المصطلح صياغة ودلالة
د. نجم عبدالله كاظم
1
إذا كان المصطلح أداة ووسيلة لغوية عامة ، تخترق كل مضامير الحياة ووسائط التعبير عنها عبر ما اعتدنا ان نسميها معارف ، فانه بالدرس والبحث العلمي الصق وأشيع ، وذلك لما يؤديه من إيصال وإفهام ، ووصولٍ- قبل ذلك – إلى النتائج . ومن هنا يكون من المهم ، بل من الضروري جداً تحديد مفهومات المصطلحات ضمناً أو صراحة قبل أن تكون لنا مشروعية الخوض في أي معرفة إذا ما أردنا لخوضنا هذا أن يكون علميا سليماً . وبالضرورة يكون ذلك شرطاً مسبقاً في البحث والدرس العلمي ، وضمن ذلك أو تعلقاً به الدرس اللغوي والأدبي العربي ، ” … فلكي يتأتّى الوصول إلى نتائج إيجابية (1) في البحث العلمي لا بد من تحديد مفهومات الألفاظ والاصطلاحات ، لأن هذا التحديد هو المنطلق الأول للتفكير العلمي ، وبدونه لا يمكن أن يتم تفاهم وتجاوب ، وبدونه أيضاً يستحيل تحقيق الأهداف المتوخاة ” (2). وإذا كانت للمصطلحات مثل هذه الأهمية في كل المعارف ، وفي ميادين البحث فيها ، فأنه لمهم اذن أن نعرف ماهية المصطلح نفسه بوصفه هو ذاته معرفة أو علماً ، نعـني ( علم المصطلح ) Terminology . وهذا هو ميدان ورقتنا هذه الذي ندخله عبر علاقة صياغة المصطلح بدلالته سواء كان موضوعاً أو مترجماً ، وربما تكون حصة الكلام عن الثاني ، نعني المترجم ، أكبر حتى وإن لم يكن هذا هو هدفنا .
2
جاء في معجم وبستر أن المصطلح هو ” كلمة من مجموعة كلمات ذات معان محددة ودقيقة ، و المصطلح الفني هو كلمة من مجموعة كلمات خاصة بمعان محددة خاصة بموضوع محدد ” (3). وهو كما جاء في معجم جوزيف شبلي عن المصطلحات الأدبية ” كلمة أو مجموعة كلمات يقصد منها توصيل شيء ما إلى متلق أو مستقبل ” (4)، وإذا كان هو بتعبير أخر “مجموعة الكلمات والعبارات الاصطلاحية المتصلة بفرع من فروع المعرفة أو بفن ما ” (5)، كما يقول مجدي وهبة ، فان من الواضح اتصال المصطلح باللغة مفردات وتعبيرات من جهة ، وبمتلقين -معينين أو محددين أحياناً – من جهة ثانية . من ناحية العلاقة باللغة ، فإنه يتصل بالمعنى المعجمي الذي هو بالطبع القاسم المشترك بين عدة معان ، وعليه تأتي الدلالة الاصطلاحية ، على النقيض من ذلك ؛ لتتصف بالخصوصية ، و والتي يكون المصطلح قادراً أو معنياً بالايصال الدقيق لها، أي للدلالة على معنى واحد مقصود . ولكن يبقى للمعنى المعجمي الذي هو عرف عام ، دور قد يكبر وقد يصغر في ترسيخ تعبير المصطلح الذي هو عرف خاص عن ما يراد منه التعبير عنه ، وفي إيصال ذلك إلى المتلقي أو المستقبل . وهذا يقودنا إلى القول إن المصطلح ، لكي يؤدي هذا الذي عليه أن يؤديه بصياغة سليمة ودقيقة ، وبتطابق بدرجة أو بأخرى بين الدال والمدلول ، ولكي يكون قادراً على التوصيل إلى متلقيه بأحسن وجه وأسرع وسيلة وأكمل دلالة ، لا بد أن ينطلق أصلاً من المعنى اللغوي للفظة أو الالفاظ التي يجد واضع المصطلح أو مترجمهُ ، فردا كان أو جماعة أو جهة ، أنها تتطابق مع الحاجة أو الغاية التي يراد له أن يؤديها أو يوصلها ، وأن تقع هذه الألفاظ بدلالاتها على أذن المتلقي وذهنه وقع فهم ، وربما ألفة وقبول ، وصولاً إلى الاستيعاب الأولي و العام ، في البداية على الأقل .
لكن هذا يجب أن لا يعني أن مثل هذا التطابق بين المعنى اللغوي كما هو موجود أو معروف أصلاً للألفاظ المستخدمة أو المستعارة ، والدلالة المراد لها أن تؤديها أو ستؤديها اصطلاحاً ، يتحقق تحققا تاما أو شبه تام في أي مصطلح . الواقع كثيراً ما لا يتحقق هذا ، ليس بسبب الانزياح – إذا جاز لنا استعارة هذه اللفظة بدلالتها الاصطلاحية – في دلالة اللفظة أو الألفاظ فحسب ، بل يكون ذلك غالباً بسبب التطور الذي يطرأ على المدلول ، إذ يلعب هذا التطور الحتمي دوراً في درجة الاقتراب أو اللقاء بين الدال والمدلول ، أي بين اللفظة أو الألفاظ ، والفرع المعرفي أو الظاهرة أو الفن الذي توضع له . كما يحدث في حياة الألفاظ والمصطلحات أحياناً تطورات قد تصل حد الطفرات التي تتحول معها عن وجه استعمالاتها القديمة ، إلى استعمالات جديدة . وتعلقاً بذلك ، وحتى إذا ما تجاوزنا تلك التحولات أو الطفرات التي قد لا يصح تعميمها ، فان اللفظة المستعملة اصطلاحاً للتعبير عن المدلول ، كثيراً ما تنمو وتتطور ، في استخداماتها وفق دلالاتها أو معانيها اللغوية أو المعجمية ، لتأخذ مناحي أخرى غير تلك التي كانت تستخدم فيها عند استعارتها للاستخدام الاصطلاحي . ومن هنا لا يكون صائباً أو دقيقاً منا أحياناً أن نلتفت إلى المصطلح بوصفه لفظة أو ألفاظا ذات أصول لغوية بمعان عامة ، بقدر ما نلتفت إليه بوصفه أسماً اصطلاحياً يخصصه الاستعمال بمعنى معين ، دون أن يلغي هذا فائدة معرفة الأصل اللغوي عموماً من ناحية التلقي والاستيعاب والايصال ، تعليمياً بشكل خاص ، حتى وإن كان الافتراق متحققاً بدرجة أو بأخرى بين المعنى اللغوي والدلالة الاصطلاحية ، وهو الافتراق الذي نواجهه فعلاً في ميادين معرفية بعينها .
3
إن ميداني الأدب والنقد لهما من الحقول الأخصب لهذه الظاهرة ، فمثل هذا الافتراق في معاني الألفاظ والتعبيرات ودلالاتها يتحقق في الحقول الأدبية والنقدية بعمق واستمرارية ،
وذلك استجابة لمتطلبات طبيعتها دائمة التغير والتجدد ، وربما الاتساع ، خصوصاً أن للأدب ما تسمى اللغة الأدبية الخاصة المختلفة عن اللغة العادية ، بمعنى آخر لغة يتقبلها القارئ ويفهمها ويتأثر بها غالباً ، ولكنه لا يستخدمها أو لا يكون قادراً على ذلك ، فهي لغــة ذات
” طبيعة ثانية “. وعليه فليس من الغريب أن تكون المسميات ، أو بعضها على الأقل ، هي نفسها ذات طبيعة ثانية غير تلك التي لألفاظها قبل استخدامها اصطلاحياً ، وهكذا فان التطور الطبيعي الذي يمر به المصطلح الأدبي والنقدي ، وإلى حد ما مصطلحات بعض الحقول الإنسانية الأقرب إلى الأدب والنقد ، وضمن انغماره في تحولات حقله ، لابد أن يباعد ما بينه وبين دلالة ألفاظها اللغوية التي افترضنا أنه ينطلق منها عادة . ولكن المؤكد أيضاً وفي الوقت نفسه ، أن يبقى ما بين اللفظة في معناها اللغوي أو المعجمي المتواضع عليه ، وكما نستخدمها يومياً ، ودلالتها الاصطلاحية الخاصة ، وشائج قد تقوى ليقتربا – نعني المعنى اللغوي والدلالة الاصطلاحية – من نقطة الالتقاء والاتفاق ، وقد تضعف ليبتعدا عن بعضهما ، ظاهريا على الأقل . ولكنها وشائج علاقة لا يمكن أن تختفي أو تنقطع تماماً إلا في النادر وتحديداً حين تموت معان واستخدامات ، أو حين تؤخذ اللفظة لتستخدم اصطلاحياً بشكل عشوائي أو خاطئ، وهي حالات اذا ما كانت موجودة في لغات أخرى بسبب ما يطرأ على تلك اللغات من تغيرات جوهرية عبر تطورها ، فأنها لا تكاد توجد في اللغة العربية . ولنا في المصطلحات الأدبية والنقدية السائدة في اللغة العربية أمثلة كثيرة على كل هذا الذي قلناه .
لعل أقرب هذه الأمثله إلى الأذهان ، وإلى موضوع ورقتنا مصطلح ( النقد) في العربية . فقد انطلقت هذه التسمية مقتبسةً من استعمالها اللغوي المعجمي الذي هو ” تمييز الدراهم وإعطاؤكها إنساناً وأخذها ” (6) ، كما جاء في (لسان العرب) وفي غيره من المعاجم العربية القديمة . وكان مبرر الاقتباس أو الاستعارة أن الناقد قد أريد به عربياً في البداية أن يمّيز النص الصحيح من غير الصحيح ، في وقت شاع فيه النحل والانتحال أو كاد ،وكذلك الحسن من الرديء ، وربما الأحسن من الحسن .وحتى حين خرج في ذلك الزمن من أن يكون هكذا بالضبط ، فانه بقي ، مع ذلك ، يعني مقارنة الأشياء بغيرها وتمييزها والحكم عليها ” .لكن المتغيرات أخذت تغزوه بفعل تطوره ، وتوسعه من جهة وتحدده من جهة ثانية ، وتأثره بنقد الأمم الأخرى ، إضافة إلى مجاراته لنواميس التقدم الحضارية للأمة ، ولعموم الأمم ، الأمر الذي أسهم ، إضافة إلى ما لطبيعة العلوم والمعارف الإنسانية بشكل عام ، والفنون والفروع الأدبية بشكل خاص ، من تمرد على التعريف والتحدد والصلب الحاسم ، في أن تتعدد تعريفاته في الزمن الواحد ، أو عبر الأزمنة المختلفة . ففي الوقت الذي كان فيه الناقد العربي يميز الصحيح من المنتحل ، وإلى حد ما الجيد من الرديء من النصوص ، جاء إطلاق لفظة (نقد) على تلك الممارسة ، “واستخدم المؤلفون هذا التعبير ، وأول من عَرِفتُه قد استعمله هو قدامة بن جعفر ” (7) . لكن النقد قد تبدل إذ تطور عبر الأزمان ، وعليه كان طبيعياً أن يتغير التعريف ، وأن تتعدد للأسباب التي ذكرناها ، التعريفات و المفاهيم . فهو تعبير عن موقف كلي متكامل في النظرة إلى الفن عامة أو إلى الشعر خاصة يبدأ بالتذوق، أي القدرة على التمييز ، ويعبر منها إلى التفسير والتعليل والتحليل والتقييم”(8). ونُظر إليه على أنه ” دراسة الأشياء وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها المشابهة لها ، أو المقابلة ، ثم الحكم عليها ببيان قيمتها ودرجتها ، وأكثر الذين كتبوا في النقد العربي مشوا على هذا المعنى “(9). ويبقى بعد هذا كله من يقول: ” النقد الأدبي في أدق معانيه هو فن دراسة الأساليب وتمييزها ” (.1). وغير هذه التعاريف والمفاهيم كثير مما أضعف التطابق الذي كان موجوداً بين لفظة ( النقد) بمعناها اللغوي ودلالتها الاصطلاحية على الممارسة كما صارت تعرف نقدياً أو علميا وعملياً ، خاصة بعد أن ابتعد الحكم والتقويم عن أن يكونا من وظائفه الرئيسة . ولكن ، مع هذا تبقى اللفظة ، بوصفها مصطلحاً، صلة بمدلولها الأصلي ، فحتى أولئك الذين ينكرون على النقد اليوم أية معيارية وتقويمية ، لا يستطيعون إلا أن يعتمدوهما وهم يمارسون النقد عملياً ، على الأقل حين يختارون النصوص ، موضوع نقدهم وتحليلهم أو دراستهم ، دون غيرها من النصوص ، مبقين بذلك ، من حيث يريدون أو لا يريدون ، على شيء من التقويمية والمعيارية ، وإن لم تكن لهما هيمنتهما بطبيعة الحال . وبذلك تبقى الصلة بين معنى اللفظة لغوياً ودلالتها اصطلاحياً قائمة ، وهو الأمر الذي ينطبق على جل المصطلحات حتى عندما لا يبدو بعضها دقيقاً لا لخطأ في صياغته أو ترجمته فحسب ، بل بسبب مثل هذا التطور الذي يطرأ على المعرفة أو الشيء الذي يطلق عليه ، وبشكل محدود بسبب المتغيرات التي قد تطرأ على دلالات اللفظة اللغوية .وفي كل الأحوال يبقى الحرص على تحقيق هذه الدقة بدايةً أمراً ضرورياً.
4
لم يعد من شك كما قلنا في أن المصطلح يؤدي وظيفة مهمة في حياتنا ، بمختلف مناحيها ، خاصة من خلال دوره المعرفي من جهة ، والتعليمي والايصالي من جهة ثانية . ولذا كان لدقة استخدامه لما هو موضوع له دور في تحقيق الوظيفة معرفياً وتعليمياً وايصالياً . ولكن قبل ذلك يكون من المهم أو الأهم تحقيق الدقة في صياغته باختيار اللفظة القادرة على تقديم الدلالة المطلوبة ، أي انطلاقاً من الصلة بين معنى هذه اللفظة المختارة أو المستعارة ، كما هو معروف معجمياً ، والدلالة المراد أن تدل عليها ، ومن هنا كان تحديد المصطلح عند العرب القدماء منطلقا من هذا ، فهو عندهم ” اتفاق طائفة على شيء مخصوص …أي أنه اتفاق قوم على تسمية شيء باسم معين بعد نقله من موضوعه الأول لمناسبة بينهما كالعموم والخصوص ” (11). ورجوعاً إلى ملاحظات سابقة ، نقول أن لا ضير بعد ذلك في أن يسير المصطلح في مسار مستقل عن اللفظة بمعناها اللغوي الأصلي ، وفقاً لتشكل المعرفة التي يدل عليها ، تطورها . لكنه أمر مفيد أن نتلمس علاقة حميمة أو واضحة ، كما قلنا ، بين ذلك الأصل اللغوي ، والاستخدام الاصطلاحي ، ذلك أن مثل هذه الصلة كلما كانت عميقة وقوية وواضحة كلما عكس ذلك إصابة ودقة أشد في الاختيار والصياغة ، وصار المصطلح في النتيجة أيسر على التوصيل والتلقي والفهم ، وإلى حد ما الاستيعاب ، وتحديداً في مجال التعليم ، خاصة إذا عزز ذلك امتلاك المصطلح ما أسميناه الألفة ، أي أن يكون له وقع ألفة وتقبل على الأسماع والأذهان . وهذه الألفة والتقبل لا يكونان إلا إذا تحققت أصلاً الإصابة والدقة في الاختيار والصياغة ، بعكس ما يتسم به الكثير من المصطلحات المصاغة عربياً حديثاً ، خاصة ضمن تلك التي نقلت أوعربت أو ترجمت على يد المغاربة الذين يبدو لنا أنهم إذ ينقلون إلينا – سباقين وبجهود لا تنكر لهم – المعارف والتيارات والفنون والمفاهيم الجديدة عن الفرنسية ، يستسهلون نقل المصطلحات وفق اجتهادات فردية ، فيوقعنا الكثير منها في النتيجة في اضطرابات تبدأ في الدراسات والنقود والكتابات الكثيرة و لا تنتهي .
” إنّ المصطلح قد يؤخذ من لغات متعددة ، ولكل لغة خصائصها وأساليبها في الصياغة واختبار المعنى المخصوص من معاني اللفظ”(12) ، ولذا كان ضرورياً إجراء التغييرات اللازمة على اللفظ أو الألفاظ المعربة المقابلة للمصطلح الأصلي ، وبما يناسب الصيغ العربية ومعانيها وفق أصول الاشتقاق وقوانينه ، وبعد الرجوع إلى مرجعيات المصطلح ، وإلى استخداماته في لغته الأصلية . ” فلعل الاختلاف وعدم الاتفاق على الترجمة من أهم الإشكاليات الشائعة في العصر الحديث بسبب التراكمات الهائلة من المصطلح وبسبب عدم العودة لمرجعياتها وما تعنيه في اللغات الأم وعدم الرجوع لظروف نشأتها وكيفيات التعامل معها واستقرارها” (13). وتبعاً لذلك كان الكثير من المصطلحات مصدر اضطراب وتشويش للطالب ، بل للدارس نفسه، كما افتقد الكثير منها وقع الألفة والتقبل الذي أشرنا إليه ، في وقت امتلكت فيه جل المصطلحات القديمة ذلك ، فنجد المصطلحات النحوية والصرفية العربية مثلاً ، كالفاعل والمفعول به ، وأسم الفاعل، والنعت….الخ، قريبة إلى ذهن المتلقي ، ويسيرة الفهم في دلالاتها العلمية العامة ، وبمعزل عن أحكامها بالطبع ، أو هي على الأقل تجد الأذهان أكثر استعداداً لتقبلها وتلقّي ما تعنيه بوصفها مفردات ذوات دلالات لغوية واصطلاحية متجانسة . وفي المقابل تتمرد اصطلاحات مثل ( الجمالية ، والشعرية ، والسردية ، وخلقة النص ….الخ ) على ذلك ، لأنها مفردات أو ألفاظ افترقت كثيراً في استخداماتها الاصطلاحية عن دلالتها واستخداماتها اللغوية العادية .
ولأن لهذا كله علاقة بالمعرفة وبالبحث العلمي ، و بالدرس وخاصة الدرس الجامعي ، وضمن ذلك كله بالتوصيل بدقة ووضوح وبدون لبس ، وبأقل غموض ، فقد كان من الضروري توخي الدقة في صياغة المصطلح موضوعاً أو مترجماً . فبذلك بشكل خاص يكون المصطلح مؤهلاً لاستيعاب ما يراد له أن يستوعبه من المدلول ، لا في حاضرة فحسب ، بل حتى في مستقبل تطوره المنظور والمفترض ،وبدون التشويش والاضطراب اللذين يسببهما الاختلاف في الترجمة بشكل خاص . فمن نتائج هذا الاختلاف تعدد ترجمات المصطلح الواحد ، خاصة عندما تأتي قريبة زمنياً أو متزامنة مع ظهور المصطلح وما يدل عليه من معارف وفنون ومدارس ومفاهيم في لغاتها الأصيلة . ولكن إن كان صحيحاً ، كما يقول رينيه ويلك ، “أن مسألة المصطلحات وانتشارها في حالة الرومانسية ]على سبيل المثال[ معقدة بشكل خاص لأنها كانت معاصرة للظاهرة التي تصفها”(14) ، فأن هذا لا يعفي واضع المصطلح أو مترجمه من توخي الدقة وتجنب الخطأ في صياغته أو في اختبار اللفظة أو الألفاظ المعبرة بدقة عما يدل عليه في لغته الأصلية حين يكون مترجماً وعلى ما يراد له أن يعبر عنه حين يكون موضوعاً . والأهم من هذا كله ، أننا حتى إذا ما أقدم أحدهم على الوضع أو الترجمة بمعزل عن هذا الحرص ، يجب ألاّ نسلم بما يفعله من البداية ، خاصة حين يكون ذلك في الفروع المعرفية – وتفرعاتها ومفاهيمها – المعاصرة التي لم تتبلور هوياتها أو لم تتضح لنا بما يكفي بعد ، على الأقل في لغتنا ، مثل (القصة القصيرة جداً ، والسلطات النقدية ، والشعرية ، والشفافية ، والعولمة …الخ ).
5
أن تحقيق هذا ، أو العمل على تحقيقه لهو أيسر كثيراً مما قد يبدو لنا ، ذلك أن جل المصطلحات الحديثة ، العلمية البحتة ، والإنسانية -سياسية وأدبية وفنية …الخ – هي مترجمة أو معربة عن أصول لغوية غربية ، وعليه تكون الدقة ممكنة من خلال معرفة ألفاظ المصطلح الأجنبية أولاً، ومعرفة المدلول ومرجعياته ثانياً ، ثم اختيار الفاظ المقابل العربي الدقيق ثالثاً . ويبقى أننا نتجرأ ونقول أن الخطأ قد يكون بعد ذلك مقبولا إذا ما وقع جزئياً بعد أخذ هذه الأسس بنظر الاعتبار ، مذكّرين بحقيقة ملموسة في هذا المجال ، تلك هي أن الخطأ أو عدم الدقة في صياغة المصطلح أو في ترجمته أو تعريبه لا تحولان دون انتشاره وثباته ، الأمر الذي يؤدي إلى صعوبة تصويبه أو تعديله . ولعلنا نكون أكثر جرأة إذا ما قلنا إن كل محاولات التصويب أو التعديل تكون عادة ، في هذه الحالة ، غير مجدية وربما عبثاً . ولنا في عقم محاولات الدكتور عبد الواحد لؤلؤة تصحيح مصطلحي ” الكلاسيكية والرومانسية” إلى “الكلاسية والرومانتية ” مثالاً جيداً على مثل هذا ، رغم صواب تشخيص الدكتور لؤلؤة للخطأ، على الأقل وفق وجهة نظره . والأمر يقترب من هذا ، وعلى الأقل من وجهة نظر معينة ، بالنسبة لمصطلحات (الأدب المقارن ، والشعر الحر ، والسردية ، والشعرية ، وموت المؤلف ….الخ). والواقع أن السير وراء مثل هكذا محاولات للتصحيح أو التعديل لا يكون عبثاً فحسب ، بل هو قد يؤدي إلى تشوش واضطراب لدى المتلقي أكثر ما يسببه الخطأ المتحقق أو المفترض نفسه. كما أن لفظة المصطلح أو ألفاظه – وهذا مهم جداً برأينا – تصبح دلالاتها على ما توضع له من الفروع المعرفية وغيرها ، معروفة عبر ما هي عليه بغض النظر عن صحتها أو صوابها صياغة أو ترجمة ، وبمعزل عن أصلها اللغوي ، الذي قد تبتعد عنه حتى حين تكون استعارتها منه صحيحة ودقيقة في الأصل . وهنا يكون صحيحاً قول الدكتور عناد غزوان : ” عندما يستقر المصطلح نقبله حتى وإن كان فيه اختلاف عن الأصل ” .
الهوامش
1- لا تعني شيئاً لنا بالطبع أية نتائج غير إيجابية.
2- ادريس الناقوري : المصطلح النقدي في نقد الشعر .. دراسة لغوية تاريخية نقدية ، طرابلس ، المنشأة العامة للنشر والتوزيع ، ط2 ، 1982 ، ص 9.
3- New Webester’s Dictionary of the English language , Lexicon publications ,INC , Danbury , CT, U.S.A, 1972(Term).
4- Joseph Shibley (ed.) : Dictionary of world literary Terms, George Allen & UNWIN. U.S.A , 1979. (Term).
5- مجدي وهبة : معجم مصطلحات الأدب، مكتبة لبنان ، بيروت ، 1974، (Term).
6- ابن منظور ، أبو الفضل جمال الدين : لسان العرب ، بيروت ، دار صادر ، 1992(نقد).
7- د. أحمد أحمد بدوي :أسس النقد الأدبي عند العرب ، القاهرة ، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ، 1994، ص 2.
8- د. إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب..نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري طبعة مزيدة ومنقحة ، عمان ، دار الشروق للنشر والتوزيع ،1993 ص 646.
9- د. أحمد الشايب: أصول النقد الأدبي ، مكتبة النهضة المصرية ، ط 8 ، ص 109.
10- د. محمد عبد المنعم خفاجي : مدارس النقد الأدبي الحديث ، القاهرة ،الدار المصرية اللبنانية ، 1995، ص 10.
11- د. شرف الدين الراجحي : في المصطلح الصرفي عند الفراء في كتابه “معاني القرآن” ، دار المعرفة الجامعية ، 1991، ص 5 .
12- عبد الرحيم مراشده : مشكلات في المصطلح ، جريدة (الدستور) ، 29/1/1999 ، ص31.
13-المصدر السابق .
14-رينيه ويلك: مفاهيم نقدية ، ترجمة د. محمد عصفور ، الكويت ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، سلسلة عالم المعرفة 110، 1987، ص 99.
المصادر والمراجع :
بدوي ، د. أحمد أحمد : أسس النقد الأدبي عند العرب ، القاهرة ، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ، 1994.
خفاجي ، د. محمد عبد المنعم : مدارس النقد الأدبي الحديث ، القاهرة ، الدار المصرية اللبنانية ، 1995.
الراجحي ، د.شرف الدين : في المصطلح الصرفي عند الفراء في كتابه ” معاني القرآن”، دار المعرفة الجامعية ،1991.
الشايب، د. أحمد : أصول النقد الأدبي ، القاهرة ، مكتبة النهضة المصرية . ط8.
عباس ، د. إحسان :تاريخ النقد الأدبي عند العرب …نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري ،طبعة مزيدة ومنقحة ، عمان، دار الشروق للنشر والتوزيع ،1993.
مراشدة ، عبد الرحيم : مشكلات المصطلح ، جريدة (الدستور) ، 29/1/1999.
ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين : لسان العرب ، بيروت ، دار صادر ، 1992.
الناقوري ، ادريس :المصطلح في نقد الشعر .. دراسة لغوية تاريخية نقدية ، طرابلس المنشأة العامة للنشر والتوزيع، ط2 ،1984.
وهبة ، مجدي : معجم مصطلحات الأدب ، بيروت ، مكتبة لبنان، 1994.
ويلك ، رينيه : مفاهيم نقدية ، ترجمة د. محمد عصفور ، الكويت ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، سلسلة عالم المعرفة ، 1987.
Shibley , Joseph : Dictionary of World Literary Terms, George Allen &UNWIN,U.S.A .,1979.
New Webester’s Dictionary of the English Language , Lexicon Publications .INC, Dunbury, CT, U.S.A.1972
المصطلح صياغة ودلالة
د. نجم عبدالله كاظم
خلاصــة
يرتبط المصطلح بدرجة أو بأخرى بالدرس والبحث العلمي ، وذلك لما يسهم فيه من إيصال وإفهام وصولاً إلى النتائج . ومن هنا يكون ضرورياً تحديد مصطلحات كل حقل أو فن أو معرفة، وبالطبع سواء كان ذلك في تعلق هذه الميادين بالدرس أو بدونه ، ذلك أن "هذا التحديد هو المنطلق الأول للتفكير العلمي ، وبدونه لا يمكن أن يتم تفاهم أو تجاوب ، وبدونه يستحيل تحقيق الأهداف المتوخاة " من أي علم أو معرفة أو درس على حد تعبير عيسى الناعوري . وللخوض في هذا المجال كان مدخل ورقتنا هذه عبر صياغة المصطلح بدلالته سواء كان موضوعاً أو مترجماً ، ولكن لا من الناحية اللغوية البحتة عربية أو أجنبية ، بل من الناحية التقنية -أن صح التعبير- لصياغته .
إذا كان المصطلح كما يقول جوزيف شبلي في معجمه المهم عن المصطلحات الأدبية " كلمة أو مجموعة كلمات يقصد منها توصيل شيء ، ما إلى متلقٍِ أو مستقبل " ، فإن من الواضح اتصال المصطلح باللغة مفردات وتعبيرات من جهة ، وبمتلقين من جهة ثانية . من ناحية اللغة هو يتصل بالمعنى المعجمي الذي هو قاسم مشترك بين معان عدة ، مع انفراده هو بدلالة تتصف بخصوصية يفترض أن يكون المصطلح قادراً على إيصالها ، أي للدلالة على معنى واحد مقصود . وإذ يؤشر ذلك ابتعاداً ما عن المعنى المعجمي ، فانه يبقى لهذا المعنى العام دور قد يكبر أو يصغر في ترسيخ تعبير المصطلح عما يراد منه التعبير عنه وفي إيصال ذلك إلى المتلقي أو المستقبل.
هذا يقودنا إلى القول أن المصطلح لكي يؤدي هذا الذي علية أن يؤديه ، يجب أن يصاغ صياغة سليمة تحقق التطابق بين الدال والمدلول ؛ ولكي يوصل هذا الذي يعنيه ويؤديه لا بد أن ينطلق أصلاً من المعنى اللغوي للفظة أو الألفاظ ، وأن تقع هذه اللفظة بدلالتها في أذن المتلقي وذهنه وقع ألفة وقبول وفهم وصولاً إلى الاستيعاب ، الأولي على الأقل ، للدلالة .
هذا يجب أن لا يعني أن مثل هذا التطابق بين المعنى اللغوي والدلالة الاصطلاحية يتحقق تحققاً تاماً ، بل هو في كثير من الأحيان لا يتحقق ، أو على الأقل فن لا نجده حين يشيع المصطلح، لأسباب عديدة منها عدم التوفيق في اختيار الألفاظ أو في الصياغة أصلاً ، أو ربما بسبب التطور والتغير الذي يطرأ على المدلول ، أو على اللفظة باستخداماتها العامة عبر الزمن. وإذ يُضِعف هذا ما قررناه من أن التطابق أو الاقتراب بين المعنى والدلالة يفيد في الإيصال والإفهام مما يعني ان معرفة المعنى اللغوي يفيدنا في معرفة الدلالة ، فان عدم تحقق التطابق تحققاً تاماً هذا لا يلغي ، رغم ذلك ، فائدة معرفة الأصل اللغوي عموماً ، لأنه يُبقي للعلاقة مهما وهنت وجوداً ، وهو الوجود الذي نعتقد أن العالم أو الناقد أو اللغوي أو الاصطلاحي - إذا ما جاز لنا أن نقول ذلك - يجب أن يسعوا ابتداء لتحقيقه ، في وقت يواجهنا افتراق بين المعنى والدلالة في الحقول المختلفة ومنها الحقول الأدبية والنقدية ، وإلى حد ما الحقول الإنشائية عموماً ، وذلك بسبب طبيعتها دائمة التغير والتجدد . ولنا في مصطلح (النقد) مثالاُ واضحاً على ذلك ، فقد انطلقت التسمية كما هو معروف مقتبَسةً من استعمالها اللغوي المعجمي الذي هو كما جاء في لسان العرب " تمييز الدراهم " ، في زمن أريد فيه من الناقد عربياً أن يميز النص الصحيح من غير الصحيح حين شاع النحل والانتحال . لكن المتغيرات التي أخذت تدخل ميدان النقد ، وربما تعززه ، والتطور الذي طرأ عليه عبر الزمن أبعدت النقد حقلاً عنه لفظةً ذات معان ودلالات لغوية واصطلاحية أولية . ولذا وجدنا التعاريف النقدية للنقد على اختلافها تقدم لنا مفاهيم لما يدل عليه هذا المصطلح تختلف اختلافات كبيرة عن معنى الكلمة وعن دلالاتها الاصطلاحية حين ظهر أول الأمر.
مع كل هذا ، إذا انطلقنا من فهمنا للنقد ومن ممارساتنا النقدية ، ومن التراث النقدي قديمه وحديثه ، وتأملنا اللفظة نجد أنها لا تزال تحتفظ بصلة بينها بوصفها مصطلحاً وبين معناها اللغوي الأصلي ، فحتى أولئك الذين ينكرون على النقد اليوم المعيارية والتقويمية ، لا يستطيعون وهم يمارسون النقد عملياً إلا أن يمارسوها ، على الأقل حين يختارون النصوص موضوع نقدهم وتحليلهم أو دراستهم ، دون غيرها من النصوص ، مع عدم الابقاء على هيمنتهما في كل الأحوال بالطبع ، لتبقى بهذا الصلة قائمة بين معنى اللفظة لغوياً ودلالتها اصطلاحياً ، وهو الأمر الذي ينطبق بدرجات مختلفة على جل المصطلحات.
ولتحقيق الصلة بين المعنى اللغوي والدلالة الاصطلاحية مع ضمان بقائها أو بقاء شيء منها قد يكبر وقد يصغر ، يكون مهمًّا جدا تحقيق الدقة في صياغة المصطلح باختيار اللفظة القادرة على تقديم الدلالة المطلوبة انطلاقاً من هذه الصلة ، وهو الأمر الذي كان العرب يسعون إليه إذْ المصطلح عندهم " اتفاق طائفة على شيء مخصوص …أي أنه اتفاق يقوم على تسمية شيء باسم معين بعد نقله من موضوعه الأول لمناسبة بينهما كالعموم و الخصوص". فبذلك نضمن إلى حد كبير كما قلنا الإبقاء على الصلة بين المعنى اللغوي والدلالة الاصطلاحية بما يجعل المصطلح أيسر على التوصيل والتلقي والفهم ، وإلى حد ما الاستيعاب وتحديداً في مجال التعليم ، خاصة إذا عزز ذلك امتلاك المصطلح ما أسميناه الألفة ، أي أن يكون له وقع ألفة وتقبل على الأسماع والإذهان ، وهو الوقع الذي بظننا لا يتحقق إلا إذا تحققت أصلا الدقة في الاختيار والصياغة أو الوضع ، كما هو شأن غالبية مصطلحات النحو والصرف واللغة عند العرب مثل ( الفاعل ، والمفعول،والاشتقاق ، والنظم، …الخ) ، وعدم تحقق ذلك في بعض المصطلحات الحديثة في النقد مثل ( الجمالية ، والشعرية ، والسردية ، وخلقة النص ….الخ ) . ولعل غالبية الإخفاق لذي يقع في هذا المجال متأت من المصطلحات المترجمة ، ومرجع ذلك يتوزع ما بين درجة إتقان المترجم للغة الأصلية ، وعدم فهم المصطلح في تلك اللغة بدقة ، وعدم الرجوع إلى مرجعيات المصطلح وحقله ، وضعف لغة المترجم العربية ، والسرعة أو عدم تحري الدقة في الترجمة ….إلى غير ذلك من الأسباب.
وهكذا ببساطة نظن أن تجاوز الإخفاق والأخطاء يكون بتجاوز هذه المسببات ، مع الاعتراف بأن الدقة والتوفيق تامين غير مضمونين في كل الأحوال وتبعاً لذلك فأن تحقق اللقاء بين المعنى اللغوي والدلالة الاصطلاحية والذي حرصنا عليه غير متحقق بدوره.هنا نعتقد أن الخطأ أو عدم الدقة في صياغة المصطلح أو وضعة أو ترجمته لا تحولان دون انتشاره وثباته ، الأمر الذي يؤدي في النتيجة إلى صعوبة تصويبه أو تعديله، ولعلنا نكون أكثر جرأة إذا ما قلنا أن كل محاولات التصويب أو التعديل تكون عادة ، في مثل هذه الحالة ، غير مجدية ، بل عبثاً كما هو حال محاولات تعديل مصطلحات (الكلاسيكية ، والرومانتيكية ، والأدب المقارن ، والشعر الحر ، و السردية ….الخ) . والواقع أن السبب وراء مثل هكذا محاولات للتصحيح أو التعديل لا تكون عبثاً فحسب ، بل تؤدي إلى تشويش أو اضطراب للمتلقي هو برأينا أكثر مما يسببه الخطأ المتحقق أو المفترض ، كما أن لفظة المصطلح أو ألفاظه تصبح دلالتها على ما توضع له معروفة عبر ما هي عليه بغض النظر عن صحتها أو صوابها صياغةً أو ترجمةً ، وبمعزل عن أصلها اللغوي الذي قد تبتعد عنه ، كما رأينا . وهكذا يكون صحيحاً قول أستاذنا الدكتور عناد غزوان :
” عندما يستقر المصطلح نقبله حتى وإن كان فيه اختلاف عن الأصل”.
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم