حراك الذاكرة في رواية الحدود البرية
جاسم عاصي
مجلة الاديب
شباط 2006
في رواية الحدود البرية للأديبة (ميسلون هادي) تكون وجها لوجه أمام قرائن ومفارقات يتحكم بها زمن الحرب و ويلاتها وترتبط المفارقة أساسا في البحث عن تعويض الفقدان بما يشكل حالة الانتظار
سا
وما التوافق بين اسم الخطيب المفقود في الحرب مع اسم الطبيب إلا سعيا لصياغة منن من شأنه بحسب رأي السارد أن يفجر أكثر من مفارقة مشحونة بما تلحقه الحرب من دمار و ويلات؛ لأن القاسم المشترك الذي يجمع الأحداث هو الحرب إذا كان اعتماد الرواية على زمنين هما( حزيران 1994 /وحزيران 2002) لغرض إبراز مسيرة أزمنة الحرب ثم الاحتلال وهذه كفيلة ب،ن تعطي للمشهد الروائي المؤسس على المفارقة الكثير من الفعاليات التراثية التي ترتقي بالمشاهد إلى مستوى التصعيد الدرامي غير أننا نجد جملة البناءات والوحدات من الأحداث اقتصرت على بينة تسجيل وإخبار دون اللجوء إلى توظيفها لصالح التفعيل باستثناء بعض ما استطاعت الرواية توظيفه سيما مشهد الحافلة
بعد تعرضه لهجوم النصوص أو المشهد بعد العودة إلى الوطن وبحث خالد عن بيان لاستنهاض الذاكرة في هذا الشان إن خط مسار لغة السرد لا يتوازن صعود الأحداث فيما نرى أن اللغة هي المعيار الذي يمتلك قدرة التصعيد وانتشال النموذج من متنه في الواقع إلى متن النص ذلك لأن الفعل الروائي هو تسجيل إبداعي للواقع وهذا يدفع الى الدمج والتماهي بفعل تصعيد سخرية السرد باتجاه تداخل مهم وملفت للنظر في هذه الحالة من التمثل لنص الواقع يعطي للنص المكتوب إمكانية ذاتية باعتباره بديلا عن نص الواقع بسبب شعريته ودقته في التجسيد ان المفارقة في رأينا في ما رأيناه على الرواية كونها تعاملت أحيانا تعاملا حسابيا مع المكونات الأساسية لنماذجها
ذات القدرة على التدقيق ولاسيما (بيان) باتجاه (خالد) المفقود في الحرب وخالد الموجود والمهاجر الى خارج الوطن ثم ارهاصات (عايدة) و وحدتها بسبب الترمل ان التحكم بالفعل وردوده من الناحية النفسية يستطيع تصعيد التراجيديا لدى الشخصيات.
لقد اعتمدت الرواية في بنائها على ثنائية الاصوات حيث تمركز السرد على فصول متعاقبة بالمناوبة بين (بيان و خالد) اذا اشتمل القسم الاول على سبعة فصول لبيان وثمانية لخالد فيما اقتصرالقسم الثاني على خالد بحث عن مسكن بيان بعد الوصول الى الوطن ان هذا الاختصار والتسريع والاحتواء غرضه شمول اكثر من مشهد واكثر من زمن وقد اضر هذا بالرواية سواء في بنائها او في تأسيس بنية نماذجها
غير اننا وقفنا على الكثير من مات تشيعه (ميسلون هادي) وتجسده في فعل السرد
كما رأينا ذلك في رواية (العالم ناقصا واحد) حيث عمدت الى تجسيد التراجيديا لتحقيق رؤيتها ونظرتها لمجريات الزمن في الواقع المعاش فالسارد في نصوصها يراقب ويندمج مع المفردات ويحقق مستوى من النقد غير المباشر من خلال خاصية النظرة والقدرة على الكشف إن نساءها مسكونات بمشاعر الأمومة والنظةر الشرقية الخالصة التي يتحكم في صيرورتها الوعي الاجتماعي و سياقاته كما هو عند الأم والأخت وبنت الحارة الشعبية المنتمية الى واقعها فبطلاتها سواء في قصصها ام في رواياتها مشحونة بأمومة أو أنوثة تترشح منها ألفة خاصة تمتاز بها المرأة العراقية المحافظة على بنيتها ضمن التقاليد والاعتبارات الأسرية ومن ثم فهي امرأة البيت والأسرة أكثر منها امرأة الواقع الاجتماعي كالدائرة والمؤسسة امرأة (ميسلون هادي) مشغولة بمفرداتها الأسرية ولاسيما في ظروف الحرب فلا تفرط بها و لا تنهى عن مشغولياتها بل تحاول اتخاذها معبرا لما هو خارج نطاق البيت المؤثث بالمحبة والذكريات واعتقد انها كمنتجة لها مثابة تترشح عبر نصوصها لتأصيل وجود المرأة المنزلي ومن ثم الاجتماعى دون ان تشير الى النقيض لنموذجها في ما هو خارج حيز البيت بل كل محاولاتها تنصب في إبقاء الدفء يلم شمل العائلة فنموذجها يندفع الى الايجابي و المثالي على الرغم مما يراه من ترد في الواقع وقد تجسد هذا واضحا في حياه بيان و عايدة من جهة و خالد و بقية ركاب الحافلة من جهة ثانية كذلك حياة خارج الواقع العربي من جهة ثالثة حيث تجسدت المفارقة واضحة
في الرواية تمركزت الثيمة على المفارقة معتمدة النتائج من الاحداث فنحن لسنا امام تاريخ للعائلة او العلاقة بين خالد وبيان وانما امام مرشحات السرد في تتبعه للمشاهد التي بنيت عليها الرواية معمارها فالذي تكشف لنا بدء هي صورة المأساة في التراجيديا موت الطيور الذي هيأ الذهن لاستقبال حقائق جديدة من هذا النوع (الدنيا كلها طيور ميتة) لذا وضعنا السارد بمواجهة مجموعة هائلة من الصور احتوت اجزاء مقطعة للطيور هذا ما كشف لنا محتوى آخر لماسي الحروب التي مر بها الوطن سواء كان ذلك عبر ذاكرة خالد ام من خلال استرجاعات بيان وتداعياتها فإشارة الطفلة الى مجزرة الطيور اثارت خالد الذي استرجع من خلالها تراجيديا الموت الذي شاهد فصولها في الحروب والاسر راح يتأمل الطيور القتيلة المتروكة على الارض وقد اختفت رؤوسها وصدورها واجنحتها
مثل هذا المشهد عززه على مستوى التراجيديا ترمل عايدة وما حدث للمسافرين على الحدود انطلاقا من مأساة هجرتهم التي تكتم السارد على مبرراتها لكنها بطبيعة الحال كانت تحصيل حاصل أسوة بالهجرات المتتالية غير أن رسم الفاجعة تركز على تعرض الحافلة الى مداهمة اللصوص واصابة خالد ورجل الحماية ان السارد رسم بدقة مشهد الحافلة من خلال استظهار دواخل المسافرين المرعوبين إذ لم تقاسمهم سوى البرية وهم على هذه الحال وتلك المفارقة سردية تغافلت عن كل مكنونات طرق البرية وطبيعتها كانت المحصلة النهائية لمثل هذا الحادث هو عكس النوازع المفارقة عند المهاجرين او الذين يجتازون الحدود ولاسيما ان الرواية ق عالجت في مسارها خلفية نماذجها من خلال ما طرحتها من وجهات نظر خاصة الاسير السابق وما عكسه من ويلات الأسر كذلك الرجل الذي يحاور خالد اذا بدا غريبا اثار استغرابه وهو يكثر من الضحك وحين سأله خالد عن سبب ضحكه أجابه منذ سنوات وانا اضحك والله لما أتذمر لحظة واحدة من كل الذي حدث ولم اشعر بالضيق او الغضب) ويقصد ظروف الحرب ويأخذه التطرف في عكس مشاعره ازاء احداث الحرب حد السادية ( فقد فاتك نصف عمرك إذا، اهوال تلك الليالي كانت رفيف المتعة الخفية التي تصاحب هبطة الخوف احيانا كانت تشبه متعة من يراقب فلما من افلام الرعب ان معادلة هذا النموذج تتحقق على مستوى اللابالية يا وحالة التلذذ الشاذة فحين يسأله خالد انت تبسط الامور بطريقة غريبة ولماذا اعقدها؟؟ العالم معقد , جنون بما فيه الكفاية الا يقودنا عالم مثل هذا الى الجنون بلى الى الضحك
بينما تجتمع شخصية خالد وبيان على مستوى محايد يلبي كل طرف مشاعر الاخر على الرغم من طموحاتها الذاتية على انهما قد هدما ما جدار الاختلاف فبانت لها حكمته القاتلة الرماد هو انظف شكل توجد عليه المادة في الطبيعة وبهذا نقر مسألة ما يصيب المرء من فشل وخيبات معتبرة إياها شكلا من اشكال تحقيق الوجود
خالد له رؤيا في كل ما يحيط به ابتداء من مهنته كطبيب الى علاقته غير المعلنة مع بيان التي ابقاها السارد متأرجحة بين الواقع والطموح ومن ثم تمثل منطقه بين الحلم والواقع فهو المتزوج من بعد الهجرة و الخارج من هذه التجربة بالخيبة وبيان التي كانت تنتظر خالد الاسير الخطيب والمفقود في الحرب لذا فهي في منطقه قلق بين خالدين لكنها تصر على الوفاء المفقود واملها في عودته فيما تتشوق لخالد الطبيب الموجود في حياتهم على الرغم من هجرته ان الرواية لم تحسم مثل هذه المفارقة بل ابقتها معلقة وبخاصة بعد العودة الى الوطن وضمن قسم الرواية الثاني الذي حفل بجولات خالد في اقاليم الخراب الذي تركه الاحتلال بما أوحى له من افكار سوداوية مكتفيا باجترار ذكرياته ومراقبة بيت بيان و الشارع لابثا بين الحلم والواقع مكتفيا انه ما إن يقترب من بيان حتى يدرك انه ما اقتربت منه الا في الحلم لذا ضيع الواقع تماما ضمن الضياع العام للمكان ومعالمه وفساد العلاقات الانسانية وعلى هذا النحو (لم يتبين ايهما كان حلما وايهما حقيقة) وثم ظل واقفا في تلك النقطة التي تفصله بين زمنين وزمنها وزمنه هنا وهناك
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم