التراث الأدبي العربي بين النقد الموروث ومناهج القراءة والتلقي

التراث الأدبي العربي
بين الموروث النقدي ومناهج القراءة والتلقي

أ د. نجم عبدالله كاظم
أستاذ الأدب المقارن والحديث والنقد

كلية الآداب – جامعة بغداد

المقدمة
قادني تدريسي الأكاديمي، في العقود الثلاثة الأخيرة، إلى التعرّف، عن قرب، على بعض زوايا الواقع الأكاديمي والتدريسي والنقدي والبحثي، وما تشهده من مفاهيم صحيحة وخاطئة، وأكثر من ذلك ممارسات نقدية تطبيقية كثيراً ما يصطدم بعضها ببعض، ومن ذلك مواقف كلٍّ من دارسي الأدب العربي الحديث ودارسي الآداب القديمة، من كلٍّ من المناهج النقدية الحديثة والنقد القديم. ومن هنا، إلى حدٍّ كبير، انطلق أول مسوغات هذه الورقة، ليرتبط به مسوغ آخر دلّني عليه وحفزني إليه تدريس النقد ومناهجه، ومن خلال مساقات (التيارات النقدية الحديثة)، و(دراسات أدبية مقارنة)، و(سلطات النقد)، لطلبة الدراسات العليا، فهي مواد تُعنى كما هو واضح، كلياً أحياناً، وجزئياً أحياناً أخرى، بالنقد الأدبي ومناهجه تطبيقياً. هذا المسوغ الثاني هو ما وجدته من انقسام النقاد وأساتذة النقد وباحثيه، وعلى مختلف توجهاتهم وميولهم، إلى قسمين رئيسين: قسم حداثوي كثيراً ما يتطرف في الإيمان بهذه المناهج إلى درجة التطبيق الصارم لها، وتسفيه المناهج والمقتربات الأخرى، بما في ذلك النقد القديم؛ وقسم تقليدي كثيراً ما يرفض استخدام مناهج حديثة، لأنه لا يقتنع بها، ولا يعترف بها، بل قد يذهب إلى مقاومتها، وقد يرفض، حين يكون أكاديمياً، تدريسها أو قبول طالب يطبّقها. وإذا ما كان هذا قد انحسر بعض الشيء، في العقدين الأخيرين، فإنه لا يزال موجوداً؛ ولكن بمعزل عن مثل هذا الخلاف، نجد أن المختصين في الآداب العربية القديمة تحديداً، من جاهلي وإسلامي وعباسي وأندلسي..، ينأوْن بأنفسهم، في الغالب الأعم، عن هذه المناهج الحديثة. والمفارقة هنا هي أنه إذا كان بعض هؤلاء يرفضون هذه المناهج انطلاقاً من عدم قناعة بها، فإن الكثيرين لم يطلّعوا عليها، ليكون غالبية هؤلاء من الفريق الثاني. وفي كل الأحوال، قد يغلب على عدم التوافق ما بين هذين الفريقين، صدامٌ هو نتيجة التطرّف في موقفيهما، ليتحمس الأول للمناهج الحديثة وقد لا يمارس أية مرونة وموضوعية في النظر إلى القراءات النقدية التي يقدمها له التاريخ الأدبي، لأنه لا يرى من فائدة في النقد القديم والنقد التقليدي الحديث، بينما يرفض الثاني تطبيق مناهج حديثة، بل لا يمارس هو الآخر أية مرونة أو محاولة للاطلاع عليها ومعرفة ما تقول به وصولاً إلى تطبيق بعضهاعلى النصوص الأدبية القديمة.
هذا يقودنا إلى الإشارة إلى أن وراء هذه المواقف، في الحقيقة، لا المناهج أو الطرق أو المقتربات النقدية التي يدخل من خلالها القارئ العادي أو الناقد إلى النص فحسب، بل إلى السطات التي تلعب دوراً أو تكون وراء اعتماد الناقد لهذا المنهج والمقترب أو ذاك وتطبيقه، وهي: المؤلف، والنص، والقارئ؛ وقد نضيف التاريخ الأدبي، والقراءات السابقة، والجمهور، ذلك أن “كل نوع مختلف من الجمهور أو القراء يفرض استراتيجية مختلفة من التأويل، وهذا بأي حال يلمّح إلى أن معنى النص يختلف من عصر إلى عصر”([1])، على حد قول هيرش. إن المناهج الحديثة المختلفة، وعبر هيمنة أي من السلطات على اشتغالها مع النصوص، إنما تعكس بحثاً أو تطلعاً دائماً من القارئ الخاص الذي هو الناقد إلى قراءة جديدة للنص تستدعي، بالضرورة، أدوات جديدة ومداخل جديدة ورؤية جديدة، بتسمية أخرى منهجاً جديداً. وهذا في الواقع إنما هو مما تسعى إليه اليوم غالبية النقاد التي لا تؤمن بوجود معنى واحد للعمل، بل تسير مع قول بول فاليري قديماً: “ليس هناك معنى صحيح للنص”([2])، وقول ناقد آخر: “ليست هناك قراءة واحدة لقطعة أدبية تستطيع أن تنتزع كل ما فيها”([3])، وقول نيتشه الأشمل قبلهما: “ليست هناك حقائق، بل تأويل فقط”([4]). وكما يعبر عن ذلك ايضاً، مثلاً، الناقد الإنكليزي رامان سلدن. فوفقاً له، “ليس هناك حقيقة نهائية يجب الوصول إليها. نحن لا يمكن لنا أن نقول إن دالاًّ معيناً أو سلسلة من الدالات (عملاً أدبياً كاملاً، على سبيل المثال)، قد تم تفسيره مرة وإلى الأبد. فلإعطائه معنىً نهائياً (أو لافتراض أن له معنىً نهائياً) هو ببساطة قمع لجميع المعاني الأخرى”([5])، التي يمكن ان ينطوي عليها، أو يراها آخرون.
هذه الإشارة الأخيرة تعبّر عن هذا الخلاف بين مريدي كل منهج حديث ومريدي كل منهج حديث آخر من جهة، والخلاف بين هؤلاء جميعاً وغالبية دارسي الآداب العربية القديمة ونقادها من جهة أخرى. ويبدو أن هذا الفريق الثاني تحديداً قد غفل، في رضاه واكتفائه بالقراءة النقدية القديمة والتقليدية الحديثة، عما كان لا بد أن يواجهه يوماً من حتمية الحاجة إلى قراءة جديدة للتراث الأدبي، وهو ما برز فعلاً اليوم، وإنْ تدريجياً وربما متواضعاً، حين وجد نفسه يبحث عما يكون ملائماً من المناهج الحديثة لهذه القراءة. من هنا تحديداً صغنا فرضية هذه الورقة وهي:
إن جميع المناهج الحديثة صالحة لقراءة التراث الأدبي العربي، لأنها ببساطة ليست خاصة بأدب عصر معين، ولكن يبقى صحيحاً أن بعضها أكثر ملاءمة من بعض، وأن مناهج القراءة والتلقي هي التي تجسد هذه الملاءمة، كما نأمل لهذه الورقة أن تُقنع به.

المناهج النقدية الحديثة
وسلطات النقد
من الحقائق التي لم يكن لنا أن نتجاوزها، حتى وإنْ فعل ذلك بعض متبنّي المناهج الحديثة، أن هذه المناهج، في منطلقاتها وأفكارها و(آيديولوجياتها) ومقولاتها، والأهم في خطواتها الإجرائية وتطبيقاتها العملية، كانت نظرياً تغادر القديم أو السابق في ما تقول به، ولكنها لم تكن تضمن تحقيق المغادرة في التطبّيق. ماذا نعني بهذا؟، نعني ونعتقد أن متبنّيَ الجديد لا يمكن له عملياً إلا أن يجد نفسه، وهو يسعى بالطبع إلى تجاوز السابق نحو الجديد عائداً إلى بعض ذلك السابق، وأكثر من ذلك إلى الأسبق أو الأقدم. هنا نجد أن النقد، في مسيرته المنهجية تطبيقياً، يشبه عجلةً تسير بشكل حتمي، وكما هو شأن كل شيء في حياة البشر، نحو الأمام، ولكنها قد ترجع أحياناً إلى الوراء. وهذه العجلة إذ تمرّ بالجديد فإنه يلتصق بها، ولكن بينما لا يكون هذا الالتصاق إلا بازاحة القديم، فإن هذا القديم لا يمكن إلا أن يترك شيئاً منه في المجال، قد يصغر وقد يكبر. وبتواصل المسيرة والوقت وتراكم الجديد والأجدد، قد تؤدي إزاحة الجديد للقديم، في ظروف معينة إلى ظهور الأقدم. ووفقاً لهذا السير، لا بد لهذه العجلة- وهي هنا النقد- إلا أن تكون، في أية وقفة لها، بالحالة الآتية:
-هناك جديدٌ بارز فيها دائماً.
-بينما يكون القديم شبه مختف دائماً.
-وبما يعني أنْ يكون هناك شيء من هذا القديم، بهذا الكم أو ذاك.
-ويتحقق بعض تداخل ما بين القديم والجديد.
-وفي ظروف معينة وعند نقاد معينين قد يتواجد الأقدم أو بعضٌ منه.
المهم، في ظل ذلك كله، يهيمن الجديد في الغالب الأعم، وقد يهيمن القديم أحياناً محدودة، مهما كان حجمه، وقد يُنهي تداخلُ الجديد والقديم صراعَ الهيمنة بينهما، ولكن مع غلبةٍ لحضور الجديد عادة. لقد تجسد مثل هذا، برأينا، عبر مسيرة النقد في ظل فاعلية سلطاته واشتغال مناهجه المختلفة ما تكشف عنه مسيرة النقد غربياً وعربياً، كما سنتعرض لها باختصار فيما يأتي.
نعتقد أن من أوائل خطوات النقد المرصودة والمؤثرة في النقد القديم هي ليست كتاب أرسطو (فن الشعر)، الذي ظهر قبل الميلاد بأكثر من ثلاثة قرون، بل هي اكتشاف هذا الكتاب من جديد في القرن الخامس عشر الميلادي. ومعروف أنه قد قال بالتقعيد للعمل الفني الذي هو تحديداً وفق ما يتكلم عنه الكتاب، المسرحية، من خلال الوحدات الثلاث (الفعل أو الحدث، والزمان، والمكان)، وقد هيمن، وفقاً لذلك، يُسمى النقد القاعدي الذي هو جوهر النقد الكلاسيكي، الذي صار يحاسب أو يحاجج العمل الفني وفقاً لتوفر هذه الوحدات وبشكل (صحيح) وبمعزل عن أي شيء آخر، من عاطفة وظروف وعصر وفرد.. وما إلى ذلك.([6]) ولكن تعلّقاً بالنقد العربي القديم، نذهب مع إحسان عباس في قوله: “إن الذين درسوا كتاب الشعر لأرسطو طاليس لم يستطيعوا أن يؤثّروا إلا تأثيراً ضئيلاً في تاريخ النقد عند العرب… لأن الكتاب الذي اختاروه، رغم ما له من قيمة بالغة، كان يتحدث عن نماذج لا يعرفها الشعراء العرب ولا تعرفها جمهرة النقاد”([7]).
الخطوة الثانية في حركة النقد جاءت لتشكل انتقالةً أو تحولّاً كبيراً، حين بدأ بعض الأدباء والنقاد في القرن الثامن عشر، بالسعي للتخلص من قيود النقد الكلاسيكي القاعدي، والتأسيس لما سيشكل بداية النقد المنهجي، وجاء ذلك كله متزامناً مع مخاض الثورة الرومانتيكية التي ستولد في بداية القرن التالي وتهيمن على عالم الأدب والفن، والنتيجة “بناء أدب جديد ونقد جديد، ومن هذا الجديد… حب الطبيعة والعاطفة والخيال، وانتباهة تاريخية في صلة الفرد بالمجموع والمحيط”([8]). ولم يكن ذلك ليعني إلغاءً، بل تأسيساً لمرحلة جديدة لم تلغِ كل السابق، فستبقى، في هذه المرحلة، درجة من العقلية والتعليل التي حجّم بها النقد القاعدي الانطباعية التي تسم عادة النقد البدائي. على أية حال، كل ذلك كان، بشكل خاص، على يد أهم أعلام النقد الفرنسي سانت بيف مع أنه سرعان ما سيبتعد عن الرومانتيكية ويقترب من الواقعية ليكون له الدور الأساس في ظهور النقد العلمي. ومع هذا النقد وُلد المنهج النقدي الحقيقي، وقد تمثل أولاً بالمنهج التاريخي وبعده سريعاً المنهج الاجتماعي، وكان لسانت بيف دورٌ رئيسٌ في كليهما. “إن سنت قد شدد على الفرد، وأدخل بذلك نسبة كبيرة منه في النقد. إنه لا يبحث في النقد الأدبي عن التعبير عن المجتمع، وإنما عن الفردية بأعلى ما لديها من تميز، يبحث عن مزاج، عن حالة نفسية، إنه يعمل سبراً للنفوس، ولذلك تهمّه الحالة النفسية وتهمّه الموهبة، وكل أحكامه على كتاب هي أحكام على كاتب”([9])، هذا يعني أن سلطة المؤلف كانت هي السلطة الأقوى في اشتغال الناقد وقراءته للعمل، زائداً حضور التعليل والربط ما بين الأشياء والظواهر من جهة، والتأثر والانطباع دائماً من جهة أخرى.
وهكذا كانت الانتقالة الأبكر في تاريخ النقد الأدبي، تعلقاً بالمنهجية والموضوعية والعلمية والعقيلة، هي تلك التي بدأت فيها مسيرة المنهج متمثلةً في كلٍّ من المنهجين التاريخي والاجتماعي. وإحدى الحقائق الرئيسة التي ارتبطت بهذه المرحلة هي الكشف عن عدم وجود منهج نقدي حقيقي قبلها في التاريخ الطويل لها، ووفقاً لذلك تأتي الحقيقة الثانية المتمثّلة في أنّ تكوّن المنهج النقدي قد بدأ، كما قلنا، في هذا الزمن. ربما يعني أنّ هذه الانتقالة شكّلت بدء المرحلة الأولى من مراحل المنهج النقدي الحديث أو الحقيقي وسُميت بمرحلة المناهج السياقية. وأهم ما اتسمت به مناهج المرحلة السياقية ومنها، إضافة إلى المنهجين السابقين، المنهج النفسي، هو استحضار المؤلف سلطةً لم يكن الناقد ليتحرك، في التعامل مع النص، بمعزل عنها، ومعه كانت تحضر حياة المؤلف وشخصيته ونفسيته وصولاً إلى ما حوله من عصر ومجتمع وحياة وظروف عامة وظروف تأليف. بقي أن نقد تلك المرحلة بمنطلقات مناهجها وخطواتها الإجرائية، وهذه هي الحقيقة الثالثة المتعلّقة بها، كان هو الأقرب إلى النقد العربي القديم، من كل ما سنراه من نقد ومنهج.
إزاء المبالغة في هذا التوجه نحو المؤلف وما حول النص، كان من الطبيعي أن تظهر في وقت ما وظرف ما وبتأثيرات معينة، ردة فعل ضد هذه المناهج، كما هو الحال مع أية مبالغة في أي ميدان أدبي أو ثقافي أو اجتماعي او سياسي، ليُلتفتَ إلى ما هو أمام عيني القارئ والناقد، نعني النص نفسه. وقد تمثلت ردة الفعل الكبيرة، التي ستشكّل انتقالة بل انعطافة في مسيرة النقد، في ظهور الشكلانيين الروس حين التفتوا عن المؤلف وعما حول النص إلى النص نفسه وقالوا بالنصية وبأدبية الأدب. ومرة أخرى كان من الطبيعي أن يتطرف من يتطرف في هذا، ففي هذا التوجّه المنطقي والمقنع والعملي كان هناك من بالغ في هذه (المنطقية) إلى حد كاد يرفض معه أي شيء غير النص، وهو الأمر الذي تبناه البنيويون، وقد غفلوا عن أن هذا ليس (منطقية) بل هو خروج عن المنطقية، كما أنهم، في حرصهم على الإقناع، خرجوا على هذا الإقناع في قولهم بالبنية المغلقة وقول بارت بـ(موت المؤلف).
ومرة أخرى كان لا بد، مع هذا الموقف المتطرف، من ظهور ردة فعل ضده، فظهر موقف رافض لما رأى أصحابه أن النقد وصل إليه على يد القائلين بانغلاق النص، وهو الذي ظهر حتى على أيدي النصيين أنفسهم وعلى رأسهم بارت الذي تراجع عمّا تبناه سابقاً، ” فـ”مهما حاولنا أن نناور في مواقفنا ومفاهيمنا وفي تعبيراتنا لعزل النص عن مؤلفه، فإننا نخرج غالباً بنتيجة مصطنعة، تبقى مقبولة– إن قُبلت فعلاً– بحدودها النظرية فقط، وبشكل هامشي أو محدود فقط في تطبيقاتها، بينما يبقى المؤلف يلاحق الذين يهربون منه، مهما توهموا موته، بسمات شخصيته وذاتيته وروحه وسماته وتجربته الخاصة التي قد نعرفها حتى من قبل قراءة نصه موضوع القراءة أو النقد. كما كثيراً ما يبقى بمفاتيحه (شفراته) التي يهمس بها، إلى هؤلاء الذين يتكلّفون موته أو تغييبه المطلق، من بين سطور نصه لتساعد في فتح بعض (مغاليق) هذا النص. وهذا لا يعني أن يكون هناك إلحاح وإقحام للمؤلف، أو لمتعلقاته وللمفاتيح التي يوحي بها للأخذ بها. بل تبقى للقارئ حتماً أبعادٌ، قد تكبر أو تصغر ولكنها تشكل في كل الأحوال سطلة لا يمكن تقزيمها، وهي أبعادٌ من الحرية للنظر إلى النص ومحاولة فهمه أو تحليله، باستحضار المؤلف أو بمعزل عنه، ولا نقول بإماتته بالطبع، أو بتجاوزه أحياناً، وبالوجود الفعلي للنص وليس على حساب سلطته كلياً”([10]). وعليه كان التوجه الجديد نحو ما رأوا أنها الحلقة المهمة المنسية، وهي سلطة القارئ فقالوا إن العمل لا يتحقق معناه، وقد يقول بعضهم لا يكون عملاً إلا بقراءته، ما يستتبع ذلك مما سنأتي إليه من العلاقة التي تقوم خلال القراءة بين القارئ والنص، بل “أن النص لا يصبح أدبياً إلا إذا استُعمل بوصفه أدباً عند جماعة من القراء، اي عندما يضع المستقبلون المعاصرون النص في إطار أفق محدد للقراءة”([11]). الجديد، الذي تختلف فيه مرحلة نقد القراءة عن المراحل السابقة، هو أن جميع سلطات النقد تحضر بشكل أو بآخر، وإنْ مع هيمنة القارئ بالطبع. فقد كان من الطبيعي أن يؤدي الموقف في جميع مناهج القراءة والتلقي والتأويل، إلى شيء من العودةٍ إلى المؤلف وما حول النص، وهو، من وجهة نظرنا، ما يُحسب لها كما سنأتي إلى بعض ذلك في وقفتنا عند القراءة والتلقي وملاءمتها للتراث الأدبي العربي. فدحض مقولة (البنية المغلقة) للنص، لعدم منطقيتها، جاء بداية من أهلها قبل أن يكون من غيرهم، فكان منطقياً، في النتيجة، أن يعاد ربط النص، بهذه الدرجة أو تلك، بما هو خارجه بما في ذلك ما المؤلف وما حول المؤلف، من شخصية وعصر ومجتمع ووقائع وظروف، بل لا نستغرب أنْ كان هناك بعضُ ربطٍ ما بين قصدية المؤلف والقارئ.
في كل الأحوال، وفي ظل (غزو) هذه المناهج الحديثة للنقد تباعاً، شهدت الساحة النقدية العربية، الاختلافات التي رأينا أنها كثيراً ما تحوت إلى ما يشبه الصراعات بين من يتبنوْن هذا المنهج منها ومن يتبنون ذاك، وما بين مريديها جميعاً من جهة وممارسي (المنهج) النقدي القديم، القائم، في كثير منه، على التأثّر والانطباع أكثر منه على منهج حقيقي من جهة أخرى. وإذا كان مثل هذا الاختلاف طبيعياً، وبمعزل عن صحة هذا أو خطأ ذاك، برز ما نراه أسوء ظاهرة سلبية رافقت حركة النقد ومناهجه الحديثة، تلك هي الإلغاء فصار كلٌّ يلغي الآخر، لاسيما من يتبنى المنهج الجديد، وكأن المناهج الأخرى تصير، حين ظهوره، خاطئة، وهو ذاته لعمري خطأ لا تتقبله روح النقد وطبيعيته ولا الأدب وطبيعته([12]). المهم في واقع هذه الاختلافات والصراعات، هناك من يتحرى صرامة التطبيق، ومن يستسهله، وهناك من لا يعترف إلا بالمنهج الذي يظهر أخيراً من المناهج الحديثة ، ومن لا يعترف بها جميعاً. وفي مقابل هؤلاء جميعاً هناك، بالطبع، من يتعامل مع جميع المناهج بتوازن ومرونة وموضوعية، بحيث لا ينتهج الصرامة إلا حين لا يقوم تطبيق المنهج إلاّ عليها، ولا يستسهل التطبيق إلا إذا تعلّق بتكييف منهج أو توظيفه أو توليف واعٍ بين أكثر من منهج أو مقترب، ولا يرفض الجديد ولا يلغي القديم.

التراث الأدبي العربي
والبحث عن قراءة منهجية جديدة
إزاء هذه الحقائق، والنتيجة التي نراها انفرزت منها كما عبّر عنها رأي سلدن السابق وغيره، في القول بتعدد القراءات وعدم ثبات المعنى وعدم وجود حقيقة نهائية في النص، لم يكن التراث الأدبي العربي القديم ليبقى بعيداً عن تعدّديّة المناهج وتواصلِ ظهور الجديد منها، مهما هيمن المحافظون من دارسيه ونقاده. ولكن وسط الظاهرة الصحية المتمثلة في تعدد المناهج هذا، والظاهرة غير الصحية المتمثلة في فوضى التطبيق والخلاف اللذين رافقاه، كان من الطبيعي أنْ تضطرب مواقف الكثير من هؤلاء الدارسين للآداب القديمة ونقادها، وهم الذين لم يتقبلوا أصلاً وابتداءً المناهج الحديثة بسهولة كما رأينا. فإلى جانب التراث الأدبي، هم وارثون لتراث من نقد هذا التراث، هو أكبر وأعمق في دواخلهم وقناعاتهم من أن يتم تجاوزه. ولكن إزاء حتمية ظهور الجديد وحتمية التغيير، ما كان لمقاومة هؤلاء الدارسين والنقاد أن تصمد، وعليه كان منهم من أخذوا يدعون إلى البحث عن المناهج الحديثة المناسبة من أجل قراءة جديدة للتراث الأدبي العربي.
لم يكن لأي ناقد منصف وموضوعي يتعامل مع التراث الأدبي العربي، أكان متبنياً للنقد الحديث ومناهجه، أم مؤمناً بالنقد الموروث ومناهجه أو لا منهجيته حسب بعض الرؤية الحديثة، أم ممارساً للنقد القديم ولكن مع انفتاح على المناهج الحديثة وغير رافض لها، في أقل تقدير، نقول لم يكن لمثله هكذا ناقد منصف ليرضى أو يقدَر على عزل النص القديم عمّا حوله، لأن ما حول النص هو كامن في وعينا ضمن التراث النقدي الموروث ومما نعرفه عن النص وصاحبه من التاريخ الأدبي. فإذا كان من إمكانية لعدم حضور القراءات السابقة والتراكم النقدي مع نصوص معينة، وإذا كان من إمكانية لناقد- وفقاً لهذا- أن يتجاوز تطبيقياً مواقف وآراء ومعلومات مسبّقة، فإن هذا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحقق مع نصوص التراث الأدبي، إذ نحن إزاء تراكم كمّي وعددي ونوعي هائل من القراءات التي تأبى أن تختفي، كما أشرنا، كما نأبى نحن أن نتجاوزها. ولعلّ في هذا تتجسد أكثر ما تتجسد مقولات ياوس وموقفه من التاريخ الأدبي، كما سنأتي إليه وإليها. ولكن، في الوقت نفسه، وفي العودة إلى الناقد المنصف، ليس له وبعد عقود ليست قصيرة من الحركة النقدية الحديثة والمتجددة منهجياً في الغرب وانتقالها إلينا، إلا أن يرى وجوب تناول نصوص التراث برؤى جديدة ومناهج جديدة، مع إيمان وحرص، كما قلنا، على عدم تجاوز التراث النقدي الذي تعامل معها. ووسط هذا كان ما يشبه الصراع والخلاف بين من يريد أن يبقى حيث هو ومن يريد أن ينتقل إلى الجديد، ويبقى هناك من يسعى إلى أن يجمع ما بين هذا وذاك. وبمعزل عن الميل إلى اعتماد قراءات جديدة للتراث الأدبي العربي أو عدمه لدى المتخصصين بالآداب العربية القديمة، من الدارسين والنقاد، نعتقد أن هناك حقيقة قائمة، وإن جاءت متأخرة، تتمثل في رفض البقاء في محبس المؤلف وفي ما حول النص كما تمثل ذلك في الممارسة النقدية العربية القديمة والتقليدية الحديثة، حتى حين يكون عند مَن يتبنى هذا قبولٌ لهذا النقد القديم والتقليدي الحديث. وهكذا، وفي ظل هذه الحقائق والتيارات والميول والقناعات، صار أمام دارسي الآداب العربية القديمة ونقاده الموضوعيين تبنّي المبادئ الآتية :
-عدم إمكانية تجاوز التراث النقدي القديم والتقليدي، لأنه يعني تجاوز التاريخ الأدبي.
-حتمية البحث عن منهج أو مناهج جديدة لقراءة الثراث الأدبي العربي القديم نقدياً.
-رفض البقاء في محبس المؤلف وما حول النص، كما مارسه النقدان القديم، والتقليدي الحديث.
بقي أن هناك، في الوقت نفسه، ميلاً واضحاً وواسعاً لدى الدارسين الذين يتبنون هذه المبادئ، بل حتى عند عدد كبير غيرهم من دارسي الآداب العربية القديمة ونقادها، وكما أشرنا سابقاً، نحو رفض للصرامة في تطبيق النقد النصي ، البنيوي وإلى حد ما الشكلاني والجديد، وفي أحيان أقل نحو رفض للنقد النصي عموماً، خصوصاً حين يقول بالإقصاء والإلغاء، وكأن هؤلاء الدارسين يعون أن اعتماد النقد النصي، لاسيما الصارم، سيعني، في تطبيقه على التراث الأدبي، إلغاءً أو تجاوزاً وتعويماً غير منطقي وغير موضوعي لجل التراث الضخم من القراءات التي قدمها النقد العربي قراءةً لذلك التراث الأدبي. ولكن ما كان الباحث فعلاً عن منهج جديدة لقراءة جديدة لهذا التراث ليستبعد، برأينا، أي منهج نقدي حديث من أن يكون مشروع قراءة تجريبية. ونعتقد واهمون ومخطئون أولئك الذين يبقون، في تخصصهم في الآداب العربية القديمة ونقدها، جاهلين مناهج النقد الحديثة، انطلاقاً من فهمهم لها على أنها مناهج حديثة للآداب الحديثة وعليه فهم ليسوا بحاجة إليها؛ ومخطئون أولئك المتردّدون في الخطو باتجاه هذه المناهج أو في تطبيقها لأنهم توارثوا أساليبَ (مناهجَ) التعاملِ مع الآداب التي يُعنون بها، وأكثر منهم خطأً وتجنّياً على الآداب العربية الموروثة أولئك الذين يبقون بعيدين عن هذه المناهج، وربما يحاربونها ويسفّهونها. إن مراجعة لبعض أهم الكتب التي ظهرت عربياً وهي تطبق بعض هذه المناهج على الآداب العربية القديمة يدعم ما نذهب إليه. ومنها بعض كتب كمال أبو ديب، ويمنى العيد، وعبدالله الغذامي، وإحسان عباس، وجلال الخياط، وريتا عوض، وغيرهم.

نقد القراءة والتلقّي
والتراث الأدبي العربي
في ظل حاجة التراث الأدبي العربي المنطقية لقراءات جديدة، مع رفضٍ شديد من المتخصصين في ذلك التراث للصرامة التي وسمت جل نقاد المناهج النصية، وهو الموقف الذي يكاد يقترب من أن يكون مزلقاً، وإزاء عدم إمكانية مغادرة التراث الضخم من القراءات والنقد، ومع إيماننا وإيمان نقاد ليسوا قليلين بصلاحية جميع المناهج لهذه القراءة، لا يكون أنسب لقراءة جديدة لهذا التراث الأدبي، عندنا، من مناهج القراءة والتلقّي، وبما يعني بالطبع حضور سلطة القارئ، ولا يبتعد كثيراً عنها منهج التأويل الذي هو، على أية حال، أقرب إلى نقد القراءة منه إلى أي نقد آخر، “فالتأويل يقوم على افتراض حوار بين (أنا) القارئ، و(أنت) النص، لفهم معنى النص الذي يبدأ بفهم أجزاء الوحدة اللغوية لمعرفة الكل في حلقة أو دائرة متصلة”([13]). وحين نقول نظريات القراءة ومناهجها مقترباتها، فإن الحقيقة، أو لنقل الفرضية الأولى التي تحضر هي تعددية قراءة النصوص وتلقّيها وفهمها والاستمتاع بها وفك مغاليقها بتعدّد قراءتها ومجاميع القراء وطبقاتهم وأجيالهم وعصورهم، وحين تتقبل نصوصٌ هذه التعددية فإن هذا يعني أنها تمتلك قدرة على أن تعيش عمراً أطول من غيرها، والعكس صحيح، أي أن الأعمال التي تعيش أطول من غيرها تتقبل تعددية القراءة. في هذا يرى صاحب نظرية التلقي ياوس أن أكثر النصوص التي تثير اختلافاً في القراءة هي تلك التي تعيش فترات زمنة طويلة، فيرى أن قراءات القرن الثامن عشر لشكسبير مثلاً تختلف عن قراءات القرن العشرين اختلافاً يتعدى حدود الاختلاف المجرد ما بين القراءات الفردية والطبقية([14]). وعلى الطرف الآخر من عالم القراءة ونظرياته، لا تبتعد كثيراً عن رؤية ياوس هذه، رؤية أيزر صاحب نظرية التأثير. وعليه تومئ نظريات القراءة ومناهجها ومقترباتها، في هذه الحالة، إلى أنها الأنسب لقراءة التراث الأدبي العربي القديم قراءة جديدة.
واضح أن اعتماد هذا النقد يعني اشتغال سلطة القارئ، لكنّ هذا لم يكن ليعني تجاوز سلطة النص، كما قد يفهم البعض، ذلك أن دور القارئ في صنع معنى العمل الأدبي، في هذا النقد، لا يتم أصلاً بمعزل عن النص، بل ضمن أهم إجراءات نظريات القراءة والتلقي وما تعتمده من خطوات إجرائية، أنها تقوم على الحوار ما بين القارئ والنص، بمعنى أن معنى العمل لا يتحقق إلا من خلال هذه الحوارية ما بين السلطتين. والمفارقة أن حضوراً بشكل ضمني للمؤلف ولِما حول النص يبقى يتحقق هنا، لاسيما عبر بعض مقولات ياوس، التي سنأتي إليها، في أفق التلقي أو الانتظار، وبعض مقولات أيزر، التي سنأتي إليها أيضاً، في ملء الفراغات والكشف عن المسكوت عنه في النص. فحضور النص، الحتمي بالطبع، إنما يعني، وبعكس فهم البعض، حضوراً ضمنياً للمؤلف ولشيء مما حول النص، لاسيما وفق التاريخ الأدبي والقراءة الأولى وأفق التلقّي أو الانتظار اللذين قال بها ياوس، والقارئ الضمني وقصدية التأليف في استحضار المرسل إليه التي قال بها إيزر. وبهذا، نعتقد، تتهيأ القراءة النموذجية الجديدة المنتظرة للموروث الأدبي العربي القديم. فهذا الحضور الضمني والمحدود للمؤلف ولِما حول النص يعني أن يكون المنهج أو المناهج أكثر ملاءمةً للآداب القديمة والتاريخ الأدبي، خصوصاً وأنهما لن يكونا مهيمنَيْن في حضورهما كما هو شأنهما على النقد القديم والنقد التقليدي الحديث.
تعزيزاً لهذه الملاءمة، من الجميل أننا نجد، في المقابل، شيئاً من نقد القراءة والتلقي، وإنْ بدون نظرية وتنظير واضحين له، في النقد العربي القديم، لعل المتنبي قد عبّر عنه في أكثر من مناسبة، منها قوله المشهور:
أنام ملءَ جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
فواضح أن (أنام) تشير إلى (المؤلف) و(شواردها) إلى النص و(الخلق) إلى القارئ. والمتنبي أيضاً هو القائل عبارته المشهورة التي كان يقولها لمن يسأله عن شعره: “اسألوا ابن جني فهو أعرف بشعري مني”. وقد لا نبالغ إذا ما ذهبنا مع من يذهب إلى القول: “يعود الاحتفاء بالمتلقّي في النقد العربي القديم إلى الارهاصات الأولى التي تشكَّلَ عندها النقد الشفاهي كنتاج للإلقاء المتواصل للشعر في الأماكن الخاصة والعامة، وعلى وجه الخصوص في الأسواق الأدبية التي كانت محط اهتمام كبير للناس منذ العصر الجاهلي”([15]). وإذا ما كان في هذا تحميل من الباحث يادكار لطيف الشهرزوري لتلك المناسبات أكثر مما تحتمله، فإن من طريف ما يكشف عنه هو أنّ شيئاً من نقد القراءة يبدو واضحاً عند بعض النقاد العرب القدامى، ولاسيما حازم القرطاجني، وأكثر منه أبو محمد السجلماسي. يقول عنه:
“يستخدم السجلماسي مصطلح (المتأثر) بدل المتلقي أو القارئ، وهذا بحد ذاته تطور لاهتمامه العميق ببعد التواصل والاستجابة لدى المتلقي، ويركّز في اختيار هذه التسمية الجديدة على طبيعة الخطاب الأدبي المتمثّلة في التاثّر والتأثير”([16]). ثم ينقل عن السجلماسي قوله: “مقولة أن ينفعل ضدّ مقولة أن يفعل فهو الهيئة الحاصلة للمتأثر عن غيره بسبب التأثير أو لا كالهيئة الحاصلة للمنقطع ما دام منقطعاً”([17])، وبما يعني القول: أولاً، بالقارئ الإيجابي بدلاً من القارئ السلبي؛ وثانياً، بالتأثّر؛ وثالثاً، بالتفاعل ما بين القارئ والنص. وهو، إضافة إلى ما سبق، يؤكد من حيث لا يعرف الكثير منّا، والأهم من المتخصصين بالأدب القديم، قرب المقترب القرائي، في جوهره، من النقد العربي القديم، وإن بدرجة ما. وآمل أن لا أكون مبالغاً إن قلت وأنا أقرأ للسجلماسي وهو يقول ما يقوله قبل أكثر من سبعمئة وخمسين سنة، أحسست وكأني ببعض ما يعبّر عنه بعض نقاد القراءة والتلقي، ولكن بعده بسبعمئة سنة، فـ”في كتابه (نحو تلقٍ جمالي) يردّ المنظّر الألماني هانس روبرت ياوس بقوة على أولئك الذين يتعاملون أو يتفحصون النص الأدبي وكأنه نُصب، أو يرون المعنى مثبّتاً مرة وإلى الأبد”([18]). وفي الطرف الآخر من ميدان القراءة والتلقي واضحٌ أنّ “نظرية التلقي لأيزر هي محاولة لدمج التحليل النصي بالنقد (الفعّال). تكمن قوتها في مقتربها الحيوي إلى القراءة: فينتهي التعامل مع النص على أنه شيء أو كيان جامد ويصير شكلاً متغيراً”([19]). ولأن علاقتنا، وفق فرضيتنا وبحثنا بشكل عام، بياوس ونظرية (جماليات التلقي) وبدرجة ثانية بإيزر و(نظرية التأثير)، فسنتوقف في ما يأتي باختصار عند أهم مقولات الأول ونمر عند أهم ما قال به الثاني مما له علاقة بالموضوع، وبما يعني أننا لن نفصل في نظريتيهما.

مقولات القراءة والتلقي
يُقال إن “العمل الأدبي ليس له وجود إلا عندما يتحقق، وهو لا يتحقق إلا من خلال القارئ، ومن ثم تكون عملية القراءة هي التشكيل الجديد لواقع مشكّل من قبل، هو العمل الأدبي نفسه. وهذا الواقع المشكّل في النص الأدبي لا وجود له في الواقع، حيث أنه صَنعة خيالية أولا وأخيرا”([20]). هذا ما انطلقت منه واهتمت به نظريات القراءة والتلقي حين أدخلتْ القارئ في عملية صنع معنى العمل، بل العمل. ومعروف أن هناك مقتربات نظرية وتطبيقة لنقد القراءة عديدة، ولكنها عموماً تكاد تنفسم إلى نظريتين رئيستين، اعتبرَهما البعض مكمّلتين إحداهما للأخرى، واعتبرهما آخرون نظريتين تختلفان اختلافاً جوهرياً، بل لا يمكن الجمع بينهما. وأيّاً كان القول فيهما، من هذه الناحية، هما يتبعان ما تسمى بمدرسة كونستانس في ألمانيا ويمثلان كلاهما نقد القراءة في أغلب مقولاته وتنظيراته وتطبيقاته، وهما نظرية ياوس الجمالية (نظرية التلقي)، ونظرية أيزر النقدية (نظرية التأثير) أو (القارئ الضمني). وهكذا واضح أن أهم منظري القراءة والتلقي، أو لنقل نقد القراءة هما ياوس وإيزر مع ثالث هو أقرب إلى التأويل منه إلى القراءة، وهو غادامير. وهكذا نحن لا نستطيع الدخول في هذا النقد إلا بالمرور بمقولات هؤلاء الثلاثة، ولاسيما الاثنين الأولين، كما أشرنا. ونعتقد أن استعراضاً لأهم مقولاتهما وطروحاتهما، وتبعاً لذلك ما يترتّب عليها من تطبيق وخطوات إجرائية، تكشف عن ملاءَمة نزعم أنها تتوفر بينهما وبين نصوص الموروث الأدبي العربي، ولاسيما نظرية ياوس في التلقي.
بدايةً جاءت نظرية التلقي تحديداً، التي يُؤرَّخ ظهورها بمحاضرة هانز روبرت ياوس التي ألقاها سنة 1967، “محاولة لتجاوز ما في الشكلانية من قصور وما في النقد الماركسي من مثل ذلك، وهما النظريتان اللتان جرى الظن على أنهما متضادّتان، لكنه رأى إمكان دمجهما معاً باستبقاء أفضل ما فيهما والمزاوجة بينهما- استبقاء المطلب التاريخي للماركسية مع ما أنجزه الشكلانيون في مجال (الإدراك) على المستوى الاستاطيقي، ونعني به هنا خاصة فكرة الإغراب أو تجدد الإدراك ونفي الألفة “([21]). والمهم أن أهل، التلقي وعلى رأسهم ياوس، رأوا “أن العمل الأدبي، ولو كان يبدو جديداً كل الجدة، لا يكون تلقّيه في فراغ مطلق، فلا يتلقاه المتلقي حين يتلقاه وذهنه أبيض تماماً، بل يتلقاه وفيه معلومات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالعمل نفسه يهيِّي قارئه لنوع بعينه من التلقي دون غيره، من خلال ما ينطلق به العمل على نحو ظاهر أو غير ظاهر. العمل حين نقرأه يوقظ فينا ذكرى أشياء قرأناها من قبل، ويهيئنا لحالة شعورية بعينها”([22]). والنتيجة أن ياوس تمثّل هذا أكثر ما تمثّل في (أفق التوقع) “الذي يأتي من خبرة قديمة عند القارئ بأعمال سابقة يلتقي بالنص الجديد الذي يقرأه، وحينئذ فتوقعاته قد تكون تنويعاً على ما سبق أو تصحيحاً له أو تبديلاً كاملاً أو مجرد توقعات قديمة تنبعث من جديد بشحمها ولحمها. فإنْ كانت تنويعاً على شيء مضى أو تصحيحاً له كان ذلك خاصاً بالمجال، وإنْ كانت تبديلاً عن توقعات أخرى قديمة أو انبعاثاً جديدة لها، فذلك خاص ببنية الجنس الأدبي”([23]). يعني هذا كله أن العمل أو لنقل النص حين يصل إلى أيدينا فإننا نكون بوعي وأفق ممتلئ بما يلعب دوراً في قراءته، “إننا عندما نقرأ عملاً قصصياً [مثلاً]، فإننا لا نقرأه بعقل بكر محايد، فالبكارة العقلية لا وجود لها… وإنما نقرأه من خلال عقل صاغت قدرته، على الفهم والقراءة، ترسّبات الخبرات القرائية المختلفة، ومواصفات النصوص التي سبق استحسانها أو استهجانها على السواء”([24]).
من جهة أخرى يرى ياوس أن العمل الأدبي لا يفرض وجوده واستمراريته إلا عبر الجمهور. فالتاريخ الأدبي ليس هو تاريخ العمل الفني فقط، بل هو تاريخ قرائه المتتابعين عبر الزمن. وعليه ينبغي تحليل الأدب باعتباره نشاطاً تواصلياً، عبر تأثيره في المعايير الاجتماعية”([25]). ووفقاً لذلك، وتحقيقاً لما قال به عن أفق التلقي أو التوقع، الذي يكون محمّلاً بأشياء قبل البدء بالقراءة، يكون فاعلاً خلالها، “لقد حدد ياوس أفق الانتظار، من خلال المعايير الجمالية الأساسية: من خلال المعرفة التي يكوّنها الجمهور عن الجنس الذي ينتمي إليه العمل، والتجربة الأدبية الموروثة من القراءات السابقة… وهكذا فدراسة رواية (مدام بوفاري) تلزمنا باستدعاء ما كانت عليه الرواية العاطفية في 1857، وتحليل انتظارات جمهور ضجر من الرومانسية، وبدأ يشد انتباهه الموضوعات الأكثر واقعية مثل (الخيانة الزوجية)، وتحديد ما الذي لا زال يجعل من اللغة لغة أدبية”([26])، إلى غير ذلك مما يستدعيه الناقد/ القارئ الحالي عن الرواية وعصر الرواية وجنسها وما كان سائداً آنذاك من مفاهيم نقدية وأدبية وأعراف اجتماعية، ليبني ذلك أفق تلقيه قبل البدء القراءة، كما مرّ. وينطبق هذا، في الآداب العربية القديمة، على نصوص مثل معلقة زهير بن أبي سُلمى الميمية، وقصيدة أبي تمام في فتح عمورية، ومقامة بديع الزمان الهمداني الساخرة “المقامة المضيرية)، وغيرها. وكل ذلك انطلاقاً مما يراه ياوس من “استحالة فصل النص الذي نقرأه عن تاريخ تلقّيه والأفق الأدبي الذي ظهر فيه وانتمى إليه أول أمره. فالنص وسيط بين أفقنا والأفق الذي مثّله أو يمثّله، وعن طريق التداخل بين هذين الأفقين تنمو لدى مستقبِل النص القدرة على توقّع بعض الدلالات والمعاني. ولكن هذا التوقع لا يستتبع بالضرورة تطابقَ المعاني التي نتوصل إليها مع تلك التي تحدث عنها القدماء، وهذا ما يُسمى كسر حاجز التوقّع الذي هو في نظر جماليات التلقي شيء ينم عن القراءة المنتجة تضيف للنص شيئاً جديداً. كذلك إذا جاء الشاعر أو الكاتب ببعض النتائج التي تخالف توقّع القارئ محدثاً شيئاً من الدهشة أو الصدق فهذا أيضاً من باب كسر توقع القارئ أو الانزياح الجمالي”([27]). وهو ما نعتقد أنه يمكن أن ينكشف لنا في قراءة وتحليل “المقامة المضيرية”، مثلاً، التي ستنوّع أقق تلقينا لها، من خلال استدعائنا للجنس الذي ينتمي إليه هذا النص، ولتلقّي الجمهور (الخاص) لها حين تأليفها، وللعصر وخصوصية المجتمع البغدادي للقرن الرابع الهجري، إلى جانب (الثابت) و(المتغيّر) أصلاً وبَعداً في أفق تلقّينا.
وهكذا، فإن استحضار القارئ للقراءات السابقة للنص، كما يقول بذلك ياوس، بل ربما نقّاد القراءة عموماً، يستدعي ضمناً وصراحةً ما يأتي: أولاً- استحضار التاريخ الأدبي الذي عُني به هذا الناقد، بكل ما يفرضه من قراءات وطرق تلق وفهم، وتحديداً وفق أفق التلقي الذي قال به. ثانياً- العودة ضمناً إلى أنواع أخرى من القراءات وتطبيقاً لمناهج أخرى غير مناهج القراءة، مما يعني بالضرورة حضور سلطات أخرى قد تكون منها سلطة المؤلف وما يتعلق به مما حوله وما حول النص. ثالثاً وتعلقاً بـ(ثانياً): استحضار زمن كتابة النص وعصره ليعني ذلك بالضرورة ما حول النص والمؤلف. هنا قد لا ينتبه البعض إلى أن القارئ، حين يقول ما يقول ويرى ما يرى فإنه لا ينطلق من الذات بشكل مطلق وشامل وكلّي، بل هو لا يفعل ذلك، في الواقع، إلا بدرجة معينة ومحدودة، وهو حتى حين ينطلق من هذه الذات، فإنه ينطلق منها وقد حملت تراكماً من تجربتها واطلاعها ومن تجارب الآخرين وقراءاتهم التي عرفها أو اطلع عليها، وسيكون ضمن ذلك بالضرورة ما مصدره الآتي: الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص، وهو في مثالنا السابق المقامة، والمؤلف وهو بديع الزمان الهمداني بلك خصوصياته، ونصوص المؤلف الأخرى، أي مقامات الهمداني الأخرى وربما لا نستبعد رسائله، والتاريخ الأدبي الذي عُني بهذا النص ومؤلفه والنصوص المشابهة والمؤلفين الآخرين، بل حتى التجربة النقدية عموماً التي تناولت هذا النص والجنس الذي ينتمي إليه، وتجربة القارئ الناقد نفسه النقدية. وهكذا، وبتعبير آخر، نحن حين نقول (القارئ) فنحن نفهم شخصية القارئ وثقافته ومعلوماته وتراكمات تاريخيه بما في ذلك قراءاته السابقة واطلاعه على النصوص السابقة وعلى النص الحالي وعلى قراءات هذا النص السابقة وعلى الجمهور القارئ.
من جانب آخر، “إن عملية التلقي- في هذا التصور- ليست متعة جمالية خالصة تنصب على الشكل، ولكنها عملية مشاركة وجودية تقوم على الجدل بين المتلقي والعمل… ومعنى ذلك أن العمل الفني ليس عالماً منفصلاً عن عالمنا الذاتي، إننا في تلقي العمل الفني لا نواجه عالماً جديداً غريباً، ننفصل فيه عن أنفسنا خارج الزمن… إننا حين نفهم عملاً عظيماً نستحضر ما سبق أن جربناه في حياتنا، ويتوازن- من ثم- فهمنا لأنفسنا. إن عملية الجدل في فهم العمل الفني تقوم على أساس من السؤال يفتح عالم تجربتنا الوجودية لتلقي العمل، وتنصهر التجربتان في ناتج جديد هي المعرفة التي يثيرها فينا العمل. وهذه المعرفة ليست كامنة في العمل نفسه، أو في تجربتنا وحدها. ولكنها مركب جديد ناتج عن التفاعل بين تجربتنا والحقيقة التي يجسدها العمل”([28]).
وكأنّا بنظرية التلقي تلائم نفسها هنا مع التراث الأدبي العربي القديم، ونعني بالضبط: التعامل، إضافة إلى النص بالطبع، مع التاريخ والتاريخ الأدبي، وضمناً مع الموروث، واستحضار القارئ الحالي للقراءات السابقة، وضمنها القراءة الأولى، والتقاء أفقنا مع الأفق الآخر، لتكون قدرة التوقع لبعض دلالات النص، مع عدم توقع بالضرورة تطابق المعاني.. وهنا نكون قد وصلنا إلى أرقى ما يمكن أن نتوقع من قراءات جديدة لتراثنا الأدبي العربي القديم، إذ يتحقق لمن يُعنى بنصوص هذا التاريخ قراءة جديدة، مع عدم تجاوز أو إلغاء القراءات السابقة.
ومروراً بالنظرية الثانية، (التأثير) أو (القارئ الضمني)، عند إيزر، هي تعود إلى سنة 1967 أيضاً. “ففي الوقت الذي اهتم فيه ياوس بالبعد التاريخي للتلقي عُني إيزر بأثر النص على [كذا] القارئ العادي، ويتجلى مبدأ إيزر في أن القارئ هو مفترض النص”([29]). فمعروف أنه قال بالتفاعل ما بين النص والقارئ، وبملء الفراغات، وفك مغاليق النص و(غموضه) وصولاً إلى انطاقه بما هو مسكوت عنه في النص. وبخلاف البعض، نعتقد أن نظرية إيزر، إذ تشكل مقترباً آخر للنص من خلال القراءة، فإنها لا تبتعد عن نظرية ياوس ابتعاد افتراق، بل قد تعبر النظريتان عن رؤية مشتركة، خصوصاً حين نعرف أن إيزر رأى للعمل الأدبي قطبين: “قطب فني وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه المؤلف من خلال البناء اللغوي…، أي إن القطب الفني يحمل معنى ودلالة وبناء شكليا. أما القطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي تُخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله… عبر ملء البيضات والفراغات للحصول على مقصود النص وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية والواقعية”([30]).
ولعل واحداً من أكثر ما يصطدم فيه نقد القراءة، خصوصاً ما يتعلق منه بطروحات إيزر عن الفراغات والمسكوت عنه، وبعض المناهج والمقتربات النقدية الحديثة الأخرى، ومع النقد التقليدي والنقد العربي القديم، هو رفض القول باستقلالية المعنى عن القارئ كما يعبّر عن ذلك الشاعر الناقد سامي مهدي، الذي يقول، غير مقتنع بدور القارئ في صنع معنى العمل أو العمل نفسه: “ليس صحيحاً القول: إن النص يبقى ناقصاً حتى يعثر على قارئه. فالنص مكتمل بذاته، وبما فيه من من مسكوت عنه، قبل أن يعثر قارئه عليه. وما يعثر عليه القارئ في النص ويصفه بأنه مسكوت عنه، ليس هو المسكوت عنه في النص فعلاً، بل هو ما يتصور القارئ أنه مسكوت عنه… فالمعنى الأدبي هناك، كامن في جسد النص، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتغير ولا يتحول، بل يحتفظ بمحتواه الدلالي، ونسيجه الفني، وقيمه الإبداعية. وهو يواجه كل القراءات بحياد كامل واستعداد مطلق للانفتاح، ولا ينحاز إلى أي منها”([31]). لكن ناقداً أو أديباً مثل سامي مهدي لا يصل، في هذا، إلى خلاف جوهري وحقيقي في ما تفعله نظريات القراءة تطبيقياً، بل في ما تسمّيه وتنظّر له، فقراءة النص تكاد تكون هي عينها التي يمارسها أو يشير إليها الشاعر، بينما هناك آخرون لا يتفقون مع أي دور للقارئ أصلاً، وهو ما قد يتجسد أكثر ما يتجسد في دارسي الآداب القديمة ونقادها التقليديين.

الخاتمة والنتائج
النتائج الواضحة التي نعتقد أن ورقتنا خرجت بها هي:
-لا بد من قراءات جديدة للتراث الأدبي العربي القديم.
-لا يمكن تجاوز النقد العربي القديم والتقليدي الذي تناول ذلك التراث، عبر العصور.
-من الممكن تطبيق جميع المناهج النقدية الحديثة في تناول هذا التراث.
-ولكنّ النتيجة الأبرز والأهم التي تزعم أن الورقة قد توصلت إليها هي أن المنهج أو المناهج الأنسب لهذا التراث الأدبي، كما رأينا، هي مناهج القراءة والتلقي والتأويل، ولا سيما عبر مقترب ياوس.

مصادر البحث
المصادر العربية والمترجمة:
د. إبراهيم محمود خليل: اللنقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمّان، 2003.
إيكو، إمبرتو، القارئ النموذجي، ترجمة أحمد بو حسن ، مجلة (آفاق)، الرباط، ع8-9، 1988.
جوف، فانسون: القراءة، ترجمة: محمد آيت لعميم ونصر الدين شكير، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، 2013.
حاتم الصكر: تحليل النص الشعري العربي الحديث، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1995.
د. جميل حمداوي، منهج التلقي أو نظرية القراءة والتقبل، مجلة أفق الثقافية، 11/6/2006. http://ofouq.com/today/index.php
سامي مهدي: سلطة النص وسلطة القارئ، النص علامة ثبات والتأويل تعليق، جريدة (الدستور)، الدستور الثقافي، عمّان، 11/1/2004.
السيد إبراهيم: النظرية النقدية ومفهوم أفق التوقع، مجلة (علامات في النقد)، مج32، مايو 1999.
د. علي جواد الطاهر: مقدمة في النقد الأدبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979.
فاضل ثامر: اللغة الثانية.. في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1994.
ماريا بوثويلو، خوسيه: نظريات اللغة الأدبية، ترجمة د. حامد أبو أحمد، مكتبة غريب، القاهرة، 1992، ص121.نبيلة ابراهيم، القارئ في النص (نظرية التأثير والاتصال)، مجلة (فصول)، القاهرة، ع1، م5، 1984.
د. نجم عبدالله كاظم: أيقونات الوهم.. الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمّان، 2011.
نصر حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2001.
د. يادكار لطيف الشهرزوري: جماليات التلقي في السرد القرآني، دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 2010.
المصادر باللغة الإنكليزية:
Guerin, Wilfred L, and Others: A Handbook of A approaches to Literature, USA, 1979.
Hirsch, E. D: Validity in Interpretation, New Haven and, London, 1967.
Selden, Raman: Practicing Theory and Reading Literature an Introduction, Harvester Wheat sheaf, UK, 1989.
Sontag, Susan, Against Interpretation, In: David Lodge (Ed.): 20th Century Literary Criticism, London & New York, 1972.


[1]) E.D. Hirsch, Validity in Interpretation, New Haven and, London, 1967, P.137.
[2] ) إمبرتو إيكو، القارئ النموذجي، ترجمة أحمد بو حسن ، مجلة (آفاق)، الرباط، ع8-9، 1988، ص140.
[3]) Wilfred L. Guerin and others, A Handbook of A approaches to Literature, USA, 1979, p242
[4]) Susan Sontag, Against Interpretation, In: David Lodge (Ed.): 20th Century Literary Criticism, London & New York, 1972, P.654.
[5]) Raman Selden: Practicing Theory and Reading Literature an Introduction, UK, 1989, P80.
[6] ) يقول الدكتور إحسان عباس مصيباً: “إن الذين درسوا كتاب الشعر لأرسطو طاليس لم يستطيعوا أن يؤثّروا إلا تأثيراً ضئيلاً في تاريخ النقد عند العرب… لأن الكتاب الذي اختاروه، رغم ما له من قيمة بالغة، كان يتحدث عن نماذج لا يعرفها الشعراء العرب ولا تعرفها جمهرة النقاد”.
د. إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري، بيروت، 1986. ص41.
[7] ) المصدر السابق، ص41.
[8] ) د. علي جواد الطاهر: مقدمة في النقد الأدبي، بيروت، 1979، ص367.
[9] ) المصدر السابق، ص380.
[10] ) د. نجم عبدالله كاظم: أيقونات الوهم.. الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث، عمّان، 2011، ص32.
[11] ) خوسيه ماريا بوثويلو: نظريات اللغة الأدبية، ترجمة د. حامد أبو أحمد، القاهرة، 1992، ص121.
[12]) لقد تناولنا هذه الظاهرة، في كتابنا “أيقونات الوهم، كما مر بعض ذلك سابقاً، ضمن ظواهر سلبية عديدة نرى أنها تسود الحركة النقدية وقد تهيمن على سلوكيات ومواقف بعض النقاد.
يُنظر د. نجم عبدالله كاظم: أيقونات الوهم.. الناقد اعربي وإشكاليات النقد الحديث، ص27-69.
[13] ) حاتم الصكر: تحليل النص الشعري العربي الحديث، رسالة ماجستير، 1995، ص68.
[14]) See: Selden: Practicing Theory, P. 127.
[15] ) د. يادكار لطيف الشهرزوري: جماليات التلقي في السرد القرآني، دمشق، 2010، ص21.
[16] ) المصدر السابق، ص34.
[17] ) أبو محمد السجلماسي: المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، عن المصدر السابق، ص34.
[18]) Selden: Practicing Theory, P. 126.
[19]) Ibid, P. 125.
[20]) نبيلة ابراهيم، القارئ في النص” نظرية التأثير والاتصال” مجلة (فصول)، 1984، ص 101.
[21] ) السيد إبراهيم: النظرية النقدية ومفهوم أفق التوقع، مجلة (علامات في النقد)، 1999، ص153.
[22] ) المصدر السابق، ص168.
[23] ) المصدر السابق، ص169.
[24] ) فاضل ثامر: اللغة الثانية.. في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث، بيروت، 1994، ص47- 48.
[25] ) فانسون جوف: القراءة، ترجمة: محمد آيت لعميم ونصر الدين شكير، بغداد، 2013. ص19.
[26] ) المصدر السابق، ص37.
[27] ) د. إبراهيم محمود خليل: اللنقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، عمّان، 2003، ص123.
[28] ) نصر حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، الدار البيضاء وبيروت، 2001، ص39-40.
[29] ) فانسون جوف: القراءة، ص19.
[30] ) د. جميل حمداوي: منهج التلقّي أو نظرية أو نظرية القراءة والتقبّل، مجلة (أفق) الثقافية، 11/6/2006. http://ofouq.com/today/index.php

عن fatimahassann23

شاهد أيضاً

دراسة عن دروب وحشية

تشكلات البناء السردي في رواية دروب وحشية للناقد نجم عبد الله كاظم أنفال_كاظم جريدة اوروك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *