القراءة والتلقي
نظريات، ومناهج، ومقتربات
أ د. نجم عبدالله كاظم
أستاذ النقد والأدب المقارن والحديث
كلية الآداب – جامعة بغداد
(1)
من الطبيعي أن تعتمد قراءة الأدب النقدية في كل ما تخرج به أو تذهب إليه من آراء وطروحات ونظريات بشكل أساس على (النص) وتلقيه أيّاً كانت الأطر الفكرية أو الفلسفية التي ينطلق منها والنظريات أوالمناهج التي يتّبعها. من هنا يكون من البديهي البدء في التعرض لموضوعنا من مفهوم (النص) مصطلحاً ومفهوماً. يقول ريكور في أبسط وأشمل تعريفاته: “هو كل خطاب تم تثبيته بواسطة الكتابة”([1]). ولا نريد أن نخوض في فلسفة النص ومداخلاته الكثيرة التي كثيرا ما تتوقف عند هذه الفلسفة ولا تتعداها إلى ما يعنيه النص في حقول التطبيق المختلفة. أما أول إحالة يحيلنا فيها النص وفق هذا التعريف، وتحديدا من خلال القول إنه خطاب، فهي إلى المؤلف الذي يجب أن يكون مَن وراءه وهو من يرسله، ثم إلى القارئ الذي يجب أو يفترض أن يتلقاه، ذلك “أن أي نص لا يمكن أن يوجد ما لم يكن هناك كاتب يقوم بإنتاجه وصناعته، وبالتالي بثه في الناس، وانتفاء الكاتب يعني انعدام النص الأدبي وغيابه”([2])، كما أننا “نكتب دائما في سبيل أن نُقرأ”، كما يقول بوتور الذي يضيف: “وما قصدي من الكلمة التي أدونها إلا أن يقع عليها النظر، ولو كان نظري. ففي فعل الكتابة نفسه يكمن جمهور مفروض”([3]). وعليه فإزاء قول الأديب المكسيكي كارلوس فوينتس مثلاً “الكتاب مثل قارورة داخلها رسالة، ألقي بها في البحر، وربما تصل أو لا تصل إلى الجهة المرسلة إليها”، نقول مضيفين: مع الفرق في أن القارورة تُترك للصدفة والحظ، ولذا فهي قد تصل أو لا تصل إلى أحد. أما الكتاب فيُكتب مع قصديّة ووعي بوجود الناس الذيـن يجب أن يصل إليهم، أي القراء. لكن هذه القصدية والوعي، أو على الأقل فاعليتهما يتم تحييدها بعد ذلك. وفي كل الأحوال يمتلك النص في ذلك استقلالية قد تكون كاملة أو مطلقة عند بعض هؤلاء، ونسبية عند بعض آخر. لكن المهم هنا أنّ اتصالاً أو علاقةً أو تعلّقاً ينشأ مباشراً وصريحاً في هذه المرحلة بعد أن يكـون قبل ذلك- من زاوية نظر معينة- موجوداً بشكل غير صريح وضمني، بطرف آخر هو القارئ. وهكذا فنحن “نجد أنفسنا في هذه الحالة أمام ثنائية واضحة، فمن جهة يتمتع العمل/ الكتاب (النص) كشيء بوجوده المستقل، ولكنه من جهة أخرى لا يجد معناه الكامل إلا عندما يصل إلى الآخرين/ القراء ويجعلهم يتفاعلون معه… ومن جراء هذه العملية فإن القراء يحققون أنفسهم كفاعليـن (وليسوا كمنفعلين)، لهم دور يلعبونه في العمل الفني (الكتاب) ويغنونه ويطورونه”([4]). بل من خلال هذه الصلة بين القارئ فاعلاً والنص إنما يتحقق المعنى، ولذا فقد تعددت المعاني بتعدد القراءات. وتبعاً لذلك يكون مفهوماً قول بول فاليري قديماً: “ليس هناك معنى صحيح للنص”([5])، وقول ناقد آخر: “ليست هناك قراءة واحدة لقطعة أدبية تستطيع أن تنتزع كل ما فيها([6])، قول نيتشه قبلهما: “ليست هناك حقائق، بل تأويل فقط”([7]).
وفي العودة إلى قول بوتور السابقة، نجد أنفسنا هنا أمام ما يشبه المشكلة، إذ مع إثارته لقضية القارئ- الذي ربما هو القارئ الضمني- أو الجمهور الذي يكمن في فعل الكتابة نفسه- على حد عبير بوتور- فإننا نرى أن النص مع هذا يمر بمرحلة يستقبل فيها عن الكاتب، لاسيما في أنواع معينة من الكتابة كالرواية، مع الاعتراف بأنه أصلاً لا يمكن أن يكون من نص بلا مؤلف بالطبع، وأياً كانت سايكولوجية فعل كتابته له. وفي هذا معروف القول، وربما باقتناع غالبية المعنيين بهذا أو على الأقل بنسبة منه، باستقلال هذا النص فعلاً عن مؤلفه بعد تحقق فعل الكتابة([8])، وكل هذا قبل أن يصل إلى قارئ، مع اعترافنا بأن مثل هذه المرحلة التي يمر بها النص، على الأقل نظرياً، ما بين انتهاء فعل الكتابة وما قبل فعل القراءة المفترضة، قد لا تكون موجودة عملياً أصلاً إلا بمعزل عنا، إذا ما قبلنا بتعريف النص على أنه خطاب. ؟؟؟
“ويرى غولدمان أن كل تلق هو فعل ونشاط ومشاركة مهما كان حجمها…”([9]). وهذا يقودنا إلى طرح آخر قد يكون وجهاً آخر لهذه المعادلة، إذ قد يكون هو وراء هذه المعادلة، إذا ما كان هذا الطرح صحيحاً. ذلك هو القول بأن لكل نص معنى ظاهراً واضح، ومعنى ضمنياً أو كامناً أو غير ظاهر. فإذا كان المعنى الثاني، الذي قد يكون في الواقع معاني عدة معنى أو معاني دائمة بمعنى مهما نجد من معان في نص ما يبقى هناك معنى أو معان أخرى، موجوداً وجوداً موضوعياً بمعزل عن المؤلف والقارئ، فهل المعنى الأول وراءه القارئ؟ نعتقد هذا إذا ما قلنا بعدم التواصل ما بين القارئ والمؤلف بعد انتهاء فعل الكتابة وقبل بدء فعل القراءة. فإا سلّمنا بما هي مسلمة فعلاً بأنه “إذا كان المؤلف هو الذي يكتب الأثر الأدبي، فإن القارئ هو مفسّره ومؤوله، وبدونه يصبح الكتاب نسياً منسياً فلا نعرف له قيمة”([10])، فإن مثل هذا التفسير أو التأويل لا يمكن أن يكون بمعزل عن ذات القارئ. “فإذا كان الكاتب يقوم بالتركيب، فإن القارئ يقوم بعملية تفكيك العناصر اللغوية، ومن ثم محاولة فهمها وفي الآخر تأويلها حسب السياق الذي قيلت فيه”([11]). “فالمؤول [قارئاً أو ناقداً]، يبقى على مسافة كافية من النص للإصغاء إلى ما يقوله، والاستقلال عن قصد الكاتب وظروف القول… فالتأويل يقوم على افتراض حوار بين (أنا) القارئ و(أنت) النص”([12]). ولكننا إذ نقول بهذا الاستقلال، فإننا لا نفهم منها مصادرة المؤلف تماماً، كما لا نذهب كلياً وبإطلاق مع قول ريكور “فالقارئ يظل دائماً غائباً عن فعل الكتاب، تماماً مثلما أن الكاتب يظل غائباً عن فعل القراءة”([13])، بل نقول بأن القارئ لا يكون غائباً كليابً عن فعل الكتابة حين يكون في وعي الكاتب بصفته الفردية أو بصفته الاجتماعية ووفق ما قاله العرب عن الكتابة بمقتضى الحال. كما لا يكون المؤلف غائباً كلياً عن فعل القراءة، حين يكون في حياة المؤلف وفكره المعروف قبل كتابته وأثناءها وبعدها.
يقول الناقد رشيد بنحدو: “وتوجد بين المؤلف والقارئ علاقة جدلية. فعلى القارئ من أجل فك رموز الرسالة الأدبية أن يمتلك شيفرة المؤلف الجمالية والأخلاقية والاجتماعية والأيديولودية..إلخ، لكن دون أن يفرض عليه ذلك أن يشاطره إياها كلياً، لأن بإمكان المؤلف حسب جمالية التلقي التابعة لجامعة كونستانس، أن يغير أفق انتظار القارئ، مثلما يمكن لهذا الأخير، بتلقيه الاستهجان أو الاستحسان، أن يؤثر في الإنتاج الأدبي”.([14])
إن هذا الذي صار للكثيرين حقيقة، كان وراء بروز ما نسميها بسلطة القارئ في النقد، عبر آراء وطروحات تبلورت أحياناً بشكل نظريات عُنيت بالقراءة والتلقي، لتؤدي بدورها إلى انتقال كبير في الهيمنة من سلطة النص إلى سلطة القارئ هذه، القديمة في وجودها والجديدة في فاعليتها النقدية. وهذه السلطة صارت موضع اهتمام النقد نظرياً وعملياً، بحيث لم يعد، شيئاً غير عادي، أن تتعدد المداخل النقدية والتأويلات وأطر الفهم كثيراً. في ضوء هذا نذهب مع من يقول: “قد تستمر النصوص الأدبية بقوانينها العامة ذاتها، وقد تبقى بعض الاستنتاجات، مهما كانت مناهج الوصول إليها، صالحة للكلام على هذه النصوص، أي قد تبقى هذه الاستنتاجات مقبولة زمناً معيناً، ولكن هذا الزمن المعيّن لا يمكنه أن يكون دهراً، لأنه، وبكل بساطه، تاريخي متغيّر ومولّد([15]). وهي تسهم في تغيير هذه الاستنتاجات وما تستتبعه من تعدد القراءات تبعاً لتعدد استجابات القراء جماعات وأفراداً. وهذا كله شكل الأطر والماهيات التي ظهرت في داخلها ما يسمى بنظريات القراءة والتلقي.
كل هذه المفاهيم والآراء، وربما الحقائق، كانت وراء بروز سلطة القارئ، وما أدت إليه من نظريات ومفاهيم التلقي لتؤدي هذه بدورها إلى تعزيز هذه السلطة وفي علاقة جديلية، كانت حصيلتها هيمنة واضحة للقراءة والتلقي في العقود الأخيرة. وربما من المفيد، مع أننا غير معنيين بشكل مباشر بالجانب النظري لهذا، التعرض باختصار لأهم النظريات والمفاهيم والأقوال في هذا المجال.
-بداية ماذا تعني القراءة وماذا يعني التلقي؟ وماذا يعني النص وماذا يعني العمل الأدبي؟
-ما له علاقة بنظريات القراءة
(2)
ربما صار معروفا، في حقل القراءة والتلقي، أن هناك ما يسمى بـ(نظرية استجابة القارئ) أو (نقد استجابة القارئ) Reader-Response Theory، و)نظرية التلقي( أو(نظرية الاستقبال) Reception Theory. ولكي نفهم ترابط هذين النظريتين- كما يبدو وقوعه واضحاً، ومع أنهما مجالان ضمن مجال أو حقل أكبر- يجب أن نعرف “أن نظرية التلقي إنما هي إلى حد بعيد تطبيق لنظرية استجابة القارئ”. والواقع نحن لا نرى بالإمكان، حتى إذا أردنا الفصل بينهما ابتغاء الدقة النقدية، الكلام عن أي منهما دون النظر والتطرق للأخرى، إلا إذا أردنا التطبيق الصارم لإحداهما. وعليه يكون من الطبيعي أن نبدأ – ولا ننتهي- بـ(استجابة القارئ). ولكن من المفيد أن نشير إلى أن هناك عدة مقتربات ضمن هذه المدرسة، بعضها يشتغل أو ينطلق، في تعامله مع النص من وجهة نظر القارئ الواحد، بينما يشتغل أو ينطلق بعض آخر من مجموعة قراء ضمن مجموعة بشرية معينة، وإن كان الأخير يرتبط بمدرسة ياوس التي سنأتي إليها أكثر منها بهذه المدرسة. وبالنسبة لجميع المدارس فإن المهم هو ما تأثير النص في القارئ بمعزل عن المؤلف وقصديته، وعن السياقات السياسية والاجتماعية والتاريخية التي يظهر يُكتب فيها النص.
من مقولات نظرية (استجابة القارئ) أو (نظرية التأثير)، كما قد تُسمى، مقولة (القارئ في النص) التي يطلقها عليها أصحابها، وعلى رأسهم ولفغانغ إيزرWolfgang Iser “الذي ينبه إلى أن نظريته ليست نظرية الاستقبال التي تعنى بها مدرسة أخرى في ألمانيا، بل هي نظرية التأثير المتبادل بين النص والقارئ. فالعمل الأدبي ليس له وجود إلا عندما يتحقق، وهو لا يتحقق إلا من خلال القارئ، ومن ثم تكون عملية القراءة هي التشكيل الجديد لواقع مشكل من قبل، هو العمل الأدبي نفسه. وهذا الواقع المشكل في النص الأدبي لا وجود له في الواقع، حيث أنه صَنعة خيالية أولا وأخيرا”([16]). ولعل في هذا ما يعيدنا إلى ما قلناه من أن العمل كشيء يتمتع من جهة بوجود مستقل، ومن جهة أخرى لا يجد معناه إلا عندما يصل القارئ بأن يجعله يتفاعل معه. ومقارنة بين (نظرية التأثير) هذه والنظريات الحديثة الأخرى، يمكن أن نقول تطبيقيا: “بينما نجد النظريات النقدية الحديثة تبحث عن منهج لاستقبال القارئ للنص يتبناه القارئ من قبل أن يشرع في عملية القراءة، نجد أن نظرية (التأثير) لا تهتم إلا بعملية القراءة، دون الاهتمام بمنهج مسبق، وعلى أساس أن النص لا يتم إلا من خلال حركة القراءة الواعية التي تتفاعل مع لغة النص تفاعلاً كلياً، وتتحرك معها، ولا تحيد عنـها من البداية إلى النهاية”([17]).
وواضح من كلَّ ما سبق أن إيزر، وكما هو إلى حد كبير حـال العديد من أصحاب نظريات القراءة عموماً، يركز في القراءة على ما يراه أخذاً وعطاءً أو تبادلاً، أو قد يعبرّ عنه بأنه حوار وتفاعل يتمّ من خلال هذه القراءة بين القارئ والنص. وهذا ما تعبر عنه تماماً نظرية إيزر حين تقول: “إن عملية القراءة تسير في اتجاهين متبادلين، من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص، فبقدر ما يُقدَّم النص إلى القارئ يضفي القارئ على النص أبعاداً جديدة قد لا يكون لها وجود في النص”([18])، مع أننا نتحفظ قليلا هنا على تعبير “قد لا يكون لها وجود في النص” لما قد يوحي به من أن ما تخرج به قراءة النص لا علاقة فعلية له به، في وقت لا نرى فيه إمكانية مثل هذا. بعبارة أخرى لا نرى إمكانية أن نقول، قرّاءً أو نقاداً، عن النص ما ليس فيه أو يوحي به أو، على الأقل ، يشترك في تحقيقه، مما قد ينطوي عليه ظاهرياً رأي إيزر هذا، بغض النظر عما إذا كان قد عناه فعلاً أم لم يكن. ولعل تعبير رامـان سلـدن عن هذا أقرب إلى الدقة والقبول إذ يقول: “من منظور النقد المتجه إلى القارئ… إن المعنى في النص لا يصوغ ذاته أبداً، بل على القارئ أن يحفر في المادة النصية لكي ينتج المعنى”([19])، مع ملاحظة أهمية كلمة (يُنتج) هنا التي لا تساوي تعبير “يضفي القارئ على النص أبعادا جديدة قد لا يكون لها وجود في النص”، كما لا تساوي تعبير “يستخرج من النص” التي قد يقول فيها النقاد الحداثيون السابقون على نقاد القراءة.
“ويزعم ولفجانج أيزر أن النصوص الأدبية تحتوى دائما على (فراغات) يمكن أن يملأها القارئ وحده” ، لتسير القراءة بذلك في اتجاهيها اللذين قال بهما إيزر ، من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص ، “ومن ثم تكون عملية القراءة هي التشكيل الجديد لواقع مشكل من قبل هو العمل الأدبي نفسه … وعندئذ تنصب عملية القراءة على كيفية معالجة هذا التشكيل المحول من الواقع ، وتتحرك على مستويات مختلفة عن الواقع : واقع الحياة ، وواقع النص ، وواقع القارئ ، ثم أخيرا” واقع جديد لا يتكون إلا من خلال التلاحم الشديد بين النص والقارئ” . ومهم هنا أن هذا (التشكيل الجديد لواقع مشكّل) إنما يتم بمشاركة فاعلة من القارئ ، كما هو واضح في طروحات النظرية ، وعليه فمنطقي أن يكون لشخصية القارئ وخلفيته وثقافته وتذوّقه دور في ذلك ، وهي أمور تختلف بالطبع من فرد إلى آخر ، أي من قارئ إلى آخر . لذا لنا أن نتوقع اختلاف القراءات واختلاف المعاني للنص الواحد .
“ويرى إيزر العمل الأدبي له قطبان: قطب فني وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه…، أي إن القطب الفني يحمل معنى ودلالة وبناء شكليا. أما القطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله. ويقوم التأويل بدور مهم في استخلاص صورة المعنى المتخيل عبر سبر أغوار النص واستكناه دلالاته والبحث عن المعاني الخفية والواضحة عبر ملء البيضات والفراغات للحصول على مقصود النص وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية والواقعية”([20]).
في الواقع أن “فعل القراءة، في نقد استجابة القارئ، هو مثل حوار بين القارئ والنص، ولا ينكشف أو بالأحرى يتحقق معنى للنص إلا عبر هذه الحوارية، بعبارة أخرى أن هذا لا يتحقق إلا بعد أن يُقرأ من قارئ، وبما يعني مغادرة القارئ، في هذا النوع من النقد، وضعه السلبي إلى وضع إيجابي من خلال مشاركته في صنع معنى العمل الأدبي، وبما يعني أيضاً أن تجربة هذا القارئ الشخصية وخلفياته ستدخل في العملية، وتحدياً من خلال ملء الفراغات التي توجد في كل نص. ومن هنا كانت القراءات المختلفة للقراء المختلفين. “إذاً فالقارئ، في عيون أنصار نظرية استجابة القارئ، عنصر فعال، إنه ليس سلبياً أو مجرد كائن هامشي، إنه يصنع المعنى ويضع أصابعه على بؤر الجمال ومثيراته…، إن القارئ كما يقول الناقد الإيطالي الكبير آمبيرتو إيكو جزء لايتجزأ من عملية الكتابة والتذوق، إنه بمنزلة قطب الرحى، كما يقال”([21]). والقارئ حين يفعل هذا، فإن من الواضح أنه لا يعتمد على ما في النص، بل على ما يثيره فيه وما يوحي به، مما قد لا يفعله مع قارئ آخرTheorist Stanley Fish introduced what he called the “informed reader,” who brings prior, shared knowledge to the experience of reading.
كما أن نظرية إيرز تقول بدخول القارئ فاعلاً، وليس بأن لا يبتعد عن النص فقط، والفرق بين القولين دقيق ومهم، وهذا إنما يتم عن طريق ملء ما يسمى بالفراغات أو الفجوات. فإذا كان للنص الأدبي، وفق هذه النظرية أن يسيطر جزئياً، بوصفه نتاجاً لأفعال الكاتب القصدية، على استجابات القارئ، فإنه يحتوى دائما على عدد من هذه الفراغات أو (الفجوات) أو (العناصر غير المحددة)، ويجب على القارئ أن يملأها ذاتيا بطريق المشاركة الخلاقة مع ما هو معطى في النص أو موحى به، وبما يعني أن العمل الأدبي يعتمد في تحقّقه على النص والقارئ. إذن أن النصوص الأدبية، بزعم إيزر، تحتوى دائماً على (فراغات) يمكن أن يملأها القارئ، لتسير القراءة بذلك في اتجاهيها اللذين قال بهما، من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص، “ومن ثم تكون عملية القراءة هي التشكيل الجديد لواقع مشكَّل من قبل، هو العمل الأدبي نفسه،… وعندئذ تنصب عملية القراءة على كيفية معالجة هذا التشكيل المحول من الواقع، وتتحرك على مستويات مختلفة عن الواقع: واقع الحياة، وواقع النص، وواقع القارئ، ثم أخيراً واقع جديد لا يتكون إلا من خلال التلاحم الشديد بين النص والقارئ”([22]) . ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذا (التشكيل الجديد لواقع مشكّل) إنما يتم بمشاركة فاعلة من القارئ، كما هو واضح في طروحات النظرية، وعليه فمنطقي أن يكون لشخصية القارئ وخلفيته وثقافته وتذوّقه دور في ذلك، وهي أمور تختلف بالطبع من فرد إلى آخر، أي من قارئ إلى آخر، بل من القارئ في زمن معين إليه هو نفسه في زمن آخر. لذا لنا أن نتوقع اختلاف القراءات واختلاف المعاني للنص الواحد، باختلاف القراء، وباختلاف قراءات القارئ الواحد.
(3)
أما نظرية التلقي أو الاستقبال التي طرحها هانس روبرت ياوس، (1921-1997) الذي هو من أبرز أعلام مدرسة كونستانس الذين عنوا بعلاقة دلالة النص الأدبي بالقاريء “فإنها تركز على تلقي النص الأدبي، إلا أن اهتمامها لا ينصب على استجابة قارئ فرد في وقت معين، ولكن على الاستجابات المقيَّمة، للجمهور القارئ عامة للنص أو النصوص نفسها على امتداد زمنه. ويطرح ياوس الرأي بأن النص لا يملك (معنىً موضوعياً)، ولكنه يحتوى فقط على بعض الخصائص التي يمكن وصفها بصورة موضوعية”([23]).
وإذ تتجاوز نظرية إيزر طروحات (نظرية الاستقبال) حول ما يسمى بأفق التوقعات “التي تتحدد بتوقعات القارئ لحظة استقباله للعمل الأدبي، وهي التوقعات الثقافية والفنية والأخلاقية التي تتكون لدى القراء في ظروف تاريخية محددة، فإذا كان القارئ معايشاً لظروف العمل الأدبي، اقترب أفق التوقعات من هذا العمل” . والتجاوز يكمن تحديداً في أن (نظرية التأثير) لاتريد للقارئ أن يبتعد عن النص بكافة الأحوال، وهي تلغي تثبيت المعنى”([24])، فإن أهم ما قال به ياوس هو مقولته هذه بـ(أفق التوقع) “ليفسر أسس عملية الاستقبال الأدبي حيث تتحدد قيمة أي نص بالاستناد الى المسافة التي تقوم بينه وبين (أفق التوقعات)”.
كيف يكون للبعد الفردي والبعد الاجتماعي في النص إذن دورهما أو دور لهما في فهم النص وتلقيه وصنع معناه وتأويله..إلخ؟.. إنها تكون هناك من النص، أو من هو خلف النص، استجابة لمتطلبات واقع اجتماعي أو سياسي أو توعوي وعياً جمعياً، وفي الوقت نفسه استجابة للخصوصية الفردية المتمثلة بخصوصية المؤلف. ولا نظن أن نصّاً أياً كان نوعه، وفي أي نوع أدبي كتب، من الممكن أن يتجرد من أي من هذين البعدين. المهم هنا، وتعلقاً ببحثنا، هو ما له علاقة منها بالقراءة عموماً والقراءة النقدية خصوصاً، فإنْ ينطوي النص على البعد الاجتماعي فإنه يعني ضمناً، وبدرجة أو بأخرى، حضور القارئ فيه حتى قبل القراءة، إذا ما اتفقنا على أن القارئ جزء من من ذلك المجتمع قارئاً أو غير قارئ الذي يتخيله المؤلف نفسه قبل الكتابة وأثناء الكتابة وحتى بعد الكتابة- وإن لم تكن الأخيرة لتهمنا. ولكن إزاء الاعتراف بالبعد الفردي في النص، فإن القارئ، إذا وعى بهذا أو اعترف به، ليعترف ضمناً، ومهما كان وجوده هو في النص عبر اجتماعية النص أو عبر دخوله هو فيه مفسراً أو مؤولاً أو حتى متلقياً فحسب، بأن هناك ما هو خارج حدود سلطته التفسيرية أو التأويلية يفرضها المؤلف عليه عبر النص. ولعل هذا ما يفسر أن القارئ، حتى حين لا يعترف بهذ كله، فإن قراءته للنص وتلقيه وتفسيره أو تأويله، تنطوي كلها، ضمناً، على عدم ممانعة في الاستعانة بما خارج النص، مؤلفاً أو محيطاً وبيئةً أو قراءات سابقة أو لنقل أفق تلقًّ. ولكن في كل عمل القارئ التفسير والتأويل ذاتياً واستعانةً بهذا الخارج يجب أن يبقى ضمن ما يحتمله النص لا بما لا يحتمله. وهذا يجسد ضمناً- مرة أخرى- ثنائيات النص والمؤلف من جهة، وثنائية القارئ والنص وثنائية القارئ والمؤلف، وقد نضيف عليها القارئ وكل ما عداه، رغم ما قيل بتطرف عن فصل النص عن مؤلفه. ونظن أن كل تلك الثنائيات والتداخلات، وربما ما يبدو تناقضات، يمكن أن تُفهم إذا ما ذهبنا مع من يذهب من الحداثيين في النقد “إلى أن ما يواجه المتلقي [في النص] هو وجود جديد، وكل وجود جديد هو منظومة من العلاقات لها دلالاتها في نطاق التكوين الكلي كنسق خاص وجديد مغاير لما موجود في الخارج. ولأن الموضوعات الخارجية ليس لها شكل مسبق ومطلق ومحدّد سلفاً، فبالتالي يمكن أن يتخذ أية هيئة بقدر تعدد زوايا الرؤية، وطرق التفسير عند الفنان، وبقدر عدد عيون المشاهدين وإسماع المستمعين وعقول المفسرين الذين يستقبلون تلك الإشارات أو العلاقات”([25]). وهكذا يكون مفهوماً قول فاليري: “ليس هناك معنى صحيح”.
“ولا نظن أن هذا يتناقض مع رأي ولفغانغ إيزر- كما قد يبدو من الظاهر- بل إنه يلتقي معه، حين يشير إلى “أن فعل القراءة لا يستطيع أن يقاوم عنصرين هما، وإن كانا موجودين في النص، فإن استخلاصهما يتم على نحو أو آخر وفقاً لإيديولوجية القارئ، أو على الأقل تبعاً لوجهة نظره، أعني الخلفية الاجتماعية، وبناء النص”، ويضيف: “ولا أعني بذلك أن القارئ يأتي بشيء من الخارج ليضعه في النص، وهذا شيء أجاهد شخصياً ضده، ولكني أعني أن القارئ لا يستطيع على كل حال أن يقاوم انغامسه، بطريقة أو بأخرى، في اكتشاف ذلك الواقع الذي دخل عليه الإصلاح، والذي يستقر في داخل بناء خاص”([26]).
في محاولة تفسير الطبيعة المتغيرة لمعنى العمل الأدبي، لا يركز ياوس النص ذاته، أو تأثيراته الأدبية، “بل على عملية تلقي النص بدءاً من زمن كتابته وانتهاء بعملية تأويله من جانب القارئ أو مجموعة القراء في الوقت الحاضر. ليس النص، في هذه الحالة، وجوداً موضوعياً محاطاً بعدد غير محدود من التأويلات التي تشكل ظلالاً شبحية له، بل إن هوية هذا النص لا تتحقق إلا في أفق عملية استقباله، ومن خلال عملية التأويل الجماعي لأجيال متتالية من القراء… ومن هنا، فإن تاريخ الأدب يتشكل من عملية التلقي والإنتاج الجمالي على صعيد القارئ والناقد والمؤلف، في سيرورة إنتاجه الأدبي. إن النص يقيم حواراً لا ينقطع بين الماضي والحاضر حيث يتم فهم الماضي واستقباله من خلال الأفق الثقافي للحاضر. ولكي يصبح فهم الماضي ممكناً يطالب ياوس بنوع من «اندماج الآفاق» لتوحيد الماضي والحاضر”([27]). وهو يرى، من ثمّ، “أن العمل الأدبي الجديد لا يقدم نفسه للقارئ بوصفه جديداً تماماً. إنه يعرض نفسه على القارئ من خلال الإشارات الصريحة والمقنّعة، والتلميحات الضمنية والخصائص المألوفة بالنسبة الى القارئ؛ موقظاً بذلك بعض الذكريات في نفسه، جاعلاً إياه يتوقع شكل بداية العمل ونهايته، حيث يعمل في هذه الحالة على مخالفة توقعات القارئ أو إعادة توجيهه، على مدار النص، أو إيقاظ حس المفارقة فيه، بحيث يكون باستطاعة الكاتب أن ينوّع على هذه التوقعات أو يقوم بتغييرها أو تصحيحها أو إعادة إنتاجها”([28]).
ولما كان هذا الأفق خاصا بقارئ مـا، على حد تعبيره ، فقد كان من الطبيعي أن تتعدد معاني العمل بتعدد القراء اعتماداً علـى تعدد آفاق توقعاتهم. وفي رأي ياوس، “فإن من الخطأ أيضاً القول بأن العمل كلـي شامل، وبأن معناه ثابت أبداً و”منفتح على كل القراء وفي أي حقبة. ويعني هذا بالطبع أننـا لن نستطيع تتبع الآفاق المتلاحقة التي قر بها العمل منذ زمن ظهوره حتى الوقـت الحاضر وبالتالي فلن نستطيع استخلاص قيمة العمل الأخيرة، أو معناه النهائي، لأن ذلك يعنـي تجاهل وضعنا التاريخي الخاص”([29]). وتبعا لذلك فإن معنى العمل وقيمته تبقيان، مـن جهة، موجودتين عند قراء حقبة تاريخية بعينها، ومن جهة أخرى، في طور الكشف عنها على يد قراء حقبة تاريخية أخرى، ذلك أن “كل نوع مختلف من الجمهور أو القراء يفرض إستراتيجية مختلفة من التأويل، وهذا بأي حال يلمّح إلى أن معنى النص يختلف من عصر إلى عصر، أو إلى أن أي شخص يكون قد فعل كل ما يقتضي فهم ذلك المعنى، يفهم معنىً مختلفاً عن سابقيه أو عن عصر سابق”([30]).
(4)
نعتقد أن الانتقال من ياوس، ومن قبله كبير منظري (استجابة القارئ) إيزر، إلى آخرين، مثل فيش وهولوب وغادامير، وحتى لن يضيف الكثير إلى ما يفيدنا في موضوعنا، ولكن لا بأس فقط بالمرور هنا برأي الأخير، إذ “يرى غادامير أن الفهم لا يتحقق الا من خلال تكييف المعنى وتسوية الخلاف في وجهات النظر. ان عملية القراءة، حسب غادامير،هي نوع من تجسير الفجوة بين الماضي والحاضر، ونحن إذ نمارس فعل القراءة في الحاف لا نستطيع التخلص من الأفكار الجاهزة والتميزات المستقرة في ثقافتنا… وفي أثناء عملية الفهم هذه قد يحصل نوع من الاندماج بين ” أفق توقعاتنا” وآفاق كتابة الماضي وقراءته”([31]). وهكذا بتأمل النص وما يعنيه، وفي ضوء مقولات الاستجابة والتلقي نجد أن لكل نص بعداً فردياً وبعداً اجتماعياً، ولعل لهما، كلياً أو جزئياً علاقة بما رأيناها ثنائيات في النص: الاستقلالية واللاستقلالية، والمؤلف والنص، والنـص والقارئ، والذاتية والموضوعية، والداخل والخارج.. إلخ. تعلقاً بذلك “تتكوكب العلاقة بين الفردي والجماعي، بين الذاتي والكوني، بين المتخيل والواقعي المادي، بين المستويات على اختلافها، وبين ما هو في هذه المستويات حركة صراعية تنمو مع الزمن. وتستمر العلاقة، في كمونها ونقصانها، بين المتخيل والواقع المادي، بين زمن الكتابة وزمن المعاش، بين حركة الفكر في إنتاجها زمن الكتابة وبينها في إنتاجها فهماً بهذا الزمن، بين الفكر في ممارسة المعاش وبينه في إنتاج معرفة بما يمارس”([32]). وعموماً تدخل كل هذه في توجيه القراءة من جهة، وفي منح القارئ سلطة الفعل في النص من جهة ثانية. ولكن كيف يكون للبعد الفردي أو الذاتي، والبعد الاجتماعي أو الموضوعي تحديداً دورهما أو أدوارهما في تحقيق النص وصنع معناه مما قد يكون الوجه الأخر للتأويل؟ نعتقد أنْ ينطوي النص على البعد الاجتماعي يعني، ضمناً وبدرجة أو بأخرى، حضور القارئ فيه حتى قبل القراءة، إذا ما اتفقنا على أن القارئ بشكل أو بآخر- وأحيانا حتى حين يختلف زمنا التأليف والقراءة – هو جزء من ذلك البعد، خصوصاً حين يتصوّره المؤلف قبل الكتابة وأثناءها. أما البعد الفردي فهو ما يفرضه المؤلف على القارئ، وعبره على القراءة من خلال النص أثناء الكتابة. ولعل هذا، إضافةً إلى رؤية النص على أنه وجود مستقل، قد قاد النقد النصي إلى التأكيد على ما في النص وليس على ما هو خارجه، وعلى ما يوحي به النص، والذي قد يبدو خارجه، مما يمارس تأثيره في تأويلة. ولا نظن أن هذا يتناقص مع رأي إيزر- كما يبدو في الظاهر- إن لم نقل إنه في الواقع يلتقي معه، حين “يبين أن فعل القراءة لا يستطيع أن يقاوم عنصرين رئيسين هما، وإن كانا موجودين في النص، فإن استخلاصهما يتم على نحو أو آخر وفقاً لأيدلوجية القارئ ، أو على الأقل تبعا لوجهة نظره ، أعني [وفقاً] للخلفية الاجتماعية ولبناء النص”، ويستدرك قائلا “ولا أعني بذلك أن القارئ يأتي بشيء من الخارج ليضعه في النص.. ولكني أعني أن القارئ لا يستطيع على كل حال أن يقاوم انغماسة، بطريقة أو بأخرى، في اكتشاف الواقع”([33]). وهو ما يتم، في أي حال من الأحوال، من خلال العلاقة بينه وبين النص.
-يقول بول ريكور: “وإذا كانت القراءة ممكنة، فلإن النص ليس مغلقاً على ذاته، بل مفتوح على شيء آخر. أن نقرأ يعني- بافتراض أكثر عمومياً- أن ننتج خطاباً جديداً، وأن نربطه بالنص المقروء، وهذا الارتباط بين الخطاب القارئ والخطاب المقروء يكشف- داخل التكوين الداخلي للنص ذاته- قدرة أصيلة على استعادة الخطاب لذاته بشكل متجدد، وهي التي تعطي خاصيته المفتوحة على الدوام… والتأويل هو النهاية الفعلية لهذا الارتباط [بين خطاب وآخر] وهذه الاستعادة المتجددة”([34]). وأهم مما يتميز به التأويل فيما يخص ما نحن فيه هو “امتلاك مهم ومتجدد للنص والذات المؤولة نفسها”([35]). والتجدد يتم هنا مع توالي القراء، أو توالي قراءات القارئ الواحد.
-نص عن التأويل
-نحن نفهم أن التأويل، أو لنقل التأويلات، صادرة مجموعةً من قارئ واحد أو مجموعة قراء لا بد أن تعني، على الأقل بين بعضها والبعض الآخر، الاختلاف في القراءة. ولعل مثل هذه الاختلافات في التأويل، التي هي رؤى اختلافات في القراءة تظهر مع تلك الأعمال التي تكون أغنى يمكن أن يلعب دوراً في إثارة القارئ، سواء أكان ذلك في ما يثيره فيهم هم أنفسهم من النظر إليها من زوايا نظر مختلفة، أم في ما تمتلكه هي نفسها من أوجه واحتمالات خاصة في فكرها ومضمونها ولغتها، ولعلها في ذلك هي مما يطلق العرب عليها حمالة أوجه، وبالطبع إن كلا الجانبين يلتقيان ويرتبطان ببعضهما، بل يؤثر أحدهما في الآخر. فأنْ يكون النص حمال أوجه يعني أن يكون أكثر أهلية للتعددية، وأن يكون بمقدرة القارئ النظر إليها من زوايا مختلفة أكثر أهلية للتعددية، وأن تكون بمقدرة القارئ النظر إليها من رؤى مختلفة تعني أن يمنحها أو يعزز ما فيها من أوجه مختلفة. وهكذا وجدنا نصوصاً تُصنّف صراحةً وضمناً. وسواء أكان ذلك انطلاقاً من رؤية نقدية عامة، أم كان ذلك في ضوء نظريات التلقي والقراءة، بل وجدنا كتّاباً كانت أعمالهم عموماً كذلك، كما هو حال فوكنر وكامو ووولف ولورنس وديستويفسكي وهمنغوي وكافكا وزكريا تامر وآخرين. وعليه فإن المتأثيرين بهؤلاء يكون، الأكثر احتمالاً في طبيعة التأثر، انطلاقاً من جوهرية وعمق الاختلافات التي ستكون في قراءاتهم لهم وتأويلاتهم لأعمالهم التي وراء تأثراتهم.
-“ياوس يرى ضرورة مراعاة ثلاثة مقاصد في النص، مقصد الكاتب، ومقصد النص، ومقصدر المؤوّل أو القارئ”. إبراهيم خليل: في النقد والنقد الألسني، ص11.
-يقول هيرش: “لا يهمنا المعنى الذي قصده المؤلف، وإنما الذي يعنينا حسب هو المعنى الذي يعبر عنه النص”. إبراهيم خليلك في النقد والننقد الألسني، ص121.
-والواقع أن هذا كله قد راح يلعب دوره في العملية النقدية أكثر منه في عملية القراءة، مع التداخل الذي نفترضه واضحاً بين العمليتين، إذ ما من نقد نصي دون قراءة، كما ما من قراءة إلا وتشتمل على موقف، مهما كانت طبيعته. وهذا هو ما نعتقد أنه يكون، بغض النظر عن كونه معيارياً أو مجرداً إلى حد ما من المعيارية، وراء أن يتأثر القارئ بهذه الدرجة أو تلك بالنص، وفق ما يراه، أو لا يتأثر.
-في العودة إلى خلق أو إبداع أو انتاج النص ليخرج من نطاق المؤلف ويكوّن له، قبل الوصول إلى القارئ، وجوده المستقل، ومن ثم وجوده الحتمي في عدم استقلاليته حين يكون للقارئ دور في صنع معناه، نعتقد أن النقد- وهكذا الدراسة- هو الذي كشف عن هذه المعادلة أو الثنائية حين أخذ، في تعامله مع النص، يسعى إلى الكشف عما في (فيه) من أبعاد ومستويات ومعان، عبر موضوعية الناقد من جهة، ويقدم من خلال فعالية ذاتية خطاباً جديداً إلى حد كبير هو ما اصطُلح عليه بالخطاب النقدي، وهو مبني لا على النص مستقلاً، بل على قراءة الناقد له. فمهما قيل عن موضوعية النقد والناقد يبقى صحيحاً برأينا “أن النقد يجمع بين الذاتي والموضوعي. أما الجانب الذاتي فيتمثل في مجموعة من القضايا نذكر منها: المرحلة النقدية الأولى، اي اختيار النص المراد نقده، هذا الاختيار لا يتم على مقاييس موضوعية بل ذاتية، فهو النص الذي يفرض حضوره الفكري الحالي على الناقد، أي الذي يتذوقه ويستطيع أن يدخل إلى عالمه بكل يسر”([36]). هذا يعزز القول إن القراءة، وضمنها قراءة الناقد، قد توقفت عن “جعل القارئ مستهلكاً، بل تجعله منتجاً للنص”([37]).
-. واستجابة القارئ … هي النتاج المشترك لـ(أفقه) هو الخاص من التوقعات اللغوية والجمالية” . ولما كان هذا الأفق خاصا بقارئ مـا ، على حد تعبيره ، فقد كان من الطبيعي أن تتعدد معاني العمل بتعدد القراء اعتمادا علـى تعدد آفاق توقعاتهم ، ولكن “وفي رأي ياوس ، فإن من الخطأ أيضا القول بأن العمل كلـي شامل ، وأن معناه ثابت أبدا” ومنفتح على كل القراء وفي أي حقبة . ويعني هذا بالطبع أننـا لن نستطيع تتبع الآفاق المتلاحقة التي قر بها العمل منذ زمن ظهوره حتى الوقـت الحاضر وبالتالي فلن نستطيع استخلاص قيمة العمل الأخيرة ، أو معناه النهائي ، لأن ذلك يعنـي تجاهل وضعنا التاريخي الخاص” . وتبعا لذلك فإن معنى العمل وقيمته تبقيان ، مـن جهة موجودتين عند قراء حقبة تاريخية بعينها ، وتبقيان من جهة أخرى في طور الكشف عنها على يد قراء حقبة تاريخية أخرى ، ذلك أن “كل نوع مختلف من الجمهور أو القراء يفرض إستراتيجية مختلفة من التأويل ، وهذا بأي حال يلمح إلى أن معنى النص يختلف من عصر إلى عصر ، أو إلى أن أي شخص يكون قد فعل كل ما يقتضي فهم ذلك المعنى ، يفهم معنى مختلفا عن سابقيه أو عن عصر سابق”.
-وهكذا فالنقد المتعلق بالقارئ عموماً “لم يكن يستهدف بالتأكيد النظريات والمناهج الأدبية، وإنما كان المقصود منه أن يتوزان مع الاهتمام المركّز على النص وحده، أو على المؤلف وحده، أو على المؤلف وحده. ولهذا السبب تصورت جماليات التلقّي النص على أنه عملية، بمعنى أنها وضعت في اعتبارها التفاعل احادث بأكمله بين المؤلف والنص والقارئ، محاوِلةً وضع إطار لتقويم هذا التفاعل”([38]). “وبهذا التحويل والمنظور يتحول العمل الأدبي إلى نشاط في عقل القارئ، وإن ما كان يعتبر في التحليل النقدي الاعتيادي خصائص للعمل نفسه- وبضمنها الراوي والحبكة والشخصيات والأسلوب والبناء- يصبح الآن عملية زمنية ارتقائية تتكون بصورة زئيسة من التوقعات ومن إحباط وتأجيل وإشباع تلك التوقعات في مجرى تجربة القارئ، وإلى حد ما في الأقل كان نقاد استجابة القارئ يتفقون باتجاهاتهم النظرية المختلفة على أن معاني النص هي (إنتاج) أو (خلق) الفرد. لهذا لا توجد أية قراءة صحيحة واحدة سواء للإجزاء اللغوية، أو للنص كعمل أدبي”([39]).
-“فمن غير الممكن فهم نظرية التلقي دون الإحاطة بفلسفة التأويل عند هانس جورج غادمير ولاسيما كتابه الشهير (الحقيقة والمنهج) الذي يحيل ياوس إليه باستمرار”([40]).
-“…لا يمكن اشتقاق أجوبة هذه الأسئلة من النص فقط، إذ أن المعنى في النص لا يصوغ ذاته أبداً، بل على القارئ أن يحفر في المادة النصية لكي ينتج المعنى”([41])، وهي بذلك تبدأ برفض ادعاءات النقد الجديد الذي إذ بدأ رفض اهتمام النقد التقليدي بالكاتب وحياته، فإنه قد نقل اهتمامه إلى النص الذي تبلور في أهم كتبه النظرية مثل “النقد الجديد” لرانسوم، و”مبادئ النقد الأدبي” لريتشاردز، وبعض مقالات تي. إيس. إليوت، قبل أن تتبلور مفاهيمه بشكل واضح في طروحات كلينث بروكس وروبرت بن وارين بشكل خاص، قبل أن يبدأ يفقد بريقه فيموت تقريباً نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات أمام خطى نقاد جدد راحوا يقولون بطروحات مختلفة، ومن أهمهم نقاد القراءة والتلقي مثل إيزر وهولاند وفيش وياوس وغيرهم، ممن أقاموا نظرياتهم وأقوالهم وطروحاتهم على القراءة والتلقي، وكان من أهم نتائج ذلك هو ما نسميه تعديدة القراءة وما يتبعها من تعددية الفهم والتأويل.. إلخ، وهي تعددية لا تتشكل بتعدد القراء فحسب، بل بتعدد قراءات القارئ الواحد في أزمان مختلفة وربما ظروف ومؤثرات مختلفة، فالقارئ هنا يكاد يكون قراءً مختلفين وهو ما يحيلنا نظرياً إلى ما هو قبل القارئ في النص، وتحديداً ما سماه جيرالد برنس (المروي له) الذي كان مهملاً قبل أن ينبهنا إليه برنس.
-ترى نظرية إيزر أن عملية القراءة تسير في اتجاهين متبادلين، من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص. فبقدر ما يقدم النص للقارئ، يُضفي القارئ على النص أبعاداً جديدة، قد لا يكون لها وجود في النص([42]). وعندما تنتهي العملية بإحساس القارئ بالإشباع النفسي والنصي، وبتلاقي وجهات النظر بين القارئ والنص، عندئذ تكون عملية القراءة قد أدت دورها، لا من حيث أن النص قد استُقبل، بل من حيث أنه قد أثّر في القارئ وتأثر به على حد سواء، و لهذا فإن أصحاب النظرية لا يسمون نظريتهم بنظرية الاستقبال، بل يسمونها نظرية التأثير والاتصال”([43]). والواقع أنْ لا يكتفي من يقول بهذا، وتحديداً آيزر، بالاستقبال لهو الأمر الأهم هنا، على اعتبار أن غيرهم قال أو يقول بالاستقبال، خصوصاً أن الاستقبال لم يكن بمستبعد- وإن لم يكن مركز اهتمام- في النظريات والمدارس الأخرى التقليدية وغير التقليدية. “فمن منظور النقد المتجه إلى القارئ لا يمكن اشتقاق أجوبة هذه الأسئلة من النص فقط، إذ أن المعنى في النص لا يصوغ ذاته أبداً، بل أن على القارئ أن يحفر في المادة النصية لكي ينتج المعنى”([44]). وفقاً لذلك “يزعم ولفغانغ آيزر أن النصوص النصوص الأدبية تحتوي دائماً على (فراغات يمكن أن يملأها القارئ وحده)”([45]).
-ولأننا لا نلزم أنفسنا برأي من أصحاب القراءة والتلقي إلزاماً كلياً وتلقائياً، فإننا لا نذهب مع أي منهم حين “لا يهتم إلا بعملية القراءة”([46])، فإذ يعني ذلك إيمان هؤلاء بتأثر القراء ودورها فقط في استقبال القارئ للنص، فإننا نعتقد أن القراءة تلعب دوراً كبيراً، ولكنه ليس الوحيد، فإذا ما اتفقنا على تسمية دور القراءة سلطة هنا فهناك إلى جانبها سلطنة النص وبدرجة إو بأخرى سلطة المؤلف، على محدودية تأثيرها الفعلي غالباً، إلى جوانب عوامل أخرى قد لا ترتقي إلى أن تكون سلطات، وقد تتبع السلطات الثلاث، تلعب أدواراً في قراءة النص وتلقّيه ومن ثم تأويله، كالآراء السابقة سواء أكانت لنقاد أم لقاء عاديين لهم صلة به. وكان طبيعياً أن يكون لهذه السلطات والعوامل والمؤثرين الفاعلين الآخرين، غير النص، دور أكثر أهمية وبروزاً حين يكون النص لكاتب معروف. وهنا لا أريد الدخول في مجادلة من يقول بمقولة (موت المؤلف) التي لا أقرها.
[1] ) بول ريكور: النص والتأويل، مجلة (العرب والفكر العربي)، ع3، صيف 1988، ص37.
[2] ) حسن خمري، ص100.
[3] ) ميشيل بوتور: بحوث في الرواية الجديدة، ص136.
[4] ) د.جمال شحيد، في البنيوية التركيبية، دراسة في منهج لوسيان غولدمان، دار ابن رشد، بيروت، 1982، ص87.
[5] ) امبرتو ايكو ، القارئ النموذجي ، ترجمة أحمد بو حسن ، مجلة (أفاق) ، الرباط ، ع8-9، 1988، ص140.
[6] ) Wilfred L. Guerin and others, A Handbook of A approaches to Literature, U. S. A. 1979, p242
[7] ) Susan Sontag, Against Interpretation, In: David Lodge (Ed.): 20th Century Literary Criticism, London & New York , 1972, p654. Also see p660.
[8] ) واضح أننا نشير هنا إلى مفهوم (موت المؤلف) الذي قال به بارت.
[9] ) د.جمال شحيد: في البنيوية التركيبية دراسة في منهج لوسيان غولدمان، دار ابن رشد، بيروت، 1982، ص87.
[10] ) عبد المالك مرتاض: مدخل إلى دراسة الرواية الجديدة، مجلة الأقلام، ع1، ت2، 1980، ص.
[11] ) حسين خمري: بينة الخطاب النقدي، ص102.
[12] ) حاتم الصكر، ص68.
[13] ) ريكور، ص37.
[14] ) ص81. ؟؟
[15] ) يمنى العيد ، في معرفة النص ، دار الآفاق الجديدة و دار الثقافة، بيروت والدار البيضاء ، 1984 ، ص 17.
[16] ) نبيلة ابراهيم ، القارئ في النص” نظرية التأثير والاتصال” مجلة (فصول ) القاهرة ، ع1، م5 ،1984، ص 101.
[17] ) نبيلة إبراهيم، ص101.
[18] ) نبيلة ابراهيم ، القارئ في النص” نظرية التأثير والاتصال” مجلة (فصول ) القاهرة ، ع1، م5 ،1984، ص 101-102.
[19] ) رامان سلدن، نقد استجابة القارئ .. نقاده ونظرياته ، ترجمة سعيد الغانمي ، مجلة (آفاق عربية) ، بغداد ، ع 8 ، 1994، ص 32.
[20] ) د. جميل حمداوي، منهج التلقي أو نظرية القراءة والتقبل، مجلة أفق الثقافية، 11/6/2006. http://ofouq.com/today/index.php
[21] ) د. إلياس خلف: استجابة القارئ، الفداء، صحيفة (الفداء)، جماه، 12/8/2010.
[22] ) نبيلة إبراهيم ، مصدر سابق ، ص 102.
[23] ) Abrams, p155.
[24] ) نبيلة إبراهيم ، مصدر سابق ، ص 102.
[25] ) د. صلاح قنصوة: ماذا نعني بما بعد الحداثة، الهلال، ع2، 1998، ص40-41.
[26] ) حديث مع ولغانغ إيزر، حوار د. نبيلة إبراهيم، ترجمة فؤاد كامل، مجلة فصول، ع؟، ص104.
[27] ) فخري صالح: من توقعات القاريء الى معنى التجربة الجمالية، مجلة (نزوى)، ع19، 2009. عن طريق موقع المجلة الإلكيتروني، 29/6/2009.
[28] ) فخري صالح.
[29] ) سلدن: مصدر سابق، ص 34.
[30] ) E.D. Hirsch, Validity in Interpretation, New Haven and, London, 1967, p137.
[31] ) فخري صالح.
[32] ) يمنى العيد ، مصدر سابق ، ص 14.
[33] ) نبيلة ابراهيم ، مصدر سابق، ص 104.
[34] ) ريكور، ص47.
[35] ) ريكور، ص47.
[36] ) د. حسن خمري، ص50.
[37] ) نحو ممارسة نقدية فاعلة: كاثرين بيلس، ترجمة محسن الخفاجي، العرب، 29/1/1998.
[38] ) نبيلة، ص105.
[39] ) Abrams, p46-47.
[40] ) د. عبده عبود، أخبار الأدب.
[41] ) سعيد الغانمي، ص32.
[42] ) لا نقتنع بالقول “لا وجود لها بالنص”، وربما حتى أن آيزر لم يقل فيها. للتأكد
[43] ) نبيلة، ص101-102.
[44] ) الغنمي، ص32/أو 72.
[45] ) الغانمي، ص32. ولكني أظن أن ياوس- مؤسس نظرية التلقي في كتابه (التجربة الجمالية والتأويل الأولي) هو الذي قال بالفراغات.
[46] ) نبيلة، ص101.
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم