الطريق الى الوادي

الطريق إلى الوادي لسامي مهدي
فرشاة الوجود الندية بماء الوجد
ميسلون هادي
ربما كان ذلك الهاجس المعني بالثقافة الكونية هو مما يجعل القصيدة لدى الشاعر سامي مهدي تجمع بين الهم الفلسفي والحاسة الشعرية، برهافة بالغة تؤرجح بين تلكما الكفتين بمثاقيل لا تكاد ترى، فلا تطفو أحدهما على الأخرى، ولا ينقطع الخيط بينهما، مهما كان نحيلاً أو خفيفاً كالهواء، كأنه كلما أراد كتابة الشعر ترجم ما في وعيه من معارف وقلًب ما احتشد في روحه من صحائف وأسفار، وراح يتساءل عن حقيقة الوجود، ومفارقات الحياة والتاريخ وما حولهما من أوهام ومتعلقات، وتلك أسئلة شغلت باله وبال شعراء جيل الستينات العراقي الذي يقف الشاعر سامي مهدي في الطليعة من أبنائه مع من مثل ذلك الجيل من شعراء كبار كفاضل العزاوي وسركون بولص وعلي جعفر العلاق وحسب الشيخ جعفر وحميد سعيد ومحسن أطيمش وآخرين. وهذا الجيل يوصف بأنه الجيل الأكثر تمثلاً للثقافة الدينية والسياسية والأدبية التي ميزت تلك الحقبة الزمنية من تاريخ العراق، حيث يؤكد ذلك الشاعر سامي مهدي في حوار نشرته صحيفة السفير اللبنانية عندما يقول: “أظن أننا كنا أوسع ثقافة، وأعمق وعياً، وأصلب عوداً، وأقوى موهبة، وأغزر إنتاجاً، وقد أستثني من ذلك، من حيث الموهبة وإلى حد ما، بعض من عرفوا، أو سمّوا، بجيل السبعينيات.”
في ديوانه (الطريق الى الوادي)، تتقدم قصائده (القصيرة بمجملها)، بما عرف عن سامي مهدي من غنائية ممزوجة بمضامين وجودية، وحس درامي يقترب من السرد القصصي أحياناً، ويستعمل نفس تقنياته كالحوار والتداعي والنهايات المغلقة، ولكن تلك المضامين تنكتب بإيجاز بالغ يقترب من الرسائل الخاطفة، حيث لا مجال إلا لنصوص تتهكم وتتأسى وتتعجب من أقدار كانت بمثابة صدمات لا عاصم لها بعد حشود ووعود تلاشت وكأنها لم تكن، حيث النزهة الأولى والأخيرة هي محض أوهام:
وأراني طيراً وأطير،
وأظل أطير،
وأراني أشياء أخرى
فأقول لنفسي:
ها أني أخلع نفسي من نفسي
وأكون كما تبتكر اللحظة لي
من صور ومعان،
وإذا بي بعد ثوان
أغدو حجراً في كف البواب
يقذفه ضجراً ويسد الباب.
إن هذا المزج بين التجربة الفلسفية والتجربة الوجدانية، ليعطي القصائد مشهدية محسوسة تفضي إلى الركون الى النفس المطمئنة والتخلص مما يعلق بها من ضجيج الحركة.. ولا يمكن الحديث عن قصائد الشاعر دون الالتفات إلى شحنة العاطفة القوية التي تملأ فضاء الديوان وهذه الشحنة هي جزء أصيل من طبيعة الشاعر يعوض بها ماعاناه على الأرض من جفاف ومرارة الواقع تحت وطأة المحن والعمل والصراعات اليومية، فهذه قصيدة حب مهداة الى رفيقة دربه القاصة العراقية ثبات نايف ولكنها أيضاً تنطوي على زهد الشاعر بأكثر مما هو ممكن.
وماكان بالمستحيل
أن يكون لنا كل شئ
سوى واحد لم نرده
هو المستحيل
وحتى عندما يكون كل شئ رائقاً وجميلاً كما في قصيدة (صبيحة رائقة)، فان الشاعر يتلفت حوله وهو يكبح في نفسه رغبة بالعويل.. إنه يبلل فرشاة الوجود بدمع الوجد لكي لا تجف أو تجرح اللوحة بخشونة أطرافها. وهي أقل مايلزم لشاعر كثير الاسئلة:
أسئلتي كثيرة؟
جداً؟
أجل..
أعرف ياصديق.
لكنها،
أقل مايلزم
أن أفعل،
أو تفعل،
في نهاية الطريق!

ومن موقع الرائي المتأمل، مزج الشاعر سامي مهدي التهكم مع التداعي، للتأسي على هذا الطريق، والركون إلى ماتبقى من معنى لا يهم سوى شاعر لا يريد أن يخسر نفسه، وهذا مانجده في قصيدته المهداة إلى الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر :
حسن.. لم نكن بلغاء، كما قيل لنا،
ولا ظرفاء،
لم نكن إلا أنفسنا
حين يوهمنا الحزن في لحظة عناء.
وكذلك نحن،
وهذا الثراء المدمج بالكبرياء.

أما قصيدة (فيض) فتحكي لنا بغنائية فريدة عن هذا الثراء:
كثير أنا،ياصديقي، كثير
ففي الشمس مني جناح
وفي مسرب الفلك مني رياح
وفي الأرض، باطن الأرض،
مني بذور.
وإني أنا النهر
يرغو هنا ويفيض هناك
وتفلت أسماكه من ثغور الشباك
وتجثو له إذ يفيض السداد
وتعتو له- إذ تمر- الجسور.
كثير أنا
ومتاعي كثير.
ثمة قصائد أخرى تمثل موقفاً واضحاً من المثقفين الذين بدلوا جلودهم أو الذين استبدلوا محنة الوطن، من وجهة نظر الشاعر، بحيوات بعيدة ومنعزلة نفذوا منها إلى المجهول أو إلى خلاص موهوم:
ماذا لديك وانت في بلد الصقيع
سوى مكان مهمل في قعر حان
وهوان من خسر الرهان
ماذا لديك سوى جذاذة ذكريات
رثت وأبلاها الزمان؟
لو أستطيع
لحقنت من ماء الفرات شيئاً وجئت به إليك
وغسلت وجهك علَ نبضاً من حياة لا زال فيك
ومثل قصيدة (عفن) سنرى قصائد أخرى بذات الإتجاه كقصيدة (الوليمة) و(صراع) و(الغريم) .. بعضها كتبت قبل الإحتلال الأمريكي للعراق وبعضها بعده، وقد يبدو هذا الموقف للوهلة الأولى مشخصناً بعض الشئ تجاه من كان منفاهم ليس اختياراً وإنما بحكم الضرورة، ولكن قراءة مابين السطور تكشف لنا عن وجه نظر أخرى مقدمة من موقع الدفاع عن حضارة وتاريخ ووطن.. وهذا الموقع لا يقبل التبادل مع مواقع أخرى مهما كان بريقها، مما يترجم غاية الشاعر وموقفه في الإدانة الصريحة لمن تفرنج أو تفرج أو استبشر خيراً بهذا الحدث الجلل.. وهذه قصيدة (صراع) بهذا المعنى:
هو ذا عصرك الذهبي
فخذ ماتشاء:
يدي ولساني
وكل، إن أردت حصاني،
وكلني إذا ماستطعت،
فهذا نشيدي.. رهاني
وغداً سوف تعرف
أيهما كان أبقى
زمانك هذا الذي أنت تحرقه،
أم زماني
صار عمري ثمانين قرناً
ومازلت في عنفواني
ورأيت الذي أنت لم تره
من صراعٍ
وكر وفر
وحي وفان
وأنا من سيمكث في هذه الأرض لا أنت
إذ تنجلي في الصراع المعاني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطريق الى الوادي: الهيئة العامة لقصور الثقافة – سلسلة آفاق عربية- مصر

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

فصل من رواية شاي العروس

الأصل والصورة ميسلون هادي عليه الآن أن يذهب بعيداً إلى مكان لا يعرفه فيه أحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *