حفيد البي بي سي – فيصل عبد الحسن

حفيد البي بي سي لميسلون هادي

هي التي رأت

جريدة الصباح

13-10-2011

فيصل عبد الحسن*

من المفارقات في رواية ” حفيد البي بي سي ” للقاصة العراقية ميسلون هادي، أنها لا تبدأ روايتها من صفحات الرواية الأولى، كما هو منشور في الطبعة الورقية بل تبدأ ” كما ازعم ” من الصفحة 249، أي قبل فصلي الختام فيها، بنص جاء هكذا: ” خرج عبد الحليم شعيط من السجن فور عبور الدبابات الأمريكية جسور بغداد من صوب الكرخ إلى صوب الرصافة..  قطع المسافة من أبي غريب إلى شارع حيفا جالسا على قنفة موضوعة في الحوض الخلفي لحافلة تائهة مرت بالصدفة، وهي محملة بالمراوح، والأرائك، والتلفزيونات وغرف النوم .. “
الزمن الروائي لدى هذه الروائية العراقية يمر من عنق زجاجة ضيق فهي تقطره، كما تضع الجدة شهرزاد قطرات الدواء في عينيها، فهي من خلال دورة زمن روائية أولى تحكي عذابات ثلاث حروب مر بها العراق، من خلال علاقة وطيدة باذاعة البي بي سي البريطانية الناطقة باللغة العربية، فهي لا تجد حقيقة ما يحدث في الوطن العربي إلا من خلال هذه الإذاعة، فخبر الطائرات العربية التي احرقتها اسرائيل، وهي جاثمة في مطاراتها عام 1967 هي التي نقلته بينما تصر الاذاعات العربية على أسقاط الجيوش العربية لمئات الطائرات الأسرائيلية، وأن القوات البرية العربية ماضية لالقاء إسرائيل إلى البحر، بينما الحقيقة التي نقلتها البي بي سي تقول: ان الجيوش الاسرائيلية احتلت سيناء، وجميع أراضي فلسطين المتبقية من عام 1948 بما في ذلك القدس الشرقية، ومسجدها الأقصى الشريف، لقد نقلت البي بي سي البريطانية مئات بل الاف الأخبار عن محيطنا العربي، وكانت صادقة، وكانت إذاعاتنا كاذبة لا تنقل لنا الحقيقة، كما وقعت بل كانت تستمرىء  خداعنا والكذب علينا.
    ولا تنسى الروائية عقد صداقة روحية سرية في نسيج ذكرياتها المشوشة، بملكة بريطانيا اليزبيث الثانية، و مقارنة ذكريات شبابها الأولى بشباب وسيرة هذه الملكة، منذ زواجها من ممتاز في الثلاثينيات من القرن الماضي، وما رزقته من بنات، فجعلت أسماءهن من أسماء المقامات العراقية، ورزقت في ما بعد بأولاد ثلاثة، وأحفاد، دورة زمن هائلة شملت عشرات السنوات، واقتربت من القرن الكامل، حكت فيه عن أوجاع والام وحروب وقحط ، وصراع ممض مع الذات العراقية المتشظية بين الخير والشر، هذه الذات العراقية اللائبة بين ماض حضاري مشرف يمتد لسبعة الاف سنة وواقع مزر، يصارع فيه الإنسان ليدرأ عن نفسه مصير الموت المجاني بتهمة من التهم الجاهزة كمعاداته للسلطة أو الوقوف بوجهها ومعارضة ظلمها، أو الموت جوعا ومرضا، وسجنا ونفيا، دورة زمنية رهيبة من تشظي الذات، والبحث عن هوية صالحة للاستعمال الحضاري، فالرواية تثير اسئلة وتضع القارىء العراقي في غاية الحرج، منها:  هل العراقي فعلا صاحب حضارة سابقة؟  فلم اذن كل هذا اللؤم وحب التملك، وتحقير الآخرين في ساعة الغضب ؟  لماذا اذن هذه الذات المكسورة دائما، والمسكونة بحب ايذاء ذاتها، ومن اقترب منها من ذوات الآخرين؟ وكيف لها أن تبرأ من التكبرعلى الأضعف، والتذلل للأقوى حد الخنوع، والمخاتلة، والاثرة وحب السلطة والمال، والتعسف وغمط حقوق الآخرين والتلذذ بايلامهم ؟ وكيف لنا أن نصبح كالناس هناك في الضفة الاخرى فنقول الحق حتى لو كان على أنفسنا ؟
   اسئلة كثيرة تطرحها شهرزاد العراقية من خلال منلوج سردي تجيده الكاتبة، وتروي فيه كل شيء، فهي شهرزاد التي رأت كل شيء، كما جاء في أحد فصول الرواية، فنستمع إليها، وهي تقص لأولادها واحفادها عن ممتاز جدهم، الذي كان يغني في حفلات مقهى حسن كركوكلي المجاور لمقهى حسن سفر حيث كان ” القصخون ” يسرد قصص المياسة والمقداد، وعنتر وعبلة، وأبي زيد الهلالي، وقد رأت أيضا ” كل وسخ الدنيا من الروبية القادمة من الهند إلى العانة التي هتف لها العراقيون في الستينيات عاش الزعيم الذي زيد العانة فلس، ومن العانة إلى ورقة المئة دينار التي مسح بها زوجها ممتاز أنفه أيام الحصار ثم نفاها إلى سلة الزبالة، وهو يقول ان هذه الورقة أصبحت أرخص من ورق الكلينكس ” ص 19
   فالواقع في الرواية لايبدو، أنه يسير كما هو الواقع حقا بل أن هناك زمنا روائيا آخر أعتمدته الكاتبة، لتعميق بؤرة الحدث، وجعله بانوراميا ليمسح فترة تأريخية طويلة تحصر احتلالين للعراق ، وقعا في سنتي 1917 و 2003، وبالرغم من أن الزمن في الرواية، هو أحدى وسائل الروائي التقنية لإيصال جماليات العمل المبني أساسا على شخصيات لها تاريخ، وسيرة، ومشاركات شتى في صنع حياة الآخرين، ولكن جعل التأريخ أضمومة من فولكلور وثقافة وحوادث وشخصيات لما يعن لشهرزاد ” الجدة ” حكايته، لتأطير الجو العام للرواية، فهو سلاح ذو حدين، أحدهما في صالح الرواية، والآخر يحولها إلى فن أرشيفي، له شروطه وتقنياته، واساليب حكايته، أنظر هنا حين تسأل شهرزاد زوجها ممتاز عن المقام واصوله، فيجيبها: ” المقام يعني السلم أو النغم اما المقامات العراقية، فهي مجموعة نتاجات غنائية معينة مؤلفة مسبقا بالضبط، والتمام وحين يقرأ قارىء المقام مقام الرست، فإنه يعيد غناء هذا المقام المعين بالضبط، كما أخذه عن أسلافه من قراء المقام العراقي. ولذلك مثلا حين يذكر مقام البهرزاوي، حتى لدى قراء المقام انفسهم يذكر، كما غنته صديقة الملاية كأحسن مثل لقراءته. ” ص 21.
   أو حديث ممتاز عن المطرب محمد القبانجي ” وضرب لها مثلا بما حدث للقبانجي حين كان في برلين سنة 1929 لتسجيل بعض المقامات العراقية، فوصله نبأ غير صحيح بوفاة والده، ولكي يعبر عن مشاعر الحزن لدى تلقي هذا الخبر، وضع مقاما من نغم اللامي أسماه مقام لامي، وخلافا لكافة المقامات المعروفة غنى القبانجي هذا المقام مع أبوذية. ” ص22
  الزمن الروائي في ” حفيد البي بي سي ” يعمل من خلال دورتين الأولى مما حكته لنا الجدة شهرزاد، والثانية تبدأ بأطلاق سراح عبد الحليم من السجن، والذي كان قد اعتقل فيه من قبل النظام السابق قبل فترة قصيرة من سقوطه بالرغم من عمله كمراقب” للنصوص المسرحية في دار الكتب العراقية ” وتمريره عن طريق الخطأ، أو ربما عن طريق القصد المبيت، ظنا منه أن النص المسرحي سيعرض من دون أن ينتبه إليه أحد، وقد كان عنوان النص المسرحي الذي أجازه ” الرئيس آخر من يعلم ” والنص يحكي عن محاولة اغتيال رئيس عربي، وتشاء المصادفات السيئة أن تقع محاولة لاغتيال الرئيس العراقي في ذات يوم عرض المسرحية، ما وجه أصابع اتهام السلطة، لمن اجاز النص المسرحي للعرض، ما يعني أن هناك تواطؤا ما في عرض النص على الجمهور من وجه من الوجوه، وهذا يعني أيضا أن عبد الحليم كان ضمن الإدارة الأمنية للسلطة الحاكمة، وإن كان عمله يصب في قطاع الثقافة في ذلك الوقت.
   فالزمن الروائي رصد ما حدث في العراق خلال ثلاث حروب من خلال ” دائرة مراقبة المطبوعات ” ومئات التقارير، التي كتبها عبد الحليم، وزملاؤه في الدائرة ضد الكتاب والمثقفين العراقيين، الذين يقدمون نصوصهم لطلب الإجازة أما للطبع ككتب، أو للعرض كمسرحيات أو أفلام سنمائية أو لإذاعتها كأغنيات : ” كان يكتب التقارير في ما مضى بحق الممثلين والمسرحيين وشعراء الأغاني ” ص 275 وتمضي هذه الدورة الزمنية، بتحول عبد الحليم إلى مناضل ضد النظام السابق” اعتبرت بريطانيا العظمى الرقيب الوفي عبد الحليم شعيط سجينا للرأي، ومنحته اللجوء الإنساني مع خمسة من مزوري النقود بعد أن ادعوا أنهم موظفون من وزارات منحلة، وملؤوا استمارات تشبه تلك الاستمارات، التي كانت توزع عليهم أثناء التنقل بين الدوائر قبل الحرب.. ” ص281 وتنتهي الدورة الزمنية بدخول رجل ملتح آخر إلى غرفة ” رقابة الكتب والمطبوعات ” ليستلم وظيفته الجديدة، لكنه يمتنع أن يمد يده لمصافحة زميلته منار الموظفة في هذه الرقابة، مكتفيا بمسح لحيته السوداء كالفحم بأصابعه والرد على سلامها: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ” ومن دون ان يمد يده إليها ص 286
  ميسلون هادي في روايتها ” حفيد البي بي سي ” انتقلت بالرواية العراقية النسائية من لون إلى آخر، فلم تعزف على ذات النغم، الذي عزفت عليه كاتبات عراقيات كابتسام عبد الله، لطفية الدليمي، نضال القاضي، ديزي الأمير، بتول الخضيري، هدية حسين، أنعام كجه جي، عالية ممدوح، د.خولة الرومي، وغيرهن، وأعني به لون الحب الزوجي، ومغامرات المحبين واشواقهم، وما صادفنه في حياتهن من ظلم الأهل ومعضلات الوظيفة، أو عنت الرجل، بل أنها جعلت الرواية لسان حال جميع العراقيات الموجوعات بالترمل والحروب والحصار، وضيق ذات اليد، والبحث عن الحقيقة، والجمال في عالم يضج بالكذب والتمويه، والخداع والنميمة، وتشظي الشخصية العراقية، وتقلبها بين الخير والشر، وبالرغم من شعورنا العميق بكراهية المؤلفة للكثير، مما في الواقع العراقي من مفردات حياتية وبيئية، من طقس متقلب وحرارة موجعة، وصحار قاحلة، وأمزجة متقلبة، والكرم الحاتمي الذي يعقبه بخل خرافي من الشخص الكريم ذاته، وذات متشظية بين الشر والشر، والسوء والسوء، وما تمخض المجتمع عنه بعد عام 2003 من ارهاصات تشعرها في تسمية أبطالها كشعيط، ومعيط، وحديثها عن مؤخرات عارية لأطفال، ملوثة، يعبثون في بنايات وزارة الدفاع العراقية، واسمال مرقعة معلقة في نوافذ مؤسسات سابقة كانت عامرة بالنشاط الحكومي قبل حل مؤسسات كثيرة في الدولة العراقية وحل الجيش، واستيلاء الناس على ما تبقى من أثاث لمؤسسات الدولة ومبانيها، وتحول اللصوص والافاقين، إلى مناضلين يشار إليهم بالبنان في واقع المجتمع الجديد، الذي افرزته الحروب والمجاعات، ونقلت ميسلون هادي التقنية الروائية، التي اعتادتها الكاتبات العراقيات طوال عقود، التي تتلخص بكتابة المذكرات على شكل خواطر ورسائل ومنلوجات، لاستحضار الماضي، والسرد المنفلوطي المباشر، واستخدام ضمير الـ ” نا ” وضمير المخاطب ” ك” كتحديث للمتن الروائي، والتوقف عند هذا فقط نقلا عن الرواية الفرجينية ” نسبة إلى:  فرجينيا وولف “، والتدخل من قبل الروائية، كلما عن لها هذا بهذا الشكل او ذاك، لتقول لنا انها موجودة، وهي تقف خلف العمل الروائي، لقد حكت ميسلون هادي في هذه الرواية ما راته المراة العراقية، وعاشته، أثناء الحصار، والحروب الكثيرة، والثورات، التي مر بها العراق خلال قرن كامل، وهي بالفعل أعادت تأنيث البيت الشعري في ملحمة جلجامش الشهيرة الذي يقول

  ” هو الذي رأى كل شيء إلى تخوم الدنيا   هو الذي عرف كل شيء وتضلع بكل شيء” “فأحالته إلى:  هي التي رأت !!

– صدرت الرواية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت – لبنان/ ط1 سنة 2011/ 286 صفحة من القطع المتوسط.

كاتب عراقي يقيم في المغرب

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

عند شاي العروس

عند “شاي عروس” (ميسلون هادي) د. حسين سرمك حسن منذ ما يقارب عقدين من الزمن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *