الأصل والصورة
ميسلون هادي
عليه الآن أن يذهب بعيداً إلى مكان لا يعرفه فيه أحد ويترك الوقت لقدميه اللتين تتقنان السير، كيما تقودانه إلى الأماكن التي كان يسلكها فيما مضى طائعاً عصاه، والآن يسلكها على هواه وهو يتعثر في المسير. الآن وهو يرى كيف يتهجأ الخطوات بقدميه، أصبح سيره إلى الأمام أبطأ مما كان عليه وهو أعمى.. أصبح وهو يتلمس الطريق الواضح بعصاه يدوخ ويشعر بأنه يهبط الى أسفل، ويشغله هذا الوضوح عن تحريك قدميه بثبات والخطو إلى مكان آخر، فيترنح سارحاً بعينيه إلى الأرض أو يغمضهما قليلاً ليرتاح، شاعراً بأن الكثير من النظر يؤذيه ويتعب عينيه. لم يكن شارع بيتهم هكذا ولا كانت البيوت على هذه الشاكلة. كانت أنظف وأكثر علوّاً وأسفلت الشارع أكثر سواداً.. وخضرة الأشجار أكثر دكنة. بعض الصور مألوفة لديه ولا تفاجئه إلاّ بأنه قادر على إبصارها، بينما صور أخرى لا يمكن تصديقها.. إنها سافرة في غرابتها سادرة في سحرها. الأرض تكاد تبلعه والعصافير تكاد تنقض عليه.. وحدها هذه الحديقة التي تملؤها الأزهار الملونة والحمضيات والأقاحي تبدو آمنة حول تلك المرأة الممشوقة التي تتحرك من بعيد كحورية الجنة وهي تقف أمام حبل ممدود تنشر فوقه ملابس أطفال ملونة!. تساءل بينه وبين نفسه: “هل هذه هي أم هند؟” جارته نفسها التي، عندما وَلدت توأمها قبل أعوام، جاءت ابنتها هند إليه وطلبت منه أن يقرأ لهما الآذان في الأذن اليمنى، فزاد هو على ذلك بأن أقام الصلاة في الأذن اليسرى. فلما رآه أبوها الفظّ يفعل ذلك قال له بصوت غليظ يكفي لأن تنفضّ عنه أمة كاملة من البشر: – العميان.. ألا يفعلون شيئاً غير عزف الناي أو قراءة القرآن. فقال محمود: – وماذا تريدهم أن يفعلوا؟ يصلّحون الساعات اليدوية؟ لم يستطع محمود وهو يخرج من بيته أن يرى وجه تلك المرأة جيداً، ولكنه شعر بها ظلت واقفة في الحديقة تنظر إليه وهو يسير، فتساءل محمود مع نفسه إن كانت قد لاحظت اختلافاً في الطريقة التي يتحرك بها؟، وقال إن الكثير مما يراه هو جديد وجنوني، كتلك الملابس الملونة التي يتلاعب بها الهواء على الحبل الممدود، أو هذه الأوراق اليابسة التي تدفعها الريح الخفيفة إلى أمام فتلاحقه وتتراقص برشاقة حول قدميه. شعر بتلك المرأة لا زالت ملتفتة إليه حتى أوصلته الى رأس الشارع، وهناك وجد بنات جميلات يشبهن الدمى يقفن على شكل حلقة، ويبدو أنهن ينتظرن باص الخط الذي يقلهّن إلى الجامعة كما كل يوم. نظر إليهن بحذر من خلف عصاه ونظارته السوداء وقال: “ترى أيهن هند؟”، التي سحرته بصوتها الواطيء الحنون، فكتب لها أجمل القصائد وخصها بأكثر أحلامه جموحاً ووقاحةً. قلبه أخذ ينبض بعنف مع اقترابه من أولئك البنات الجميلات، فحدّب نظره إلى الأرض وبدأ يعد مع نفسه من الواحد إلى العشرة لكي يتخفف من توتره. واحد.. اثنان.. ثلاثة.. أربعة.. خمسة.. ستة…………………. وشعر بدبيب خفيف يسري في جسمه كله، ثم يتصاعد سخونةً إلى رأسه، سرعان ما تحولت إلى عرق يسح من منابت الشعر بغزارة ليترك جسمه بعد ذلك بارداً كالثلج.. تساءل محمود مع نفسه مرة أخرى: “إن كانت رؤية النساء هي التي تحوّل رأس الرجل إلى مرجل يغلي، فماذا تفعل الملامسة إذن؟”، حقا إن الشيطان يجلس في الطرقات وإن عليه أن يسأل شيخه عبد الرحمن في هذا الأمر الذي يطرأ عليه بهذه الشدة لأول مرة. تحرك باص الخط وبعض البنات لا زلن ملتفتات إليه، فهل كنّ ينظرن إليه كل يوم وبهذه الطريقة لأنه أعمى، أم لأنه جميل كما أخبرته المرآة وعمته بذلك؟ إحداهن ذات وجه يشبه وجه الطفل الرضيع ظلت ملتفتة وتنظر إليه بالرغم من ابتعاد الباص، فما أحلاه إذا كان ذلك يحدث كل يوم وما أحلاها إذا كانت حبيبته هند هي التي تفعل ذلك. عليه الآن أن يقف على ناصية الشارع وينتظر الباص الذي لا يوجد فيه أحد ينظر إليه. عليه الذهاب الآن إلى مكان بعيد لا يعرفه فيه أحد، ولا ينظر فيه إليه أحد، لكي يرى الأشياء ويتفرج عليها كما ينبغي للمرة الأولى أن تكون، وأن يتحاشى، قدر إمكانه، التقاءه مع من يمكن أن يفسد عليه تلك المتعة قائلاً في سرّه: “وليَتلَطّفْ ولا يُشْعِرَنّ بكم أحداً”
ميسلون هادي والدكتور نجم عبدالله كاظم موقع الكاتبة العراقية ميسلون هادي و الدكتور نجم عبدالله كاظم