرية من القوة المسلحة التي تحاصرها هي العزلاء، حيث تجيب على سؤال قائد المجموعة عن محتوى السجادة، بأنه جثة !! . ينرعب الجنود الأمريكان ويشرعون أسلحتهم ثم لا يجدون شيئا ويسألونها: (- ما خطبك؟ لا توجد جثة .. قالت: – الجثة هي الإسم السري لقصة حياتي – 50) .. والجثة بتعبيراتها العملية والرمزية هي الإسم السرّي لقصة اسمها العراق . وصاحبة هذه التوريات المتصدّعة تقف برهاوة أمام قائد القوة الأمريكية، بل ترعبه وترد له الصاع صاعين . إنها تحدث أفراد القوة المرعبة المدججة بالسلاح عن وجود جثث أخرى في البيت فتستفزهم، وهذا الدرس الذي يجعل إنسانة بسيطة متصدعة تُرهب قوة معادية محتلة من أقوى دولة في العالم هو من أعظم الدروس التي تقدمها ميسلون ضمن إطار الهدف الثاني من الأهداف الستراتيجية للرواية، فالقائد الأمريكي يسأل ختام العراقية بغضب: ماذا تفعلين هنا؟، فترد عليه بحزم وغضب أشد: هذا بيتي، أنت الذي ماذا تفعل هنا؟ . إن الإطمئنان للإرتباط بالرحم الأمومي والثقة بالذات يمكن أن ترعب أقسى الطغاة الغزاة بطشا، في الوقت الذي انخذل فيه أكثر المتشدقين باسم التراب الطهور، والمتلاعبين بمصطلحات الغيرة الوطنية . هذه المراهنة على فعل الأناس العراقيين البسطاء، أناس الحياة اليومية التي تجري بلا صخب موجات نهر السياسة الهادرة التي تتلاعب بالهوية الشخصية لأي شيء فتخادعنا وتتلاعب بتشخيصاتنا . يجوز أننا لو كنا نعلم بوجود مثل هذه الإنسانة – ومن ورائها الكاتبة – لحصل شيء آخر في ما رسم لمصائرنا حتى ولو نسبيا . لكن المشكلة أن مفهوم الوطنية والمواطنة لم يتبلور بوضوح مكين في أعماق وجدان المواطن العراقي حتى الآن، ومن اليسير أن يتراكم تراب الإعتياد وصدأ الرتابة على أشد الرموز إشراقا في حياتنا . لكن من يفرك الصدأ – تعبير مستقى من حسين مردان -؟ ويطلق لهيب إشراقات تلك الرموز في حياة الشعوب؟ إنه المبدع، ولذلك أشعر أن خطيئة كبرى تقترف بحق الإبداع حين نفصله عن إنسانه المحطم وسياقه الإجتماعي . صحيح أن أي فلاح لن يستطيع فهم أبسط قصيدة للمتنبي، وأي عامل بسيط لن يدرك مغازي دستويفسكي في الجريمة والعقاب، لكن إن لم يكن هؤلاء حاضرين في ذهن المبدع فمن أين سيستقي موضوعات إبداعه؟. لكن ميسلون هادي لا تقدّم درسا في الكيفية التي يعود فيها النص إلى حاضنته الاجتماعية التي صارت مجذومة حداثويا، بل في كيفية تشكيل مفهوم جديد – كان موجودا لكن علاه الصدأ – للبطولة وللدور الإنقاذي: (قال القائد الأمريكي قبل أن يدخل: – هل يوجد سلاح داخل البيت؟ ضحكت: – يبدو أنك لم تسمعني جيدا وصفّقت، كمن يطلب الصمت وجلب الإنتباه، فقال القائد: – لماذا ترمين أغراض البيت في الشارع؟ قالت بحزم: – أريد أن أصبغ البيت .. بيتي . قال: – وهل من يصبغ البيت يرمي أغراضه إلى الشارع؟ قالت بحزم وهي تستدير دون أن تدع له مجالا للتدخل: – نعم . بيتي وأنا حرّة فيه . كرّر قائد المجموعة سؤاله مرّة أخرى: – هل يوجد سلاح داخل البيت؟ قالت: – لقد سألت هذا السؤال من قبل، فلماذا تعيده؟ قال، وهو يبتسم كمن لا يأخذ كلامها مأخذ الجد، ومع ذلك هو يتخذ مأخذ الحذر في الدخول: – حسنا . لأنك لم تردّي، لندخل أولا . فدخل الجميع وهم يتباطؤون في مشيهم بشكل غريب، وقد سارت ختام أمامهم وهي تتحرك بشكل مرح، كمن يجسد دور الفائز بشيء ثمين بعد نزال صعب – ص51) وقد نقلت هذا الإقتباس الطويل نسبيا لأهميته التي تتأسس على عاملين: الأول هو لغة الحوار التي يبدو أنها كلما كانت بسيطة كلما لاءمت الجو الإنفعالي المحيط بالحدث . وهنا عبرة مضافة عمّا قلناه عن مغبة الإسراف في شعرنة لغة السرد، فأي إيغال في تزيين الرداء الشعري لمضمونية الحدث السابق سوف يجهض فعله النفسي العميق، لأن من عادة اللغة الشعرية أن تلطف وتخفّف حتى لو كانت حادة . أما الثاني فيتمثل في الكيفية التي يلجم فيها التعقّل المفرط إرادة الإنسان المحبَط، وهذه صلة إجرائية هي مقلوب العلاقة اللغوية السابقة . فالخوف الذي يعزز ميل الفرد إلى أن يتعقل في ردود أفعاله – وهذا المظهر “العقلاني” لانشلال الإرادة الذي اجتاحنا في حرب الاحتلال – سيطوح به إلى سفح المهانة والإنطواء. ورد فعل ختام أمام القوة الأمريكية وضع معادلة أخرى لم نمسك بها عبر هذه السنوات الطويلة لكشف الوجه الذي نظنه حقيقيا ونحن نلاحق الأفعال اليومية لمن يحيطون بنا خصوصا ونحن نواجه معهم طعنات الشدة الفاجعة . كانت فادية تحاول اكتشاف الوجه الكامن – والفاعل أيضا – للأشخاص الذين تتعامل معهم، خصوصا وهم يستجيبون سوية للمؤثر الجحيمي نفسه . وقد يرتبط هذا بفعل دفاعي إسقاطي – projected يغرّب صراع الداخل ليحيله إلى ثيمة ” معروفة ” في الخارج، فيبعد جزئيا سهام القلق المنطلقة من الداخل وإلى الداخل لتمزق أحشاء النفس . ويتشرعن هذا الوجه الاسقاطي الباحث من خلال العودة الى المونولوج الداخلي الذي أربكتنا به الروائية في مناجاتها المعاتبة لقلبها الحازم والمؤدب وهو دور لم يعرف عن القلب عادة: (في رأسي أتكوّن من جديد كلّ مساء نفسا أخرى جديدة، بعد أن أحاسب الأولى على ذنوبها وأخطائها، ثم أطويها في خلوة الليل فوق آلاف النفوس التي تنام معي كلّ يوم . . وعندما أستيقظ أحيانا، من دون التجدد إلى النفس الجديدة التي يرتاح لها العقل جازما بالصحيح من الخاطيء، يهتف القلب بأنني كاذبة، لأن الشيء الصحيح سنعرفه في اللحظة نفسها التي نفعل فيها الشيء الصحيح . أقول له: يا قلب، صدقني هذه المرة أني قد انتظرت طويلا وأنا لا أعرف إن كنت قد فعلت الشيء الصحيح . فيضحك ويقول: إنك سألت هذا السؤال مئة مرة من قبل، وبعض الصحيح نقوم به دون سؤال، فدعي جانبا الأسئلة التي يجب أن تبقى بلا جواب – ص 5) . ولعل تكرار مفردة ” الصحيح ” خمس مرّات – على غير عادة الكاتبة – في خمسة أسطر يعكس – ولو جزئيا – الربكة الداخلية التي شوّشت جزالة التعبير الخارجي . وقد يكون هذا هو الجذر النفسي لكل الفعل المجازي للغة، وحتى – بتطرف قليل – جذر خلقها هي ذاتها، أي أن البحث عن الذات الشخصية الحقيقية الذي استهلت به الراوية حكايتها، أُسقط كمحاولة دائبة وعزوم لكشف الوجه الفعلي والحقيقي – كما تعتقده فادية – لكل فرد من المحيطين بها، الوجه الكامن خلف الوجه “الرسمي” الذي يظهره هذا الفرد وهو يلعب دوره الاجتماعي – وهذا يحيلنا نسبيا إلى الـ persona وهي جذر مصطلح الشخصية – personality وتعني القناع – . ويبدو أن هناك قناعا تحت القناع في دواخل فادية يعيقها عن كشف الوجه الحقيقي لها، الوجه الذي يعرف خواصه بدقة “قلبها” كناية عن لاشعورها العليم بكل شيء . والوجه “المخفي” الذي تربكنا حركته المراوغة يمكن أن يكون فرديا وجمعيا في الوقت نفسه . متى تنجلي ملامحه ويتجلى بهاؤه؟ وفي أي موقف؟ وتحت أية ظروف؟ . مع ضحكة ختام الشامتة أمام القائد الأمريكي، يأتي الرد خشنا ولا مهادنا، بخلاف ضحكة البراءة التي أطلقتها قبل يومين والتي استنتجت منها فادية وجها بريئا آخر مناقضا . هل الوجه المخفي هو مجموعة وجوه،أقنعة، نكتشف كلا منها تحت طبقة من التراكمات التي نحفر فيها بعناد لننزل إلى مركز النواة الملتهبة: (ثم ضحكت ضحكة شامتة بدت لي على النقيض من تلك الضحكة البريئة التي كنت استخرجت منها وجه البراءة قبل يومين . بدا لي أن ما يمكن استخراجه من تلك الضحكة الجريئة ليس وجه الطفولة أو الصبا أو الشباب، إنما وجه مطلق مكتمل بوضوحه، ولا يمكن العثور فيه إلا على ملامح وتجاويف ومعان بالغة القوة – ص 50) . هل يمكننا – بالتداعي المنضبط – أن نخطو خطوة واسعة في التأويل فنحيل الوجه الفردي – وجه ختام ورمزية اسمها تعين على ذلك – المطلق والمكتمل الوضوح إلى رمز للوجه الشديد التخفّي لهذه الأرض المهانة والتي استخف بها المحتل، والأقسى أننا أنفسنا أسهمنا في التغافل عن وجه الرشد الصارم – بل المميت – الذي يتمرأى خلف أستار ضحكة البراءة السطحية . أظن ذلك . # وكنت أقول دائما أن القصة القصيرة فن، أما الرواية فهي علم . في الرواية حسابات وتخطيط وبناء هندسي ومعمار يُشاد .. وهذا ما تدركه الكاتبة بحذاقة . فالفقرة الإفتتاحية التي تستهل بها الصفحة الأولى من روايتها وهي تحاور قلبها (في رأسي أتكوّن من جديد كلّ مساء نفسا أخرى جديدة … إلخ)، تعود إلى ذكرها من جديد بتمامها على الصفحة (114) . لكنها تكررها الآن وقد تكشفت لدينا معطيات جديدة عن شخصية فادية في أزمة مجيء آني وابنها ياسر، والعلاقة العاطفية التي بدأت تتأسس بينها وبين ياسر، ولهذا نجدها تضيف إلى الفقرة السابقة أربعة أسطر جديدة تقول فيها: (كنت أعرف أن بقائي معهما خطأ وليس سؤالا بلا جواب، ولكن الأيام يجر بعضها بعضا، ولا مجال للتفكير بخروجهما مع هذا الحشد الأمريكي المفاجيء الذي تصادف وجوده في المنطقة مع دخولهما البيت- ص 114) . لكن بقاءها مع الأم وابنها رغم أن ختام عرضت عليها أن تخبيء الشاب عندها، يؤيد ما قرّره القلب، فهو سؤال بلا جواب، سؤال جوابه في أعماق اللاشعور، جواب مختزن ولائب يتحكم بأفعالنا من دون أن ندري يجعلنا لا نعرف هل فعلنا الشيء الصحيح من الخطأ . يقف عقلنا الواعي عاجزا عن الحكم على طبيعة تصرّفنا الذي يأتي كسؤال معلّق بلا إجابة مقنعة . لكن القلب يعرف ما لا يعرفه العقل . إن مصائرنا هي أقدار يكتبها اللاشعور على جبين حيواتنا كما قلنا، ولذلك فلا عشوائية في السلوك البشري مطلقا .. هناك سلوك غير مفهوم لأن وعينا لا يمسك بأسبابه، ولكن لاشعورنا يتلمظ فهو يعرف تماما لماذا قمنا بهذا الفعل دون ذاك . ولهذا نبدأ بالتساؤلات المتكررة والمتشابكة المدوّخة التي كلما اشتدت كلما دلّ ذلك على ضغط حفزة مكبوتة عنيفة . مثل هذه التساؤلات هي التي استولت على فادية وهي تحاول فك أسرار القدر الذي رُسم لها في هذا البيت: (لم يدر بخلدي أن آخر سبعة أيام قضيتها فيه سترسم لي موعدا قدريا كان يتقدم لكي يختارني مادمت أنا التي اخترت هذا البيت منذ البداية .. فهل عندما نختار سنُختار، وستمضي حياتنا بطريقة أخرى منذ اللحظة التي يتم فيها هذا الاختيار؟ ولكن هذا لم يحدث معي من قبل، وكنت دائما أدقق في الاختيار، فكيف عندما جاء الوقت لأكون في نهار عمري وسيدة مصيري يخطفني القدر بهذا الشكل، ويملي علي ذلك الاختيار الذي وصل إلى شطره الأخير، عندما قرر ياسر الفرار عبر النهر وقررت أنا الخروج أيضا إلى غرفة في بيت ختام – ص 122) . وهي هنا تعيدنا إلى تساؤلات القسم الأول الإفتتاحي بنوع من التواتر حيث تساءلت: (كيف خطر ببالي أن أسكن ذلك البيت ذا الباب العالي؟ وهل كان هو الذي اختارني عن عمد أم أنا التي اخترته دون قصد؟ وكم كانت غريبة تلك الأيام التي قضيتها فيه، عندما حدث أن نظرتُ إليه ونظر إلأي وابتسمنا وحُسم الأمر؟ – ص 8) . المهم أنها قبل سبع سنوات لم تكن تعرفه ولا يعرفها، فقد كانت في الجبل الأخضر في ليبيا، وهو في بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، وقبل سبعة أشهر كانت هي في بغداد وهو في الموصل، وقبل سبعة أيام أسبحا يعيشان في بيت واحد كما تقول، وتعلن دهشتها من حركة مصائر غريبة تبدو عشوائية مثل هذه . وأقول (تبدو) عشوائية رغم أنها ليست كذلك من جوانب كثيرة قد توسّع فهمنا لعمل (الأقدار) ولو بدرجة بسيطة، فخلاف ما تقوله فادية من أنها لم تكن تعرف ياسر قبل سبع سنوات، فها هو ياسر يذّكرها بأنه قد إلتقاها قبل سبع سنوات في منطقة (العبدلي) قبل أن تسافر هي وشقيقته (سارة) إلى ليبيا . لا تهدر الذاكرة البشرية أي قشة من قش الحوادث، وقد تكون هذه القشة هي المنتظرة التي ستقصم ظهر التلاحق الذي يبدو تصادفيا . لا توجد صدفة في الحياة، الصدفة هي تقاطع ضرورتين . ولهذا فقد سارت فادية في طريق ضرورة (مكتوبة) على جبين مسيرتها الحياتية وهو أن ترحل إلى ليبيا مع سارة للعمل في ليبيا، وقد عاشتا سوية سبع سنوات، ولا شيء لديهن هناك سوى العمل واجترار الذكريات، قهل يُعقل أن سارة لم تحدّث فادية عن عائلتها وخصوصا أخاها ياسر .. عن حياته .. واهتمامه بالموسيقى .. وسفره إلى الولايات المتحدة .. وغيرها من التفصيلات؟ . وهذه التفصيلات تتناسب مع الخصال النفسية لفادية الساموراي الرومانسي الأخير كما وصفناها . ومثل هذا قد، وأقول: قد، حصل لياسر الذي اختزن مشاعره في ذلك اللقاء السريع بفادية – وقد تكون أخته قد حدثته عنها لاحقا -، وكلاهما قد يكون نسي وجه الآخر ولم يحفظه في أرشيف ذاكرته الواعية، ولكنها – أي الصورة – انزلقت إلى اللاشعور، وهناك الصورة لا تفنى ولا تُخلق من العدم – وتبقى تلوب وتضغط وتتحكم بسلوكياتنا . وحين عادت فادية عودة نهائية إلى بغداد من ليبيا وجدت بيتين آمنين للسكن وحدها في أحدهما لأن كل أفراد عائلتها قد رحلوا إلى المنافي ؛ الأول بيت فارغ يقع في زقاق قريب من الشوارع الأربعة، يتوسل أصحابه بمن يسكن فيه بدون مقابل حفظا له من أذى الآخرين، وكان هو الأقرب إلى الإختيار المؤكد كما تقول وهو مجاني، لكنها فضلت الاختيار الثاني وهو بيت جدّ ياسر فمن دلّها عليه؟، سارة التي هاجرت من ليبيا إلى الدنمارك بعد زواجها؟ وكيف علمت ساره أن فاديه تبحث عن بيت للإيجار؟ إنهما تتواصلان بفعل العلاقة الحميمة التي من المحتم كانت خيوطها توصل إلى الذكريات العائلية وياسر تحديدا. كانت الصورة الدفينة اللائبة تضغط من وراء ستار – وليس معنى أننا لا نرى مخرج المسرحية أنه غير موجود – . ولماذا عاد ياسر من الولايات المتحدة؟ هل لأنه شاهد أستاذه يقيم الحفلات الموسيقية ويهديها إلى أطفال العراق وهو يعزف في هذه الحفلات ووطنه يحترق؟ ممكن . لكن أليس من الأشد إمكانا أن نقول أن البحث عن موضوع الحب المناقض لسلوك (جوزيل)، وتفكيره الدائب بالحضن الأمومي، الحضن الذي “استعاده” وجاء به مفزوعا من الموصل ليستقر في المخبأ السري في بيت جدّه، كان عاملا ضاغطا أيضا؟ . وأن بحثه الدائب والمستتر عن موضوع الحب الأثير جعله يسلك ذاك السلوك ” المدمّر ” للذات ولمشروعه، ويعود بطريقة ” هروبية ” إلى الموصل؟ . ومن المستحيل أن نترك التاريخ الفردي للشخص وندرس حياته من خلال التاريخ الجمعي رغم أهميته . ولماذا اختارت فادية بيت جدّ سارة في حين أنها قالت أن البيت الأول كان هو الأقرب إلى الإختيار المؤكد؟ وقد عادت بعد أن توثقت علاقتها بياسر إلى البيت / الإختيار القديم فوجدته مشغولا بالناس والبيوت من حوله، مثل كلّ بيوت العراقيين، لكل بيت طابقان وحديقة تتقدمها قمرية تعرّش فوقها الجهنميات، أي أنه لا يختلف عن هذا البيت . ولكن مكالمة سارة (التصادفية) قد تصادفت مع استشارة من معلمتها الأبدية / الحديقة الأم الحانية: (نظرت إليه من الخارج فوجدته أكثر جمالا من البيت الأول، ويقع في جوار هاديء جدا .. يبدو كالقاعة الامتحانية من شدّة الهدوء (حتى أوصافها من أيام التلمذة والشفافية والرومانسيات – الناقد) فامتلأ رأسي بزقزقات العصافير،ونادت فاختة من الأعالي: (كوكوكتي .. وين أختي) فقلت كأنها تناديني، واخترته على الفور – ص 122) . كلّها (مصادفات) بريئة في الظاهر، لكن التخطيط يجري بصبر وأناة في غرفة اللاشعور المظلمة . هل لوينا عنق الحقائق؟ ممكن . وهل نبرّر علاقة حب محتدمة خلال سبعة أيام بين طرفين لا يعرف أحدهما الآخر لو لم تتأسس هذه العلاقة على بناء صبور استمر مدة طويلة قد تستمر سبع سنوات توّج بعدها بإخراج المشهد الأخير الذي لا “يُصدّق”؟ . وإذا كانت عودة ميسلون إلى الطرق على المشهد الافتتاحي (في رأسي أتكون من جديد كلّ مساء …) بأكمله في ما يسمّى بالتواتر – frequency في السرد الروائي والذي يجمع المختصون بعلم السرديّات والنقاد على أنها طريقة لربط المقدمات بالنهائيات بصورة تحافظ على وحدة المسار السردي أمام القاريء، ولكن هذا لا ينطبق على ميسلون هنا، فما بدأت به روايتها – القسم (1) – هو في الحقيقة جوهر عملية الانتظار في القسم الأخير منها – القسم (24) . وسنرى الإختلاف الجوهري بعد لحظات . في رجعة أخرى تعود الكاتبة إلى جملة جزئية قد تبدو بسيطة ومبتسرة حيث سبق لها أن قالت وعلى الصفحة السادسة (كنت أنظر من نافذة غرفتي العلوية، بعد أن عدت مبكرة من كلّيتي، لأشهد هذا النهار الشتائي الذي لا يبدو مختلفا عن أي نهار شتائي آخر إلا لمن تغمره السعادة مثلي الآن)، وضمن عملية التواتر نفسها لتفتتح بها المشهد النهائي على الصفحة (142) ولتغلق دائرة الرحلة الروائية مع ترك باب الانتظار – كالعادة – مشرعا على مصراعيه: (كنت أنظر من نافذتي العلوية إلى بيت ياسر الذي كان يغرق في نور الشمس تارة ويعتم بالظل تارة أخرى) . لم تبرّر لنا سرّ بهجتها ذلك اليوم، وقطعت بنا – وعبر وقائع شائكة، بعضها حبس أنفاسنا كما يُقال – شوطا سرديا طويلا لتكشف لنا سرّ سعادتها، ودافع العهد الذي قطعته على نفسها: (لن أغادر هذا الشباك حتى ينتهي اليوم إلى مستقر أخير .. لن أغادره حتى إن نعست أو عطشت .. وفي هذا المكان سأتناول غدائي وأشرب شايي ,أراقب أخبار التلفزيون .. لا يهمني من غاب أو حضر ومن فاز أو خسر ..لن أكترث الساعة لغيري من الناس، وسأظل أنظر من نافذة صغيرة كهذه وأراقب هذا النهار المختلف كيف يطلع على الباب العالي ويسفح نوره الساطع على الحيطان – ص 7) . لا نعلم سبب هذه البهجة الغامرة .. ولا حتى أين يقع غرفتها وهي تشير بعد خطوات من هذا القسم الإفتتتاحي إلى أنها قضت أياما غريبة في البيت ذا الباب العالي، أي أنها خارجه الآن . ومهمتها الأساسية وهي تعتكف عند شباك غرفتها العلوية هو أن تنشغل (بالنظر بعيدا إلى نهاية الشارع لعلّ ضجة أخرى تقوم هناك فتضع حدا لهذا الانتظار الطويل الذي يمطر الأفكار عن قصة حدثت منذ وقت طويل، لكن خيوطها الأخيرة تتجمع الآن قرب الباب العالي وأمامه، لتكتب لها نهاية جديدة في نهاية الشارع – ص 8) . وإذا كنت قد قلت أن كتابة القصة القصيرة فن،وأن كتابة الرواية علم، فإن ما هناك قاعدة تقابلها على مستوى القراءة وهي أن قراءة القصة القصيرة أشبه بتحضير واجب يومي في درس محبب، أما قراءة الرواية فهي استعداد مضن لامتحان نهائي، على القاريء فيه أن يركّز ويستظهر ويدقّق وحتى “ينقد” . على قاريء رواية ميسلون هذه أن لا ينسى القسم الافتتاحي الأول ..لا ينسى سبب فرح فادية ..عودتها السريعة من الكلية التي تدرّس فيها .. إصرارها على الانقطاع عن العالم بأكمله عدا النظر من نافذة غرفتها العلوية إلى نهاية الشارع .. وأن يحتفظ في طيات ذاكرة متألقة بسؤال عما تنظر أن يطل عليها من نهاية الشارع .. وما هي طبيعة الانتظار الطويل الذي سيضع حدّا له؟ .. هذا ما ستخبرنا به ميسلون في ختام الرواية: فبعد أن يُلقى القبض على ياسر وتُجهض قصة حبه لفادية .. تمضي فادية سنتين في غرفة بالطابق العلوي من بيت ختام منتظرة إياه .. لقد أُسر حبيبها في سجون الغزاة .. وظل إخوتها يتلكؤون في العودة .. وكانت فادية تحلم مرّة بعد مرّة ببستان يابس مملوءة أرضه بالورق الأصفر المتساقط فتقول لها ختام، إبنة الربيع كما تلقبها: – هذا همّ .. البستان اليابس همّ .. فلا تهتمي . أن يُعتقل ياسر هنا أفضل من أن يسافر ويتغرب ويضيع هناك – 136) . … ولكن لابدّ أن يكون لكل انتظار خاتمة ..تكسر حلقة دوّامته ..ها هي فادية تقول: (أما ياسر فإنه اليوم يخرج من السجن بعفو عام .. وآني تخرج، بين الحين والآخر، لتضع مزيدا من الياس على الأبواب وتصفّ الكراسي في الحديقة .. ثمة فرقة موسيقية مزهوة في الباب لم تتوقف لحظة واحدة عن عزف موسيقى القرب تلك التي كنا نسمعها في الاحتفالات الرياضية والوطنية .. لا أدري من أين جاءت بها أمه؟ ولكنها قالت أن خروج ابنها من السجن هو يوم وطني وعيد مجيد – ص 142و143) .. ولا تستطيع الكاتبة – وهي تنتظر وصول ياسر إلى البيت – ونحن على بعد صفحة واحدة من نهاية الرواية أن تنسى تقديم الدرس التربوي الأخير من الحديقة الحكيمة .. والعظة من نحلة رقيقة الآن (الشمس الساطعة في السماء توحي بجو دافيء رغم البرد الشديد، وثمة نباتات صغيرة أمالت رؤوسها حيث يتدفق النور وكأنها خير من يدرك السعادة . نحلة صغيرة بنّية اللون كانت تحلّق فوقها بهدوء فتبدو طافية في الهواء من شدّة النحول . إنها إن نظرت إلي الآن لن أعرف، وإن تنبأت بمكان وردة أخرى لن أعرف، ولكنها تبدو سعيدة وغير مبالية، وتقول لي بلا لسان إن خير من يدرك السعادة هو من يفتح قلبه للحياة بغريزة النحل وشهادة العسل –ص 144) … الله .. أنظر ما الذي يفعله الحب بالإنسان .. يعيده لاشعورا عاريا كالإنسان البدائي .. يعرف لغة النباتات .. ويتفاهم مع النحلة ويدرك مشاعرها .. الحب ” يؤنسن ” حتى الموجودات الجامدة ويمدّ جسورا خفية بينها وبين الذات العاشقة .. مثل هذه الأرواح الكبيرة المتيمة التي تتحرك بغريزة النحل وشهادة العسل هي الوحيدة القادرة على إشاعة السلام في المجتمع .. حتى الماء بدأ يشرق من الأوعية الكبيرة .. (اليوم البيت بيت مثلما يجب أن يكون البيت الجميل ؛ أطفال وطعام وأزهار وكلام وضحك ولعب وضجيج . اليوم باب مفتوح وجرس لا يكف عن الرنين، ودراجة فتى الحدائق مركونة بجانبه، ليس عمّار الذي لم يعد من الديوانية قط، وقالوا إنه هاجر هو الآخر إلى الدنمارك، وإنما الحدائقي الجديد الذي يشابهه في العمر واسمه، ويا للصدفة، عمّار أيضا – ص 143) . ولاحظ لعبة الحدائقي واسمه، يذهب حدائقي فينبع آخر بنفس الدور والإسم .. حياة حديقة الحياة لن تتعطل .. وعجلة نمائها الهادرة تدور .. ضربة الرجل الأمريكي على الباب كانت من الممكن أن تدمّر حياة فادية قبل عامين وهي تبحث عن ياسر .. لكن هذه الضربة جمعتها به (تلك الضربة -وهنا فلسفة الموقف المقاوم – أفزعتني وأرعبتني في البداية وجعلتني أندم على ما فعلت، ولكن هذا لم يمنع من أن تجعلني أشعر بأننا جماعة واحدة أمام هؤلاء الغرباء، وبأن عليّ أن أحميه من هؤلاء الطارئين . ها هم، مثل شهر آذار المهذار الذي جاءوا فيه، يدخلون كالنمور ويخرجون كالحملان –-ص 142). نعم خبرناه شهر الاحتلالات هذا .. وبعد غيوم محنه السوداء ستشرق أشعة شمس الأمل البيضاء .. هذا ما كانت تفكر فيه فادية وهي تنظر من نافذتها العلوية إلى بيت ياسر .. (وفجأة، ارتفعت موسيقى القرب تعزف أغنية وطنية قديمة يقول مطلعها (جنّة جنّة جنّة)، وأغمضت عيني من شدة الخوف، ثم فتحتهما من جديد وأنا أقطع أنفاسي من شدّة السكون .. ورأيته .. رأيت ياسر العائد من سجنه يترجل من سيارة بيضاء تحمل شدّة ورد في مقدمتها .. لست أحلم بالتأكيد، لأن صوت الزغاريد جلجل بعد قليل، وهذا هو أمامي، وأول ما فعله عندما نزل ووقف بالباب هو أن رفع نظره باتجاهي وابتسم لي .. وبعد قليل ستبتسم الدنيا – ص 145) . وبعد نقلة رائعة وهادئة كالعادة نتأكد أن فادية كانت تحلم .. حلما ورديا فاتح اللون .. فهاهو كل شيء في مكانه .. البيت والصمت والباب والقفل .. وآني الأم تنظر إلى ساعتها اليدوية بين الحين وآخر، على الأغلب لأنها شاردة الذهن أو لأن الساعة لم تعد تشير إلى شيء .. والغائبون لازالوا في منازل بعيدة منسيين في أيام طويلة تمتد من ماض إلى ماض آخر .. تحت قمر صامت وبعيد .. وآخر رسالة بعثها ياسر من السجن تقول جملة واحدة: أريد أن أرجع إلى البيت – ص 146) . …….. وحلم العودة إلى البيت العظيم: بغداد، الحلم الوردي الفاتح اللون، قد استولى على وجدان ميسلون وعقلها فصمّمت حتى في إهدائها لي على نسخة الرواية وفق اشتراطاته: (إلى الناقد حسين سرمك حسن: حلم يراودنا جميعا، هو أن تغمرنا بغداد بنورها مرة أخرى) … حلم العودة إلى البيت هذا هو حلم الحياة كلّها ومفتاح نمائها وديمومتها .. حلم كل العراقيين .. فحافظوا عليه .. وهذه وصية ميسلون هادي .. فتحية كبيرة لها .

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

عند شاي العروس

عند “شاي عروس” (ميسلون هادي) د. حسين سرمك حسن منذ ما يقارب عقدين من الزمن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *