تعددية الأصوات وأسئلة المجتمع المعاصر
في رواية ما بعد الحرب في العراق
رواية جائزة التوأم لميسلون هادي نموذجاً
د. مريم جبر
أستاذ النقد والأدب الحديث/
جامعة البلقاء التطبيقية/ الأردن
مقدّمــــة:
تروم هذه الدراسة النظر في واحدة من الروايات العربية التي تطرح جملة من أسئلة الواقع العربي، وتبرز مدى تفاعل الذات الكاتبة والفن الروائي مع مجريات هذا الواقع، وما يشهده ويمور به من أحداث سياسية ومتغيرات صارخة في المكوّن الاجتماعيّ والفكريّ، وبخاصة الفكر الديني وبنية الأسرة العربية التي وجدت نفسها أمام تحديات تهدد بناءها والتكوين النفسي والفكري لأفرادها، وذلك من خلال رواية “جائزة التوأم” للروائية العراقية ميسلون هادي، وتعرض حكاية أسرة عراقية تنبني أساساً على علاقة حب بين شخصين من المشرق العربي والغرب، وتدور أحداثها بين بغداد ولندن، لكن هذه الأسرة سرعان ما تنهار أمام تحديات الإرهاب وتغوّل الفكر الديني وهشاشة التكوين النفسي للشباب في ظل عجز الكبار/الآباء عن احتواء مشكلات الأبناء وتشوهاتهم الخَلقية والنفسية، مما يساعد في تهيئتهم للانجراف في تيار فكر ديني ينتهي بهم ضحايا عمليات إرهابية تطال أهلهم وأقرباءهم قبل أهدافهم الأخرى.
ولعل الكشف عمّا يكمن خلف ذلك المآل من تفاصيل وأحداث يتطلب تقنيات سردية خاصة، تستطيع انتزاع الاعتراف وتشكيل الأسباب وتهيئة البيئة المكانية والزمانية الملائمة وتبرير النهايات، ولذا بدت الحوارية أو تعدد الأصوات (البوليفونية) التقنية الأكثر ملاءمة التي اعتمدتها الكاتبة، فأتاحت من خلالها للشخصيات أن تكشف بصوتها الخاص عن أفعالها وأفكارها وتوجهها الإيديولوجي، ورؤيتها للآخر والمحيط ومجرياته، على ما يترك ذلك من عبء على القارئ المتلقي الذي يجد نفسه أمام مهمة لملمة الحكايات المتداخلة من متلفظ الرواة المتعددين، ومن تشكيل حبكة الرواية والتقاط خطاباتها، سيّما أن الحواريّة أو تعدد الأصوات من أجلّ خصائص الخطاب الروائي المنفتح على عدّة أجناس وخطابات متنوعة، وهذا التعدد الخطابي هو المسؤول عن تحرير الأصوات من أصلها التلفظيّ الأول، نقصد المبدع أو الراوي، وينأى بالخطاب الروائيّ عن الأحاديّة في كلّ مستوياته الخطابيّة، التاريخي منها، والروائي، والحضاري، والعقديّ، والإيديولوجي، وذلك ما تحاول هذه الورقة جلاءه عبر دراسة تطبيقية تكشف جدل العلاقة بين التخييلي والواقعي في رواية “جائزة التوأم” لميسلون هادي.
الرواية وأسئلة المجتمع المعاصر:
شهد الوطن العربي في العقد الأخير من هذا القرن كثيرا من التطورات والأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبخاصة ما يتعلّق منها بسقوط رؤوس أنظمة سياسية، وثورات شعوب كانت تعاني من تسلط تلك الأنظمة وقمعها للحريات، فكثر إذ ذاك الحديث عن التابوهات والعلاقة بين الأدب والسلطة وأدب السجون، وغيرها من الموضوعات التي أفرزها واقع الحياة، السياسية منها بشكل خاص، لكن التعبير عنها بعد تبدّل الحال في كثير من أقطار الوطن العربي، اتخذ أشكالاً من الخروج عن السائد في كسر التابو السياسي والديني، ولم يعد الكاتب وبخاصة الروائي، يجد بأساً في الحديث في ما كان ممنوعاً، بصورة صريحة تمرر انتقاداً للبنى السياسية المتهدمة، بل وللبنى الجديدة التي قامت على أنقاض سابقاتها، والبنى الدينية التي كانت تتخذ شكل معارضة متسترة، فصارت تشهر معارضتها، بل سعيها للاستيلاء باسم الدين على السلطة عبر حروب تدميرية بشعة، انعكست آثارها على البنية الاجتماعية، وطرائق التعبير الفني الأدبي عن ذلك الواقع، ومن ذلك ما بتنا نلحظه في روايات ما بعد الحرب، من جنوح اللغة للجرأة في النقد وتحليل ما وراء السلوكات والوقائع.
طرحت ميسلون هادي في رواية (جائزة التوأم) جملة أسئلة ما زالت معلّقة في فضاء المجتمع المعاصر، العربي خاصة، هي نتاج تأمل في ما آل إليه الحال بأثر ما يشهده الواقع من متغيرات في جميع مناحيه، واتخذت من بغداد نموذجا حيّا في ذلك.
قدّمت ميسلون صورة عامة للأجواء العامة لمدينة بغداد بأحيائها الشعبية وطبقاتها المختلفة، كبار السن المتشبثين بالعادات والتقاليد، المتعلمين والمثقفين والحزبيين، الذين بدا دورهم باهتاً، ولم يستطيعوا التأثير في مسيرة هذا المجتمع، أو الإسهام الإيجابي الواضح في تحديد مآله، مع التركيز على فئة الشباب الذين جعلت الحرب منهم جيلاً ضائعاً بين أفكار راسخة، وأخرى وافدة، وثالثة هي نبت غريب يجمع الدين إلى الوطنية إلى الإنسانية إلى الحداثة إلى الرجعية، عبر سلوكات وخطاب يبدو غريباً عن كل تلك المرجعيات.
فصخر هو رمز لجيل ضائع بالمعنى الجسدي المهدد، والمعنوي المستلب منذ الطفولة، ولذلك تغدو تداعيات استعادة حياة الطفولة وبعض الأحداث محمّلة بأمارات التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه هشاشة البناء النفسي والجسدي لديه، كما لأبناء جيله ممن حملوا عبء ما يحملون من عيوب جسدية كالتأتأة والتلعثم بالكلام، مما له صلة وتأثير في التكوين النفسي، كفقدان الثقة بالنفس، وبالحماية وتقبل الآخر، ولذلك كان صخر يجد ذاته مع الطفلة ذات الإعاقة العقلية، فيتحدث إليها بطلاقة ويتلفظ الكلمات بدون توقف أو عثرات، ويساعدها في التعلم، كما يشكو لها وتشكو له، ويتضاحكان بانطلاق ما كان لصخر أن يفعله مع أي شخص من جيله ولا حتى مع أخيه ووالديه، كأنما “كان يعوض آلام نفسه عن طريقها.. لأن عاهتها أكبر من عاهته، وهي الوحيدة التي لا تلاحظ تأتأته في الكلام”[1].
ومن خلال هذا النموذج الإنساني رصدت ميسلون هادي جوانب مما خلّفته أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2011، وما خلفته موجات الإرهاب المختلفة التي شهدها الوطن العربي، فتتبعت أثر التطرف الديني واستقطاب الشباب من ذوي السمات النفسية القلقة والمشوهة، لتنفيذ أعمال العنف والقتل والدمار، وفي الوقت نفسه تدين صمتاً لا يقل خطراً عن ذلك كله، فثمة صمت إزاء حوادث الاختفاء والاغتصاب والموت المجاني، وكأن ذلك أصبح أمراً طبيعياً، بينما هو خطر يتهدد المجتمع، وتقدّم وجهة نظر الروائي ودوره في التأشير على حجم ذلك الخطر وعمقه وامتداد تأثيره في الفرد والجماعة سواء. كما يتضمن تنبيهاً على عوامل تشكّل الفكر الإرهابي وتناميه في حال غياب الوعي التربوي الأسري الذي يسهم في خلق ألوان من الاختلال النفسي والانفصام عن الجماعة والأصدقاء لدى الشباب خاصة، بما يمهّد الطريق إلى سهولة استمالتهم وتبعيتهم لفكر مشوّه يجعل منهم أداة للقتل والتدمير، وهي النهاية التي آلت إليها شخصية صخر المحب المسالم الهادئ، الذي استُغل لتنفيذ عملية التفجير في مكان يرتاده عموم الناس بمن فيهم أقرب الناس إليه.
بنية المكان الروائي:
تتميز رواية “جائزة التوأم” بانتسابها إلى بيئة جغرافية محددة، أو فضاء مكاني محدد بشكل صريح، هو مدينة بغداد، بأحيائها المتعينة بأسمائها أيضاً، لكن القارئ سرعان ما يجاوز، بشخوص الرواية وأحداثها، محدودية المكان، حين يصلها بما يشهده واقع الحال في أماكن وأفضية أخرى تتشابه فيها الظروف وعوالم الناس العاديين الذين كانوا لاهين منشغلين بتفاصيل حيواتهم اليومية، ليستيقظوا فجأة على تغير الأحوال وغائمية المآل الذي ينتظر الشخصيات، ويمتد إلى معالم المكان نفسه.
إن إدراج اسم المكان (مدينة، حي، شارع، بيت، غرفة،…..) أو الخروج من كل الأفضية المحددة المسمّاة إلى ما هو خارجها (نفسياً وروحياً) يُعدّ مراوحة بين الوعي بالمكان من حيث هو حيز مادي ملموس يتسع أو يضيق حسب درجة إحساس الشخصية به، دون أن يعني ذلك انفصاله عن المكوّن الحدثيّ، وهو ما يقف القارئ عليه، في مثل خروج المتصوفة والمتشيعين، عبر ما وصفته الرواية من طقوس وحركات وأفعال تؤدي بهم إلى غياب روحي عن الواقع إلى حد ينتفي فيه الإحساس بالأشياء وبالجسد، إلى حدّ احتمال مرور سيف أو سكين عبره دون إحساس بالألم، ومثل ذلك ما وصفه صخر من إحساسه بالغياب التام عن كل ما حوله، لحظة دنو إعدامه على يد المختطفين، ومثل ذلك أيضاً ما نقله إبراهيم من فقدانه الإحساس بالمكان من حوله إبان اختفاء ابنه وفشل محاولات البحث عنه، أو اليأس من العثور عليه.
ومن جانب آخر يظهر أن جنوح الرواية إلى تشكيل إطار محدد زماناً ومكاناً، هو نتاج وعي بأهمية المجتمع وخصوصيته وأثره في بناء الشخصية، وبدا هذا الأمر أوضح مع تغير القوى التي كان يواجهها، فبعد أن كان يواجه قوى غيبية أصبح يواجه معطيات وأطرافاً حقيقية في وسط محدد ذي عناصر متغيرة مع الزمن[2]. كما كشفت عن صور من الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، تراوح بين القبول والرفض، وتكشف في الوقت ذاته عن أنماط من التفكير والسلوك الجمعي، بما يتضمن دعوة إلى قراءة الذات وعلاقتها بالعالم الخارجي، ومواجهة المستتر المخفي في البناء الهش لتلك العلاقات، الأصدقاء، الأقرباء، الأخوة، الأبناء، والكشف عن أمارات الإنذار قبل أفعال الإدانة والبحث في أسباب الدمار، ومن هنا جاء انطلاق السرد الروائي من لحظة الاختفاء ممهداً لاستدعاء الأصوات المختلفة لشخوص الرواية: الأب، والأم، والأخ، والصديق، والجار، والمعلم، والطبيب.
فمن خلال تشابك العلاقات واشتباكها بين شخوص الرواية أبرزت الكاتبة معالم المكان، وثقافة الإنسان فيه ومدى تحضره، فالتوأم الذي استمدت منه الروائية عنوان الرواية، وانطلقت في بنائها من فكرة ارتباط هذا التوأم بيولوجيا ثم انفصاله بأثر التجاذبات الاجتماعية والفكرية المختلفة، تتجاذبه إلى ذلك ثقافتان نقيضتان، عربية تراثية لجهة الجدّة التي ما زالت تتمسك بعادات وتقاليد تبدو غير مقبولة وغير مقنعة للأم الإنجليزية التي تمثل قطب التجاذب الآخر، فترفض كثيراً من تلك الموروثات وتحاول استبدالها بما يتلاءم وثقافتها والحضارة التي انحدرت منها.
ففي حين كانت الجدة بعد أن تمشط شعرها بالمشط الخشبي، تقوم بدفن ما تجمع من شعرها بين أسنان المشط في أرض الحديقة، اعتقاداً بأنه لا ينبغي للمسلم أن يترك مخلفات جسمه مهملة أو يرمي بها إلى القمامة، تجد المرأة الإنجليزية تقوم بالاغتسال وتمشيط شعرها مرات في اليوم، دون أن تعير مثل هذه الأفكار اهتماماً، وفي الوقت الذي تُظهر فيه هذه المرأة خوفها من العناكب وتجدُّ في التخلص منها، تعتقد الجدة أنها تبالغ في خوفها “ولا تدري بأن العناكب قد حمت نبي الله من الكفار”[3].
كما أن الجدة تحرص على أن تعلّق على الجدار لوحات تتضمن آيات قرآنية، في حين ترى صوفي زوجة ابنها أن ذلك يجعل البيت يبدو شعبياً وشبيهاً ببيوت الفقراء[4].
ولذلك كان الخلاف ينشب بينهما على كل صغيرة وكبيرة من تفاصيل المعيش واليومي، ما أدى في نهاية المطاف إلى الانفصال المكاني بينهما، واضطرار الأب إلى اتخاذ سكن بعيد يتناسب وطبيعة زوجته الأجنبية، فسكن في شقة في أحد أحياء بغداد المتحضرة بخلاف بيت أمه في المزرعة، وهي النقلة المكانية التي تُحدث تحوّلاً جذرياً وعظيماً في حياة الأسرة، إلى جانب التحوّل الذي تخلقه عودة الأم وابنها الآخر إلى لندن ليتمكن الأخ التوأم من إكمال دراسته في مجال الطيران، مما عمّق الإحساس بالوحدة والغربة في نفس توأمه، وليبدأ انفصاله التدريجي الفعلي عن أسرته ومجتمعه من ثّم.
إن العمل الروائي إذ يقوم على تصوير الأحداث والشخصيات، إنما يقوم على “تصوير أمثلة من السلوك الإنساني يعبر عن قيم اجتماعية معينة، سواء أكان هذا التعبير إيجاباً أم سلباً، أي خاضعاً لهذه القيم أو متمرداً عليها. بل إن اختيار الكاتب الروائي لأحداثه، ودلالة هذه الأحداث عنده، ينبعان أصلاً من مواضعات اجتماعية”[5]، والكاتبة في هذا العمل تلقي ضوءاً على كثير من العادات والتقاليد الاجتماعية والدينية التي يختلف عليها حتى أفرد البيت الواحد، كما في تقاليد الاحتفاء بيوم عاشوراء التي كان الأب يرقبها من شرفة بيت الأم المطل على كورنيش الفاطمية، فيرى الدماء تسيل على الأكفان التي يلبسها الرجال ورؤوسهم تنزف دماً. كما يتبدى الاختلاف بين الأجيال في مدى تقبل بعض العادات، انطلاقاً من مدى التزام كل منهم بها، ففي حين نجد الجدة تفطر مع آذان مدفع الحسينية، يفطر أبناؤها على مدفع التلفزيون، بما يشير إلى أثر الوعي والتطور الحضاري على قوة التزام الأجيال بما توارثوا من تقاليد وعادات مختلفة، لكن المفارقة التي يكشفها تنامي السرد بين مشهد وآخر، تكمن في التأثير السلبي للحضارة ووسائل التكنولوجيا التي يتم استغلالها للتأثير والتوجيه السلبي الذي يعزز التخلف والجهل في مجالات المعرفة المختلفة وعلى رأسها الدين.
من جانب آخر، وفي سياق الحكاية وتفاصيلها، لم يبدُ أن اختطاف الشاب وغيابه المريب قد ترك أثراً في محيطه، بل لم يشعر بهذا الغياب سوى عائلته الصغيرة، والداه وأخوه التوأم، وحارس العمارة الذي كان رأى العصابة وهي تأخذ الشاب من بيته، وفي ذلك ما يشي بعدم وجود علاقات تربط هذا الشاب بغيره من محيطه، وهو ما تؤكده التفاصيل التي أوردها الأب والأم في حديثهما عنه، كما يشي، من جهة أخرى، بتبدل الأوضاع تبعاً لما يشهده البلد من أحداث مزقت الصلات بين الناس، حتى صار اختفاء مواطن أمراً عادياً لا يثير الاستهجان، ولا يتداعى معه أهل الحي أو المدينة للبحث عن المختفي، بل فوق ذلك، بدا ظاهراً اعتياد سيطرة الآخر الغريب وقبوله، ما جعل بعض أهل الحي يرسلون الطعام للجنود الأمريكان، ويلتقطون الصور معهم، على الرغم من إدراكهم لوجودهم (الجنود) العدواني بينهم، ولا مبالاتهم تجاه ما يحدث، وأنهم ضرس في آلة التدمير المهولة التي حطت عليهم[6]. بل لم يتحرك ساكن بعد انكشاف أمر اغتصاب الجندي الأمريكي للطفلة ذات الإعاقة (سجا)، التي اغتُصبت ضحكتها وحركتها وحريّتها ورغبتها في التعلم، ومن ثمّ تمّ قتلها دون أن يثير ذلك أيّ لغط أو رفض أو احتجاج علنيّ، بل تمّ التكتم على الأمر على المستويين الرسميّ والشعبيّ على السواء. وهو شكل من الخراب غير الظاهر مما تخلّفه الحروب في نفوس الناس، وينعكس على علاقاتهم ببعضهم بعضاً، وعلى سلوكهم وردود أفعالهم تجاه قضايا إنسانية كبيرة، مثل اختفاء شاب مسالم لم يرتكب جرما يستحق عليه العقاب أو المصير المجهول الذي آل إليه بدءاً، ومثل اغتصاب طفلة معاقة لا حول لها ولا قوة ولا إدراك، وغير ذلك مما يسمه جون بودريار ببورنوغرافيا الحرب[7]، حيث يحضر الحدث الفاضح الذي يعرّي كلّ العيوب الّتي تستوطن نفس الإنسان وكأنّه لم يبق شيء في الخارج، وهو ما عبرت عنه الراوية الأم في تحليلها لآثار الحرب على مجتمع الرواية بقولها: “بدأت الحرب تبدي العيوب.. وكل يوم يتبدى لي عيب جديد أراه..”[8]
الزمن الروائي:
مما لا شك فيه أن كاتب الرواية يعمل على “تقديم شخصياته في حالة الفعل ضمن حدود برهة معينة من الزمن الروائي. لذلك لا يمكنه أن يحيد عمّا ينبغي عليه من إيجاد تقاطع في حيوات أشخاص روايته في وقت معلوم”[9]، ولعل هذا التقاطع هو ما يخلق النسيج الكلي للعمل، ويجعل من الأزمان المتتابعة أو المتباعدة خيطاً ناظماً لحركة الشخوص، ومقارباً لفضاءات ما تقترفه من أفعال، وهو ما فعلته ميسلون في تعمدّها اقتناص اللحظات الزمنية الخاصة بالشخصيات دون مراعاة الترتيب الزمني، وإنما تتداخل اللحظات الزمنية وتتقاطع في ضوء استعادة كل ما له صلة باللحظة التي تشكل البؤرة الزمنية للعمل، وهي لحظة اختفاء صخر، فتتكشّف اللحظات بشكل تدريجي يترتب عليه كشف ما خفي من أحداث وملابسات جرت قبل الاختفاء وبعده. فتضع الشخوص في مواجهة آثار ما تبقى من أزمنة ماضية أسهمت في التكوين النفسي لها، وأزمنة حاضرة تستثمر هذا التكوين الهش مسلوب الإرادة، وتدفع بالشخصية للسعي للحصول على جائزة ما خارج الواقع، في مكان آخر وزمان آخر غير محدد المعالم، لكنه الفوز الموعود بقصر في الجنة، فوز منبثق من رحم الموت، وهي، حسب بورديار، حجة أخرى تنم عن سوء نية، فهؤلاء الارهابيون يقايضون موتهم بمطرح في الجنة، وعملهم ليس مجانياً، لأنهم ينطلقون فيه من إيمانهم بالله[10].
وشأن الرواية الحديثة التي “اختفى فيها الترتيب الزمني المباشر للمادة الروائية، وأصبحت الرواية تتناول الزمن بطريقة تتضمن كثيراً من الإشارات المتقابلة أو المتتابعة للأزمنة المختلفة، كما أصبح الكاتب ينتقل في سرده بين الماضي والحاضر حسب ما تقتضيه الضرورة الفنية الروائية”[11]، فقد خرقت البناء الزمني التقليدي للرواية، فليس ثمة خط سير للأحداث، ولا تراتبية سردية منتظمة، بل تركت الأحداث تتداعى في وعي الشخصيات بين لحظتين زمنيتين، تحددت الأولى باختفاء الشاب صخر، والأخرى بتفجير نفسه أمام المطعم.
بنية الشكل الروائي: اللغة والأسلوب:
بنَت ميسلون هادي رواية “جائزة التوأم” على ما يشبه بناء الحكايات في استنادها إلى حبكة بحلقات، تبدأ أولاها بخروج البطل من بيته وعن فروض الطاعة التي اعتادها في محيطه، ليتم، في الحلقة الثانية، تعقد خيوط الحكاية وتشابك اتجاهاتها عبر مسارب تتناسل فيها ومنها كثير من الأحداث والعقد والعلاقات، بما يكشف، في الحلقة الثالثة، معاناة هذه الشخصية والصعوبات التي تواجهها، وتستمر متصاعدة إلى أن تنتهي بنهاية السرد[12]، فقد بنت الكاتبة روايتها على حبكة اختفاء الشاب صخر، ومن ثمّ تبدأ رحلة بحث والده المكلوم الحائر عنه، ويتخلل ذلك استعادة لصفحات كثيرة من تاريخ علاقته به وأسرته والمحيطين، إلى جانب استعادة صفحات من تاريخ العراق المعاصر وما يحدث في بعض الدول المجاورة، وبدأت تظهر له نتائج مشابهة على الشعب الرافض للقمع والظلم، مثل ما حدث ويحدث في سوريا.
وقد حمل الغائب سر اختفائه معه، ما جعل البحث عنه يتخذ إحدى طريقين، تتجه الأولى ناحية اعتقاله من جهات رسمية، كالشرطة العراقية أو قوات الاحتلال الأمريكي، أو ناحية اعتقاله من قبل الجماعات والتنظيمات الكثيرة التي ظهرت في تلك الحقبة، وبدعوى طلب فدية، والثاني هو الأرجح، لأن الشاب لم تكن لديه أية نشاطات يمكن أن تؤدي به إلى هذا المصير المجهول.
تنهض الرواية على ثنائية الاختفاء والظهور، تلك الثنائية التي أثارت أسئلة الغياب بمعناه الحقيقي والمجازي، مثلما أثار ظهور الغائب أسئلة شكل آخر من الغياب الدمويّ الذي يثير أسئلة التربية والفكر وبناء إنسان ما بعد الحرب، وذلك ما جسّده صخر إبان غيابه وحضوره على السواء، ففي كلا الحالين كان هذا النموذج من الجيل الضائع سبباً في تدمير روح الإنسان في مَن حوله، متمثلاً بما تركه اختفاؤه من أثر سلبي لدى كل من له صلة به: الأب والأم والأخ والصديق والقريب… بل في تدمير الروح ذاتها والجسد أيضاً متمثلاً بما تركه تفجيره لنفسه من موت لأولئك ولغيرهم ممن طالتهم شظايا التفجير، وبخاصة والدته وأخاه العائدين بشوق من أجل لقائه.
تعدد الأصوات وتباين وعي الواقع :
لقد أتاح استخدام تقنية تعدد الأصوات (البوليفونية) للشخصيات قدراً كبيراً من الحرية في التعبير، وتقديم منطوقاتهم المختلفة والمتفاوتة والمتناقضة، مما يُعد كشفاً فنياً عن طابع سياسي عميق قوامه حرية النطق والتعبير[13]، خاصة أن ظهور هذا اللون من الرواية ارتبط بما تشهده ظروف الحياة من تناقض وتعدد وعدم استقرار[14]، فغدت الرواية البوليفونية، على ذلك، الشكل الأنسب للتعبير، وغدا “تعدد الساردين وتعدد الأصوات في الرواية الحديثة استجابة جمالية (استيتيقية) لمقتضيات تنسيب الحقيقة، وترجمة الشك والارتياب التي باتت تطبع موقف الإنسان من ذاته ومن الآخر ومن العالم”[15].
ففي هذا اللون من الرواية يخرج المؤلف على هيمنة الراوي الواحد والرؤية السردية الواحدة، فيتراجع صوت الروائي لصالح إبراز صوت الشخصية التي تبدو مستقلة ظاهرياً عن صانعها، بينما هي في حقيقة الأمر تجسد جملة الرؤى التي يسعى الروائي لتقديمها عبر خطابه الروائي[16]، وتصبح الشخصية صوتاً أي موقفاً إيديولوجياً في صراع مع الموقف المقابل، ومن هنا برزت فكرة (الديمقراطية) في السرد، حيث “تصبح الشخصية صوتاً أي موقفاً إيديولوجياً في صراع مع الموقف المقابل، وكنتيجة لذلك يلعب الخلاف بينهما على قاعدة بوليفونية يحقق بها الكاتب هدفاً جمالياً يطلق عليه المنهج الاجتماعي اسم الديمقراطية السردية”[17]،
تُعدّ الرواية تمثيلاً للتنوع الاجتماعي للغات والأصوات الفردية، تنوعاً منظماً أدبياً، يقتضي انقسام اللغة القومية إلى لغات اجتماعية وتلفظات جماعية ورطانات مهنية ولغات لأجناس تعبيرية، عبر طرائق كلام بحسب الأجيال والأعمار والمدارس والسلطات والنوادي والموضات العابرة، فيصبح لكل وقت، أياما كان أو ساعات، شعاره وقاموسه ونبراته[18]. فاللغة لصيقة المحلية ومادة التعبير عما يكتنف الواقع من تجاذبات وتداخل يعكس طبيعة مجتمع الرواية ومستويات إدراكه لحقيقة ما يجري فيه، وبها “نتحسس عمق الواقع ومأساة الإنسان فيه، وباللغة نتحسس رؤية الكاتب ولهاثه وراء المغزى المفقود في الحياة”[19].
وقد بدا واضحاً تباين مستويات اللغة بتباين الإدراك والوعي بالمشكلات الحقيقية التي خلقت عالم الرواية وأوجدت خطابها المنبثق من ذلك التباين ومن حجم المفارقة بين تلك المستويات، وأقصد هنا ارتباط التعبير بالمستوى الثقافي والتعليمي والسمت الخاص للشخصية، وبوجهة النظر من جهة أخرى، وقد بدا الأول واضحاً في منطوق (سجا) ذات السمات الخاصة التي تجعل من اسم محمود على لسانها (نحنود)، والمدرسة (ندرسة)، كما تتبدى اللهجة العراقية بوضوح في حوارات الشخصيات في ما بينها، ما يجعل منطوق الشخصيات في تلك الحوارات مرتبطاً بطبيعتها الاجتماعية وتعلّقها التراثي أكثر مما هو مرتبط بثقافتها وتعلّقها الذاتي: يا معودة، صدك جذب..
- إي يا معود صدك.
- هسة وين أكو كهرباء؟
- أخاف تجي على غفلة ويحترك البيت.
- يا معودة صوفي إحجي غيرها.
- لا إبراهيم ما أحجي غيرها.. لازم نرجع للبيت[20].
غير أن هذا المنطوق سرعان ما ينتقل إلى مستوى آخر من الفصيحة المبسطة في حوار الشخصيات لذاتها، وفي هذا المستوى يتباين مستوى اللغة بتباين مستوى الإدراك، ومن ذلك ما يمكن أن نلحظه في استرجاع الشخصيات لآرائها ومواقفها إزاء أسباب اختفاء صخر، والعوامل التي أودت به إلى مصير مجهول، مقابل مستوى إدراكه هو للحقيقة الخافية خلف ما آلت إليه حاله. فالأب يستعيد بعض سلوكه ومواقفه تجاه ابنه، وبخاصة في وصفه له بالأحمق، ومن ثَمّ ندمه على ذلك: “لا أعلم لماذا قلت عنه هذا.. ولا أعرف كيف خرجتْ تلك الكلمة من لساني. أشعر بأن مليون سبب قاهر لا يغفر لي مثل هذا القول.. وأنني سوف لا أتذكر من بين آلاف وملايين اللحظات التي مرت في حياة صخر شيئاً سوى تلك اللحظة المهولة، وكلما تذكرتها انتشر دخان أبيض أمام عيني.. وتمنيت لو يعود الزمن إلى الوراء، لكي أمحوها من بال صخر وبال أطفال الجيران.. أتمنى وأتضرع الله أن يكون صخر قد نسيها، أما بالنسبة لي فلا يهم أن أتعذب بها طوال العمر”[21]. بينما الابن صخر يذهب أبعد من ذلك في وصف أثر سلوك والده عليه: “أبي دون أن يشعر كان يبالغ في عنايته بي وعطفه علي، ولكن إذا ما سألني وتأخرت في الجواب، فإنه ينهي النقاش على عجل.. يهرب مني ومن تأتأتي إلى الحمام أو إلى المطبخ أو إلى نشرة الأخبار.. وعندما يعود ليسألني سؤالاً آخر يداري به هروبه، أعزف عن الجواب.. لا طاقة لي على أن آخذ الأمر ببساطة، أو أنظر إلى تصرفات أبي معي بعفوية أو بدون تأويل. إنه مؤمن بنظرية الواجب.. والواجب يحتم عليه أن يكون مسلماً صالحاً وزوجاً جيداً وأباً حنوناً وإبناً باراً بأبويه، وكان يؤدي واجباته كلها باتقان يقترب من إتقان ساعة جدار تواصل تكتكاتها المزعجة. ولعله يعتقد أنه يقوم بواجبه معي أيضاً على خير وجه عندما كان أحياناً يجيب نيابة عني”[22]
وفي وصف الأم لزوجها والد صخر، نلمح ما يتضمنه من إلقائها مسئولية مآل الابن على الأب:”إبراهيم يشبه هواءً ساخناً شديد الرطوبة.. ما إن يرتطم بزجاجة ما حتى يتحول إلى قطرات ماء.. الزجاجة التي تجعله يذرف الدموع قد تكون منظر شحاذ كبير في السن، أو امرأة حامل في شهرها التاسع، أو ابننا صخر الذي يتأتئ في الكلام.. إبراهيم ليس لديه حل وسط، أما عصبي ثائر على أتفه الأسباب، وأما حنون وعطوف إلى حد البكاء، وأنا لم أكن أريده أن يجعل من صخر مادة للعطف والشفقة.. كنت أريد أن يجعله يشعر بأنه طبيعي كباقي الأولاد، وأن يدرس عاهته، ويواجهها بشجاعة، وأن يتمسك بالأمل مثل أي إنسان آخر صاحب مشكلة كبيرة، لأن الأمل هو الذي سيجعله يرى نفسه بصورة أفضل، ويعيش حياته سوياً مثل الآخرين”، ولم تخف، في الوقت نفسه، ندمها في اختيارها السفر: “أشعر بالذنب، لأني هنا أعيش في أمان وافر مع ابننا بدر، وهناك في بغداد يعيش زوجي مع ابننا الآخر صخر، وأنا بينهما لا أعرف الرجوع ولا البقاء.. فقط كنت أظن أن صخراً سيقرر المجيء في أية لحظة، وعليّ البقاء هنا في انتظاره… لا أن أفعل العكس وأعود إلى بغداد فأشجعه على البقاء فيها”[23]، غير أن الابن كان يرى أن اهتمامها به كان ثانوياً مقابل اهتمامها بالسفر من أجل حضور تخرج ابنها الآخر توأمه، ومن أجل استلام الميراث وشراء بيت، “احتاج الأمر السفر بسرعة لأن أمي أخبرتنا بأن هناك هبوطاً حاداً في اسعار العقارات، وأنها تريد الاستفادة من هذه الفرصة النادرة، التي لن تتكرر”[24].
فهذا التباين الواضح في وجهات النظر لدى الشخصيات المختلفة، يخلق شكلاً من الصراع الداخلي لدى كل منها، كم يسهم في الوقت ذاته في تنامي عقدة العمل المتمثلة في شخصية الشاب وجنوحه خارج المتوقع، وبشكل مفارق لكل ما يخطر في بال المحيطين به. فعالم الرواية يقوم على مجموعة من الشخصيات ذات أصوات متعددة بالضرورة، من خلال ما يسند إليها من أقوال تعبر عن ذوقها ورؤيتها وشواغلها، كما تكشف عن طبيعة ثقافتها وجماع ما يلتقي فيها من نصوص ومرجعيات[25]، وذلك ما عدّه باختين أولى ميزات الرواية، وسمّاه “المبدأ الحواري” ((Le Principe Dialogique.[26]
ومن خلال عمليات التذكر واستعادة كل منهم لطبيعة علاقته بالشاب المختفي، أبدى كل منهم رأيه به، وقدّم تبريره الخاص لما آل إليه حاله وظروف اختفائه، بل والظروف المحيطة التي أسهمت بتشكيل مصيره، قبل الاختفاء وبعده، تلك الاستعادة التي اتخذت من تيار الوعي أسلوباً يستدعي الاعترافات، ويجمع شتات الذكريات هنا وهناك، كما يربط أزمنة تشكّل الأحداث وتطور الشخصيات، الأمر الذي يوحي بمصداقية التخييل الذي ارتكزت عليه الروائية في إقامة عالم الرواية، وهو ما يفعله تيار الوعي إذ يمنح القارئ “الإحساس بأنه شريط أمين لما يجري في الذهن”[27].
المشــهدية:
اعتمدت ميسلون هادي المشاهد في تنظيم فصول روايتها، وتنقلت بالقارئ مكانياً وزمانياً، عبر مشاهد ارتبطت فيها الأماكن بالشخوص والأحداث، ما بين بغداد ولندن.
فتكونت الرواية من خمسة وأربعين مشهداً، جعلت لكل منها عنواناً يحدد مكان الحدث أو زمانه، في حين يقوم بنقل المشهد راوٍ هو أحد شخوص الرواية، الأب، والأم، وحارس العمارة، وصخر الذي تنطلق جميع المشاهد وتصب في إشكالية غيابه وظهوره، فقد أُتيحت الفرصة لأيّ “من الشخصيات ليكون راوية، أو يسجل الحدث كما يمرّ في وعي أي منهم وفي وعيهم كلهم، ففي كل حالة سيتغير ترتيب تقديم الأفكار الرئيسية ومغزاها وثقلها وتلوينها”[28].
وقد تجلّى ذلك، بشكل خاص، في تشكّل شخصية صخر بؤرة للعمل، منه تتشكل خيوط الحكاية وتتشابك وتتعقد مساربها موضوعياً وفنياً، فالكل كما أدرك الأب “يختبئ خلفه. وكل شيء يختل بسببه.. الواشر يختفي خلف صخر، وملعقة الدواء تختفي خلف صخر، وحنفية الحديقة المكسورة أيضاً تختفي خلف صخر”[29]، وإلى هذه الشخصية أُسند فعل السرد في أجزاء كثيرة من الرواية، وبخاصة الفصول الأخيرة، بشكل أتاح للشخصية ذاتها “أن تكون الراوي والمروي له في نفس الوقت”[30]، وهو ما جعل صخرا يلقي ضوءاً كاشفاً لكثير من الحقائق التي ظلت مثار تساؤلات ظلت إجاباتها غائبة عن الساردين الآخرين الذين أدرجوا عبر سرد حكايته، كل من وجهة نظره، مقدمات لما يمكن أن تتكشف عنه قضية اختفائه من ملابسات ظلوا، رغم كل ما قدموه من أطرافها، خارج الحكاية الحقيقية التي أدرك صخر جميع أطرافها، ليجعل منها مبرراً للخروج عن كل ما هو متوقع، واستبدال انتمائه الاجتماعي، حتى لتوأمه، بانتمائه لمن لم يلتفتوا لجوانب ضعفه وعجزه عن النطق الصحيح المتواصل، قدر التفاتهم إلى إيهامه بقدرات عظيمة كامنة خلف ضعفه تمكنه من تحقيق ما لا يستطيعه مَن هم مثل توأمه في القوة والجمال والثقافة والجرأة والقدرة على فعل ما يشاء، فدفعه ذلك الوهم للبحث عن وهم أكبر عبر الجهاد والتضحية من أجل فوز ينتظره في العالم الآخر.
رصدت ميسلون هادي العوالم الجوانية لشخوص الرواية، فتركت الشخصية تقول عبر منطوقها الخاص، فتحكي ببساطة وسلاسة، وتسمي الأشياء بأسمائها ثم تترك للقارئ أن يدرك بحسه وخبرته ما وراء تشكّل السلوك الظاهري للشخصية. فبدأت الحكاية من لحظة الأزمة التي تكثفت في صدر الأب الذي فقد ابنه منذ شهرين، ولم يتمكن، رغم طول البحث من العثور على أي دليل على أنه ما زال حياً أو أنه قضى على أيدي المختطفين، فلا أثر أو خبر عنه، وليس هنالك من اتصل طالباً فدية مقابل إعادته، فتحوّل غيابه إلى أسئلة تقض مضجع الأب وتمزق أفكاره وتخيلاته حول مآل ابنه المختَطف المتخصص الخبير في مجال البرمجة، واحتمال اختطافه من أجل تنفيذ عمليات برمجة خاصة بالجهة المختطِفة مثلاً. وقد اتخذ البحث عن الشاب اتجاهات مختلفة جعلت الأب يدور على وسطاء العصابات وأرباب السجون، فيما الجدة تزور الراقد والمزارات، وتصوم يوم عرفة طلباً للأجر وتكفيراً للذنوب، كما تفطر وقت الغروب على النذور العظيمة والدعاء المستجاب، وأما عصمان حارس العمارة فيصوم النوافل، ويدعو الله في كل ساعة من ساعات الفطور أن ينجي صخراً ويفك أسره من خاطفيه، وعلى الرغم من عدم قناعة الأب بالوسائل التي تلجأ إليها الجدة، ويقوم بها عصمان، إلا أنه كان يقبل بأي شيء وأي فعل في سبيل عودة ابنه.
وقد توسلت الكاتبة تقنيات سردية أبرزها الاسترجاع الذي كشفت من خلاله ما خفي من تفاصيل الحدث، ووجهة نظر الشخصية في أسبابه ونتائجه، مما سبق جلاءه في موقع سابق من هذه الدراسة، كما توسلت بتقنية الاستباق ليقدّم السارد على لسان صخر استباقاً لما يمكن أن يحدث له مستقبلاً، وتمثل ذلك في حواره مع سجا:
- إنت راح تطير ويه العصافير.
- وحدي راح أطير؟.
- لا مو بس وحدك راح تطير.. هذا وهذوله راح يطيرون[31].
كأنها تنبأت بما سيحدث لها فيما بعد، وأيضاً عرفت ما سيحدث لصخر عندما قالت له يوم سفرتنا إلى ديالى بأنه سوف يطير مع العصافير[32].
ومثل ذلك يمكن قراءته في حلم كان رأى فيه نفسه يعبر النهر عن طريق الصعود بدل العبور، لأن الجسور اختفت ولم يعد لها وجود، ومن علو شاهق بأعلى ما يمكن عن الأرض رأى البنايات خالية والجسر المعلق مختف والشمس بعيدة تشبه الشمس في رسومات الأطفال والسماء غائمة، والناس يتراكضون بحثاً عن ملجأ ثم يتركون كل شيء ويختفون بلمح البصر. وقد كان ذلك الحلم بداية الطريق نحو الهاوية، إذ استغلها صديقه إحسان، ليمرر له تفسيره الخاص للحلم عبر تلميحات لعمل جهادي يدفعه إليه بدعوى إنقاذ البلد:
- إنها رؤيا.. لقد صعدت هذا الدرج، وإياك أن تنزل.. أرجوك لا تنزل أبداً. فيجيبه:
- خلي نستر على رووورووروحنا الأول؟ فيلقي إليه بسؤال دعواه الخبيثة:
- والبلد منو يستر عليه؟[33]
تلك كانت مقدمات التحريض على فعل أعظم تنتهي به حكاية هذا الشاب، عبر تفجير نفسه أمام المطعم الذي سبقه إليه أخوه التوأم ووالدته، ليقدما له مفاجأة الدعوة لتناول وجبة الطعام التي يحبها، دون أن يدري أي منهما بالمفاجأة الأعظم التي أعدّها هو لهم -عن علم أو غير علم- انتظاراً لمكافأة أعظم تنتظره هناك في الجنة الموعودة.
وفي ذلك كلّه قدّمت الكاتبة شكلاً من المعاناة، والثمن الذي يدفعه الإنسان العراقي البسيط والمسالم الذي يتحوّل إلى ضحية لقوى الاحتلال والأحداث السياسية وصراع الإيديولوجيات والفكر المتطرف، وهو ما فعله الروائيون الواقعيون الذين أدركوا “العلاقة الجدلية التي تربط الفرد وأفكاره وأفعاله وعواطفه، بالحياة وبصراعات المجتمع”[34]، تلك الصراعات التي تنتهي أحياناً إلى أشكال من المعاناة يعيشها الفرد ضحية قوى قد لا يكون هو نفسه جزءا منها، ومن ذلك ما قدّمته الرواية من وصف للمارسات البشعة التي يُجبر عليها السجناء في سجن أبي غريب، وألوان التعذيب النفسي والجسدي وسلب كرامة الإنسان، ما تقشعر له الأبدان لمجرد قراءة ما ينقله شهود ممن رأوا ذلك ووجدوا أنفسهم بين كومة الأجساد العارية تحت سياط القتلة والمجرمين، دون أن يكون لهم أي ذنب سوى المصادفة التي قادتهم إلى هناك، كالمصادفة التي أوصلت إبراهيم إلى هذا السجن أثناء بحثه عن ابنه المفقود، وكالمصادفة التي جعلت والدة صخر تختار ذلك المطعم تحديداً للاحتفاء بلقائها وولديها، وليكونوا جميعاً ضحية فكر متطرف يسعى لحياة موعودة عن طريق تدمير حياة حاضرة، وليتم استبدال الجائزة التي حظي بها الشقيقان التوأم بوجودهما معا، كل منهما مرآة للآخر، بجائزة أخرى لأحد التوأمين متمثلة بالجنّة الموعودة التي يقدّم نفسه ودم أهله وأبناء وطنه أو المقيمين فيه ثمناً لوهمٍ هو صنيع فكر دخيل، وهو، حسب جان بورديار” “نتاج صراع إيديولوجيات وغياب وعي، في هذه الحالة إذاً ينضاف الواقع إلى الصورة بوصفه جائزة رعب، بوصفه رعشة إضافية”[35].
خاتمــــة:
في رواية (جائزة التوأم) وثّقت ميسلون هادي جوانب من وجع الإنسان العراقي، وحالات من القلق والخوف على مصير جيل عانى وما يزال من ويلات الاحتلال والإرهاب، والإحباط وقسوة واقع اختلطت فيه القيم وتبدّلت المفاهيم، ما يؤدي إلى فقدان الحس الإنساني الذي يربط بين الأهل والأخوة، حتى ولو كانوا توأماً ابني لحظة واحدة ورحم واحد، وهو ما يبرر النهاية التي آلت إليها العلاقات الإنسانية في مجتمع الرواية، وتمثلت في إسهام الابن في قتل والدته وأخيه التوأم، سواء أكان يعلم بذلك مسبقاً أم لم يكن.
في هذه الرواية لم تكتب ميسلون صفحات من تاريخ العراق الحدث، لكنها كتبت جانباً من تاريخ الناس العاديين الذين لا يذكرهم التاريخ الرسمي حين يتحدث عن الحروب وتداعياتها وأبطالها من السياسيين وقادة الأحزاب، وغيرهم من رموز السلطات المختلفة. فعلى هؤلاء الناس ينعكس الأثر الحقيقي للحروب وأشكال الصراع وسيادة الديكتاتوريات، التي لا تجد ضيراً في استخدام العنف سبيلاً للإبقاء على وجودها أو وجود شكل جديد من السياسة أو السيادة الاجتماعية أو الفكرية.
وقد توسلت الكاتبة لتحقيق ذلك بتقنية مكّنتها من تقديم صورة متعددة التفاصيل وأقرب إلى مدارك المتلقي وسبل إقناعه، من خلال محكي الشخصيات ذاتها وصوتها الخاص الذي يبرر توجهاتها وأفعالها، كما يكشف في الآن نفسه عن طرائق تفكيرها، وأحلامها، ورؤاها، وردود أفعالها تجاه الأحداث، وهي تقنية تعدد الأصوات، التي، إلى ما سبق، أبرزت تعدداً لغوياً ظهر في منطوق الشخوص وحواراتهم الداخلية والخارجية.
###
ثبت المصادر والمراجع:
- إبراهيم، نبيلة، فن القصة في النظرية والتطبيق، القاهرة، مكتبة غريب، 1980
- باختين، ميخائيل، الخطاب الروائي، ت محمد برادة، القاهرة، دار الفكر، 1987
- بورديار، جان، ذهنية الإرهاب لماذا يقاتلون بموتهم، http://turkialjasserj.blogspot.com/2014/09/blog-post_11.html
- عبد الحميد، فردوس، عناصر الحداثة في الرواية المصرية، فصول، مج4، ع4، 1984
- عبد الوهاب الرقيق، في السرد، دراسات تطبيقية، تونس، دار محمد علي الحامي، 1988
- عياد، شكري، الرؤية المعاصرة وأزمة الضمير العربي، عالم الفكر، مج3، ع3، 620.
- العيد، يمنى، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، بيروت، دار الفارابي، 1990، 31-32
- فريحات، مريم جبر، تعدد الأصوات ودور الشخصية الساردة في رواية “عندما تشيخ الذئاب” لجمال ناجي، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة البحرين، ع25، 2015، 370
- قسومة، الصادق، الرواية مقوماتها ونشأتها في الأدب الحديث، تونس، مركز النشر الجامعي، 2000
- لوكاش، جورج، دراسات في الواقعية الأوروبية، ترجمة أمير اسكندر، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972
- محمد برادة، الرواية أفقاً للشكل والخطاب المتعددين، فصول، مج11، ع4، 1993
- ميخائيل باختين، قضايا الفن الروائي، ترجمة جميل نصيف التكريتي، مراجعة حياة شرارة، بغداد، دار الشئون الثقافية العامة، 1986
- نبرغ، مير ستر، ما هو العرض، مقالة في عدم التحديد الزمني، فصل من كتاب نظرية الرواية (مقالات جديدة، جون هالبرين، ترجمة محي الدين صبحي، دمشق، وزارة الثقافة، 1981
- نبرغ، مير ستر، ما هو العرض، مقالة في عدم التحديد الزمني، فصل من كتاب نظرية الرواية (مقالات جديدة، جون هالبرين، ترجمة محي الدين صبحي، دمشق، وزارة الثقافة، 1981
- هادي، ميسلون، جائزة التوأم، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2016
- هاوثورن، جيرمي، مدخل إلى دراسة الرواية، ترجمة نايف الياسين، دمشق، مؤسسة النوري، 1998
- يمنى العيد، الموقع والشكل، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1986
- David Daiches. The Novel and modern world, ch.1 Selection and Significance; ch. Kll. Fiction and Civilization, chcago, 1939
- M. Zeraffa, Roman et Societe, Paris, PUF. Coll SUP. 1976
- Todorov et M. Bakhtine, Le Principe dialogique Ecrits du Cercle de Bakhtine, Paris, ed Seuil 1981
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم