الشهيرة بأسمهان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهبت العاصفة الترابية ومنعتني أمي من الذهاب إلى المدرسة.. بكيت طويلاً، وامتنعت عن أكل طعامي وقت الغداء.. ثم تركتُ المطبخ والحقيبة والدنيا، وجلست قرب النافذة أنتظر عودة صديقتي شهد من المدرسة.. يجب أن أناديها فور أن أراها لكي تعطيني الواجب، وأن تحكي لي ماذا حدث بالضبط في غيابي، فأنا لم انقطع يوماً عن المدرسة، ولا حتى في عرفات العيد، وكل ما خططت له قد ارتبك وتأجل بسبب العاصفة. عاصفة التراب لم تمنعني من ارتداء ملابسي واحتضان الورد الذي اشتريته للملكة، مع بطاقة صنعتها بنفسي ورسمت عليها ساعة جدارية أرقامها قلوب ووجوه ضاحكة.. لم أكن أدري أن فرحتي يمكن لها أن تضيع في دقيقة واحدة عندما هاج الهواء محمّلاً بالغبار والأوساخ والأكياس الفارغة، وأن أمي ستمنعني من الخروج لئلا أطير في الهواء العالي، أو تصيب العاصفة عيوني بالأذى. ست ساعات وأنا جالسة قرب النافذة أراقب الدرب الذي خلا من الناس، وأنتظر موعد خروج الطالبات، فتأتي من بعيد صديقتي شهد بنت الجوار التي تداوم في مدرستي نفسها، وترافقني في الرواح والمجيء كل يوم، وأحياناً تغمض عينيها، وتغني بصوت جميل وخافت طوال الطريق. لديها اسم آخر هو أسمهان اشتهرت به عندما سامحتها المديرة على شخابيطها فوق جدران المدرسة، شرط أن تغني بتقاسيم صوتها العذب أغنية مخيفة وقديمة جداً اسمها (الطيور). من الواضح أن المديرة كانت تحب تلك الأغنية إلى درجة الهيام، بحيث غضّت بصرها عن الخدوش السوداء التي ملأت جدار السلم المؤدي إلى سطح المدرسة.ناديتها.. لم ترد..- شهد.. شهد؟ لم تلتفتْ أو ترد علي، لأنها لم تكن هي (شهد)، بل واحدة اسمها (فرح) من بنات مدرسة أخرى تسير بمنديل يغطي أنفها مغبة الاختناق بالغبار….. منذ الصباح الباكر والتراب يزداد كثافة ويجعل لون الدنيا حمراء كالدم.. منذ الصباح الباكر والعاصفة تشيل بعض البراميل المعدنية الفارغة وتحطها في الأزقة.. تأخرتْ صديقتي شهد طويلاً.. فمَن أسأل غيرها؟ وأين ذهبتْ؟.. فقد امتلأت الأرض بالأوساخ وشهد لم تعد. الأشجار أيضاً اختنقت واختفت خلف ذرات الغبار….. ثم حدثت تلك الجلبة مع صوت بكاء وصراخ عالٍ لم أبالِ به كثيراً، ولا شغلني عن التفكير بشيء واحد فقط هو هدية الملكة، التي لم تصل بسبب عاصفة التراب. فأين صديقتي شهد ولماذا تأخرت؟. كان المفروض أن أحمل باقة الورد مع البطاقة ذات الزخارف والقلوب لمرشدة الصف التي نحبها كثيراً إلى درجة أن نسميها الملكة.. وبقيتُ ساهرة طيلة الليل أنتظر أن يشرق الصباح فتراها الست أسماء في عيد المعلم، غير أن عاصفة الغبار جاءت وخربطت كل أحلامي. وها هي بنت أخرى تمر والمنديل يغطي وجهها، ولكنها ليست شهد.
شاهد أيضاً
حلال دم الغزال
حلال دم الغزالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــفقدتُ أخي الأصغر لسبب غريب، ولم أتوقع أن يأتي يوم تصدر فيه المحكمة …
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم